الاستقلال الداخلي في بناء الشخصية المسلمة
الحارث بن عبدالله القباع.. شخصية بناها الشرع لا الظروف
أورد الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن الحارث بن عبدالله القباع وهو الحارث بن عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي المكي(1) لقب بالقباع باسم مكيال وضعه لهم.
وروى حاتم بن
أبي صغيرة عن أبي قزعة أن عبدالملك قال في الطواف: قاتل الله ابن الزبير يكذب على
عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: لولا حدثان قومك بالكفر، لنقضت البيت
حتى أزيد فيه الحجر.
فقال له الحارث
بن عبدالله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين؛ فأنا سمعتها تقوله.
فقال: لو كنت
سمعته قبيل أن أهدمه لتركته على بناء ابن الزبير.
وقال الشعبي:
كانت أمه نصرانية، فشيعها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: كانت حبشية،
فكان هو أسود، وكان خطيبًا بليغًا دينًا(2).
تكشف سيرة
الحارث بن عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي، المعروف بالقباع، عن شخصية جمعت بين
خصائص متعددة في مرحلة شديدة الحساسية من التاريخ الإسلامي؛ فهو قرشي مخزومي من
بيت شرف، وصاحب تجربة إدارية في البصرة، وراوٍ عن الصحابة، ورجل استطاع أن يقف
أمام خليفة منتصر بكلمة حق دون أن يحول الموقف إلى خصومة سياسية.
وتكمن خصوصية
شخصيته في أنه لم يكن صاحب قوة عسكرية فقط، ولا عالمًا منعزلًا عن الواقع، بل كان
نموذجًا للعالم الإداري الذي تتحول فيه المعرفة إلى موقف، والمكانة الاجتماعية إلى
مسؤولية.
كيف أعدت نشأة مخزوم الحارث بن عبدالله القباع للسياسة؟
ينتمي الحارث بن
عبدالله القباع إلى بني مخزوم، أحد بطون قريش المعروفة بالمكانة العريقة والقيادة
التاريخية، وقد نشأ في بيئة عرفت التجارة والسياسة والفصاحة؛ حيث تجلى هذا الجمع
بين النسب القرشي الرفيع والفصاحة والخبرة السياسية في سير أعلام كالمغيرة بن شعبة
رضي الله عنه حين أُسندت إليه إدارة الكوفة والبصرة في أحرج الأوقات.
وهذا السياق
الاجتماعي والبيئي يفسر جانبًا أصيلًا من شخصية الحارث؛ فقد جمع بين اللسان
والبيان والفهم السياسي، وهي صفات كانت ضرورية لمن يتولى مسؤولية عامة في ذلك
العصر المضطرب، ولم تكن ولايته للبصرة مجرد منصب إداري عابر، بل كانت مسؤولية كبرى
في مدينة مليئة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية؛ شأن ما ظهر في حرص الولاة
الأوائل كالمغيرة بن شعبة وغيره على تنظيم المعاملات وضبط الشؤون الاقتصادية
والتنظيم الميداني لحماية الأسواق ورعاية أحوال الناس في المدن الناشئة.
ولهذا ارتبط
اسمه تاريخياً بلقب «القباع»، نسبة إلى مكيال وضعه، وهو ما يشير بوضوح إلى اهتمامه
البالغ بتنظيم شؤون الناس وضبط المعاملات اليومية، فالقيادة عنده لم تكن حضورًا
اجتماعيًا باهتاً، بل ممارسة عملية حية تمس معايش الناس وتستقيم بها مصالحهم.
ما أصل تسمية الحارث بن عبدالله بـ«القباع»؟
بقي لقب الحارث
«القباع» شاهدًا حيًا على جانب عملي وإداري دقيق من سيرته؛ فالمكيال ليس مجرد أداة
صماء لقياس السلع، بل هو ركيزة أساسية في بناء النظام الاقتصادي واستقرار المجتمع؛
شأن ما أرساه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين وضع أسس مؤسسة الإدارة
الاقتصادية، فأنشأ الدواوين، وضبط المكاييل والأوزان والعطاء، وباشر بنفسه الرقابة
الصارمة على الأسواق لحماية أموال المسلمين ومنع التلاعب بأقواتهم.
فضبط المقاييس
بحزم يصون الأسواق ويحمي حقوق المستضعفين من التطفيف والغش؛ وهو النهج الراشد الذي
تجسد بوضوح في صنيع الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين كان يدخل أسواق
الكوفة بنفسه متفقداً للمكاييل والموازين، وموجهاً الناس بقوة إلى إقامة القسط
والعدل في المعاملات المالية لحفظ حقوق الفقراء والعامة، ومثل ذلك ما أثره عبدالله
بن مسعود رضي الله عنه في إدارته الحازمة لبيت المال بالكوفة وتأسيسه للقواعد التي
تخدم المجتمع وتصون حقوقه.
وهذا يكشف بوضوح
عن عمق وجوهر الإدارة في تاريخنا الإسلامي؛ حيث إن الإصلاحات العملية الملموسة
والتشريعات التي تحفظ معاش الناس وتستقيم بها مصالحهم تخلد أصحابها في الذاكرة
الجمعية للأمة أكثر بكثير مما تفعل الخطب البليغة أو القرارات الفوقية العابرة، فقد
لا يبقى اسم المسؤول في وجدان الأمة بسبب معركة حربية خاضها فحسب، بل يخلده وضع
نظام عادل أو مكيال أمين أفاد الناس في حياتهم اليومية وبنى ثقة المجتمع بمؤسساته.
شهادة الحارث بن عبدالله القباع للخليفة بحديث إعادة بناء الكعبة
من أشهر مواقف
الحارث بن عبدالله القباع وأعظمها دلالة ما وقع له مع عبدالملك بن مروان أثناء الطواف؛
فقد كان عبدالملك قد أعاد بناء الكعبة على قواعد قريش(3) بعد أن هدم ما
بناه عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما، ظاناً أن ابن الزبير استند إلى رواية غير
ثابتة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
فلما قال عبدالملك
ما قال، بحكم الخصومة السياسية القائمة آنذاك بين الأمويين والزبيريين، لم يدخل
الحارث بن عبدالله القباع في نقاش حزبي، ولم يدافع عن ابن الزبير باعتباره خصمًا سياسياً للأمويين،
بل وقف موقف العالم الأمين وقال بهدوء وثبات: «لا تقل هذا يا أمير المؤمنين؛ فأنا
سمعتها (أي عائشة رضي الله عنها) تقوله»، ومثله ما كان من ثبات عبدالله بن عمر رضي
الله عنهما على نقل السُّنة النبوية الشريفة وأدائها بدقة كما سمعها، راداً على
الولاة والأمراء دون محاباة لأي فريق سياسي إبان الفتنة، شأن ما أثره عبادة بن
الصامت رضي الله عنه حين أقام الحق والشهادة الصادقة في وجه معاوية بن أبي سفيان
بالشام دون أدنى مراعاة للخصومة السياسية(4)، مصراً على ألا تأخذه في
الله لومة لائم.
وهذا المعنى
العظيم في انتصار كلمة الحق على سلطان السياسة والانتماء يذكرنا بما جرى للشاعر الفرزدق حين وقف بمكة فأنشد للأمة جمعاء قصيدته الخالدة يمدح الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) في حضرة هشام بن عبدالملك، فلما سجن هشامُ الفرزدقَ إثر
ذلك، أرسل إليه الإمام زين العابدين مالاً يستعين به، فردّه الفرزدق ورفض قبوله،
وقال قولته الخالدة: «ما قلتُه إلا غيرة لله ولرسوله ولأهل بيته، ولست آخذاً عليه
شيئاً»(5)، رافضاً أن يجعل مدحه للحق سلعةً تُشترى.
هذه المواقف
الراسخة تحمل في طياتها قيمة كبرى؛ لأنها نقلت القضية برمتها من ميدان الصراع
الحزبي والدولي إلى محراب الأمانة العلمية والشرعية، فلم يقل الحارث بن عبدالله القباع: ابن الزبير
محق لأنه من حزبي، بل قال: أنا شاهدت الرواية وسمعتها بأذني، وهنا تتجلى أروع صور
القوة في شخصية العالم الحقيقي؛ حين يرفض أن يجعل الحقيقة تابعة لانتماء سياسي، أو
مطية لأهواء أهل السلطة والقرار.
كيف تصدى الحارث للخليفة بأدب وحكمة؟
لم يكن الحارث بن عبدالله القباع يحدث شخصاً عادياً، بل كان يواجه أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان في أوج انتصاره
السياسي وتثبيت أركان سلطانه بعد حروب واضطرابات طاحنة، وفي مثل هذه الظروف
العصيبة، قد يميل بعض النفوس إلى المداهنة، أو اختيار الكلام المهادن الذي يرضي
القوة المسيطرة ويتقي شرها.
لكن الحارث بن عبدالله القباع قدم نموذجًا فريدًا للشجاعة الأخلاقية؛ فهو لم يرفع صوته، ولم يتعمد الإحراج أو
المشاكسة، بل قدم الشهادة الحقّة في صورة هادئة ومباشرة، شأن ما أثره أبو
ذر الغفاري رضي الله عنه حين وقف أمام السلطة بكل شجاعة مؤكداً استعداده للموت دون
التنازل عن كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم(6)، ومثل ذلك
ما ظهر في صلابة سعيد بن المسيب رحمه الله وثباته الهادئ في الصدع بالحقيقة أمام
الخلفاء والأمراء، وما روي عن أبي مسلم الخولاني حين خاطب معاوية بن أبي سفيان رضي
الله عنهما بالنصيحة الصريحة والأدب الرفيع دون تهيب من سلطانه.
وهذا من أرقى
صور التعامل الرشيد مع أصحاب السلطة؛ أن يجتمع كمال الأدب مع تمام الصراحة، ويقترن
الاحترام الواجب بالاستقلال الأخلاقي المطلق، فلم يكن احترامه لمكانة الخلافة
مانعاً له من أداء أمانة العلم، ولم تكن صراحته فجاجةً تفتقد الحكمة، بل كانت
ميزاناً دقيقاً يثبت فيه العالم على المبدأ حين يتخلى عنه غيره.
سبب ندم عبدالملك على هدم بناء الكعبة
الموقف الأبرز
بعد شهادة الحارث بن عبدالله القباع هو رد عبدالملك بن مروان بتعجب وأسف: «لو كنت سمعته
قبيل أن أهدمه لتركته على بناء ابن الزبير»؛ وهذه العبارة التاريخية العميقة تكشف
جانبًا رفيعًا في شخصية القيادة الرشيدة؛ فالقائد القوي الحقيقي ليس هو الذي يتمسك
برأيه المطلق رفضاً للتراجع، بل هو الذي يملك الشجاعة الأخلاقية الكاملة لمراجعة
قراره التنفيذي فور ظهور خطأ مقدماته وثبوت الدليل الشرعي أمامه، شأن ما أثره أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين رجع علانية عن قراره السابق فور سماع
الدليل معلناً قولته الخالدة: «أصابت امرأة وأخطأ عمر»(7)، وما جرى منه
حين تراجع فوراً عن دخول أرض الطاعون بالشام بمجرد سماع الأمانة المنقولة(8)
والحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم من عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
كما تكشف هذه
الحادثة عن القيمة العظمى للشهادة الموثوقة والمعرفة الصادقة؛ فقد استطاعت كلمة
رجل واحد أمين أن تغير تقييم خليفة على رأس الدولة لقرار سياسي وعمراني كبير،
تمنّى لو أنه سُمِع مسبقاً لامتثل له.
فالقوة السياسية
قد تملك زمام التنفيذ وإصدار القرارات، لكنها تظل محتاجة أبداً إلى المعرفة
الراسخة والشهادة الأمينة التي تضبط هذا القرار وتقومه على جادة الحق والصواب.
السمات النفسية للحارث في إدارة الأزمات الحادّة
تكشف مواقف
الحارث بن عبدالله القباع المتعددة عن مجموعة رصينة من السمات والركائز النفسية التي صنعت
فرادة شخصيته؛ أولها: الاستقلال المعرفي؛ فلم تمسخ الخصومة السياسية حكمه على
الحقيقة، ولم تدفعه العاطفة الحزبية لإنكار الواقع، شأن ما أثره الإمام التابعي
الحسن البصري رحمه الله في دخول على السلاطين والأمراء فلا تستفز هيبتهم سلطنته
ولا يداريهم مداهنة، بل ينصحهم بحكمة بالغة واستقلال ذاتي تام، ومثله ثبات عبدالله
بن عمر رضي الله عنهما وتوازنه الداخلي في عدم الخضوع للاستفزازات السياسية
والتمسك الصارم بمنهج الشرع.
وثانيها: الذكاء
الاجتماعي؛ فقد عرف بدقة كيف يخاطب الخليفة عبدالملك بن مروان بقوة الحجة وهدوء
العبارة دون استفزاز أو تملق، محاكياً في ذلك ذكاء وحكمة الصحابي الجليل جرير بن عبدالله
البجلي رضي الله عنه في مخاطبته للملوك والأمراء برزانة تثبت الحق وتمنع الصدام
الأهوج.
وثالثها:
التوازن الداخلي والعدل النفسي؛ فلم يجعله اختلاف دين أمه سببًا للقسوة أو الجفاء،
ولم يجعله فرط البر والإحسان إليها سببًا لتجاوز الضوابط الشرعية أو التنازل عن
الثوابت، محققاً بذلك كمال الاتزان الذي تجلى بوضوح في مسيرة أمين هذه الأمة أبي
عبيدة بن الجراح رضي الله عنه حين واجه القرارات العظيمة والأزمات الكبرى بثبات
هادئ ووقار كامل دون انفعال أو تذبذب.
وهذه الصفات
المنيعة المتكاملة هي وحدها التي تصنع تلك الشخصيات الراسخة القادرة على العبور
بسفينة المجتمع في أشد المراحل اضطراباً وعصفاً.
لماذا تحتاج السلطة السياسية للمعرفة الموثوقة دائماً؟
تمثل شخصية
الحارث بن عبدالله القباع وموقفه التاريخي المحكم درسًا عميقًا وخالدًا في طبيعة العلاقة
المتوازنة بين السلطة والمعرفة؛ فالخليفة يملك بما أوتي من صولجان الحكم القوة
التنفيذية والقدرة على إنفاذ القرارات، لكنه ظل محتاجاً أشد الاحتياج إلى شهادة
العالم ودليله، والعالم وإن لم يملك الجند ولا أموال الخراج، إلا أنه يملك القوة
الأعظم؛ قوة الحجة والبرهان والديانة.
وهذا التوازن
الدقيق هو أحد أهم عوامل استقامة المجتمعات وبقائها؛ شأن ما أثبتته وقائع التاريخ
الإسلامي حين انقادت قوة السلطة وقادتها لسيادة الدليل الشرعي؛ كخضوع أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقوة الدليل والحديث النبوي الشريف الذي احتج
به عبدالرحمن بن عوف في أخذ الجزية من مجوس هجر فنفذه فوراً(9)، وتجسد
ذلك بوضوح في خضوع الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله لدلائل الآثار والنصوص
التي يرفعها إليه أعيان التابعين كالقاسم بن محمد وسعيد بن المسيب، مستسلماً لقوة
الحجة على حساب القرار الإداري المحض، وما كان عليه الخلفاء والولاة من الجلوس
بتواضع بين يدي العلماء كأبي حازم الأعرج وسالم بن عبدالله للاستماع لأدلتهم
والانقياد لها.
لأن السلطة
وحدها -بلا بصيرة علمية ومعرفة راسخة- قد تضل أو تخطئ في التقدير، والمعرفة وحدها
-بلا قدرة وسلطان- قد تعجز عن إنفاذ الحق على الأرض؛ وحين يلتقي سلطان العدل ببيان
العلم، تستقيم الحياة وتزدهر الدول.
الدرس القيادي من سيرة «القباع»
تقدم لنا سيرة
الحارث بن عبدالله القباع ومواقفه الخالدة خلاصة عميقة ودروساً قيادية محكمة
تضيء درب الإدارة والسياسة والعلم؛ والقائد الناجح الحقيقي هو الذي يمتلك شجاعة
الاستماع إلى التصحيح وقبوله بصدر رحب ولو جاء ممن هو دونه منصبًا أو رتبةً؛ شأن
ما تجسد بوضوح في مسيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين كان يستمع لنصح العلماء
والناصحين فيرجع عن خطئه مستسْلِماً للحق، ومثل ما أثره أمين هذه الأمة أبو عبيدة
بن الجراح رضي الله عنه حين غلّب المصلحة العليا للأمة وتجرد عن حظوظ النفس
والمناصب، جامعاً بين الحزم العسكري العظيم والتواضع الجم وإيثار الحق.
والشخصية
المؤثرة المتبوعة هي التي تجمع بمهارة بين الحزم في إحقاق الحق والرحمة بالرعية،
وبين الثبات الراسخ على المبادئ والمرونة الحكيمة في معالجة الواقع؛ شأن ما أوصى
به التابعي الجليل مطرف بن عبدالله بن الشخير من لزوم التجرد والإنصاف مع المخالف،
وإدراك أن النزاهة في الخصومة هي الميزان الأعظم للقيادة الراشدة.
خلود الشهادة الصادقة بعد زوال السلطة والولايات
تتألق شخصية
الحارث بن عبدالله القباع كأحد أبرز النماذج النادرة التي جمعت بين شرف النسب
وعراقة المحتد ونضج التجربة العملية؛ فقد كان واليًا ومسؤولًا إداريًا كبيراً، ولهذا
لم تذبل سيرته ولم تطوها صفائح النسيان، بل بقيت قصته حية مرتبطة بلحظة واحدة
فارقة وعظيمة؛ لحظة وقف فيها رجل شجاع أمام الخليفة المنتصر ليقول تلك العبارة
البسيطة في مبناها، العظيمة في معناها: «فأنا سمعتها تقوله»، متجاوزاً بذلك تقلبات
الحكم والدول، تماماً شأن ما أثره أئمة الهدى وأعلام التابعين كزين العابدين علي
بن الحسين وسعيد بن المسيب رحمهما الله، ممن أضحت شهاداتهم ومواقفهم مرجعية خالدة
تتجاوز الأعصار وتتحدى زوال الكيانات السياسية، ومثله بقاء الخلود العطر لسيرة
الصادقين كعبدالله بن مسعود وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، اللذين انقضت ولايات
وعصور وذهبت عروش وسلطانات، وبقي ذكرهم النزيه ومواقفهم الصادقة نماذج حية خالدة
في ذاكرة الأمة إلى يوم القيامة.
إن الدول والممالك تزول، والسطوة السياسية مهما طغت تتبدل، لكن الكلمة الصادقة، والشهادة الأمينة، والموقف الحر الذي لا يبيع الحقيقة لغايات الحكم، هي وحدها التي تبقى راسخة كالجبال، يخلدها التاريخ وترويها الأجيال وفاءً للحق وإعلاءً لشأن اليقين.
الهوامش
- 1 الحارث بن عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي المكي، الملقب بـ«قُباع»، ولد في العصر النبوي وهو من التابعين وثقاتهم، اشتهر بالإمارة والجود ورواية الحديث، وكان والياً على البصرة ومكة لأمير المؤمنين عبدالله بن الزبير، سكن مكة والبصرة، وتوفي بمكة سنة 80هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 182).
- 3 كتاب تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس (1/ 117).
- 4 أخرجه ابن ماجه (18) بلفظه، وأبو داود (3349)، والترمذي (1240) كلاهما بنحوه.
- 5 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 139).
- 6 الكامل في التاريخ (2/ 484).
- 7 أخرجه الحاكم في «مستدركه» (2728) بلفظه، وأورده الماوردي في «الحاوي» (9/ 396) بنحوه، وقد ضعف بعضهم رواية المرأة.
- 8 أخرجه البخاري (5729)، ومسلم (2219)، وابن حبان (2953) باختلاف يسير.
- 9 أخرجه البخاري (3156)، والترمذي (1586)، وأحمد (1685) واللفظ لهم جميعا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً