فقه المسؤولية أمام الغضب..

لماذا يغضب بعض الناس من العدل؟ جواب شريح القاضي

رسم توضيحي لمجلس قضاء إسلامي قديم يظهر القاضي والمتخاصمين.

عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ: كَانَ إِذَا قِيْلَ لِشُرَيْحٍ كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ «أَصْبَحْتُ ‌وَشَطْرُ ‌النَّاسِ ‌عَلَيَّ ‌غِضَابٌ»(1).

ليست إجابة شريح بن الحارث الكندي عن حاله جوابًا عابرًا يقال في مجلس تحية، بل هي جملة قصيرة تحمل فلسفة كاملة في فهم القضاء والمسؤولية، فالرجل الذي قضى عقودًا طويلة بين خصومات الناس لم يكن ينظر إلى غضب المتخاصمين بوصفه علامة فشل، بل بوصفه نتيجة طبيعية لعمل لا يمكن أن يرضي جميع الأطراف.

وشريح القاضي من أشهر قضاة صدر الإسلام، اشتهر بالفطنة وسرعة البديهة ودقة النظر في الخصومات، وتذكر كتب التراجم توليه قضاء الكوفة زمنًا طويلًا، وقد ارتبط اسمه بصورة القاضي الذي يقف أمام تعقيدات المجتمع لا متفرجًا عليها، بل حاكمًا فيها، وهذا يجعل كلمته عن «شطر الناس الغاضبين» مفتاحًا لفهم طبيعة العدالة نفسها.

ومع ذلك، فإن قراءة هذا الأثر تحتاج إلى التمييز بين النص المنقول والتحليل المستفاد منه؛ فالمقصود ليس أن كل حكم قضائي يجعل نصف الناس غاضبين حسابيًا، وإنما أن طبيعة الفصل بين الخصوم تجعل القاضي العادل معرضًا لسخط من لم توافقه النتيجة، ولو كان الحكم موافقًا للحق.

لماذا لا يرضي القضاء العادل جميع الأطراف؟

تكمن قوة العبارة في أنها حوّلت تجربة قضائية طويلة إلى قانون نفسي واجتماعي مختصر، فالقضاء بطبيعته يقوم على وجود أطراف متعارضة؛ مدَّعٍ ومدَّعى عليه، مطالب ومطلوب منه، رابح وخاسر في نتيجة النزاع.

وحين يحكم القاضي، فإن أحد الطرفين غالبًا سيجد أن الحكم لم يوافق رغبته، فإذا كان القاضي يبحث عن رضا الجميع فسيدخل في تناقض مع جوهر وظيفته؛ لأن العدالة لا تعني توزيع المشاعر المتساوية بين الناس، بل إعطاء كل ذي حق حقه.

وهنا يظهر الفرق بين القاضي الذي يعمل لإرضاء الناس والقاضي الذي يعمل لإرضاء الحق، الأول قد ينجح في صناعة صورة محبوبة مؤقتًا، لكنه يهدد الثقة بالنظام كله؛ لأن الناس لا تحتاج إلى قاضٍ محبوب بقدر حاجتها إلى قاضٍ عادل.

وقد قرر القرآن هذا الأصل في قوله تعالى: (‌وَإِنْ ‌حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة: 42)، فالمعيار الذي علّقه القرآن هو القسط، لا مقدار الرضا الذي يحصل عليه الحاكم بعد الحكم.

وقد ضرب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز المثل في ذلك، حيث حرص على الحكم بالعدل ورد المظالم إلى أهلها حتى وإن غضب أقرب الناس إليه، فحين تولى الخلافة وبدأ برّد المظالم إلى أصحابها، فغضب أقاربه من بني أمية وشكوه إلى عمته أم عمرو، فبيّن لها أنه يخشى عذاب يوم عظيم، ومضى في إنفاذ الحق وإقامته غير مبالٍ بسخط أقاربه أو غضب بني قومه(2).

وقد أورد الأصفهاني أن أبا مسلم الخولاني أتى معاوية فقال له: إن عملت خيراً أجزيت به، وإن عملت شراً أجزيت به، يا معاوية، إن عدلت على أهل الأرض جميعاً ثم جرت على رجل واحد مال جورك بعدلك(3).

لماذا تفشل القيادة عند الخوف من النقد؟

تتجاوز كلمة شريح القاضي مجال القضاء إلى كل موقع مسؤولية؛ فكل قائد يتعامل مع قرارات تؤثر في مصالح متعارضة سيجد نفسه أمام السؤال نفسه: هل أختار القرار الصحيح أم القرار الأكثر شعبية؟

وهذا هو أحد أعقد الاختبارات النفسية للقيادة؛ لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى القبول الاجتماعي، ويشعر بالضيق حين يواجه النقد أو الرفض، لكن المسؤولية الحقيقية تبدأ حين يفصل الإنسان بين ألم الرفض وقيمة القرار.

فليس كل غضب دليلًا على خطأ، كما أن كل مدح ليس دليلًا على صواب، فقد يمدح الناس قرارًا لأنه يوافق أهواءهم ولو كان فيه ظلم لغيرهم، وقد يغضب إنسان لأن حقًا أُخذ منه، وقد يغضب آخر لأن امتيازًا زال عنه، وقد يغضب ثالث لأن الحكم لم يوافق هواه، ومن هنا يظهر معنى قوله تعالى: (‌فَلَا ‌تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء: 135)، وقال أيضاً: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ‌الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص: 26)، فالهوى قد يأتي من داخل الإنسان، وقد يأتي من ضغط الجماعة حوله، والعدل يحتاج إلى التحرر من الاثنين.

الصلابة النفسية.. كيف يتعامل صاحب الرسالة مع غياب الثناء؟

تكشف إجابة شريح القاضي عن مستوى مرتفع من الوعي النفسي؛ فهو لم يقل: أصبحت والناس ساخطون عليّ، بنبرة شكوى أو انكسار، بل ذكر الأمر كأنه حقيقة متوقعة من طبيعة العمل، وهذا نوع من إعادة التأطير النفسي؛ إذ لا يرى النقد أو الغضب تهديدًا لذاته، وإنما يضعه في سياقه الصحيح، فالقاضي لا يُقاس بعدد من يبتسمون له بعد الحكم، وإنما بقدر التزامه بالحق، ولهذا قال الربيع: يا منذر، ‌لا ‌يغرنك ‌كثرة ‌ثناء ‌الناس من نفسك فإنه خالص إليك عملك(4).

وهذه المهارة يحتاجها كل صاحب رسالة؛ فالمعلم الذي يرفض الغش، والمدير الذي يمنع المحاباة، والمصلح الذي ينصح بما يراه صوابًا، كلهم قد يواجهون اعتراضًا، لكن الخطر ليس في وجود الاعتراض، بل في أن يتحول الخوف منه إلى سبب للتنازل عن المبادئ.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ التَمَسَ رِضَاءَ ‌اللَّهِ ‌بِسَخَطِ ‌النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ التَمَسَ رِضَاءَ النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ»(5)، وهو معنى يقرر أن الميزان الأعلى ليس رضا الخلق إذا تعارض مع الحق، قال أبو حازم قال: لا يحسن عبد فيما بينه ‌وبين ‌الله ‌إلا ‌أحسن ‌الله ‌ما ‌بينه وبين العباد، ولا يعور فيما بينه وبين الله عز وجل إلا أعور فيما بينه وبين العباد، ولمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها، إنك إذا صانعت هذا الوجه مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه شَنِئتْك الوجوه كلها(6).

العدل ليس استرضاء للناس

كان شريح القاضي يعمل في بيئة اجتماعية معقدة؛ والكوفة في صدر الإسلام كانت مدينة واسعة تجمع قبائل واتجاهات ومصالح متعددة؛ ما يجعل الخصومات فيها كثيرة ومتنوعة.

وفي مثل هذه البيئات لا يكفي أن يكون القاضي عالمًا بالأحكام، بل يحتاج إلى شخصية مستقلة لا تتحرك بحسب صدى المجالس، فلو كان كل حكم يُقاس بردة فعل الناس، لتحول القضاء إلى استفتاء دائم في رغبات المتخاصمين.

ومن هنا كانت استقلالية القاضي جزءًا من إقامة العدل، وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري في رسالته المشهورة في القضاء: «وَآسِ بَيْنَ النَّاسِ ‌فِي ‌وَجْهِكَ ‌وَعَدْلِكَ ‌وَمَجْلِسِكَ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ، وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ»(7)، فالعدل لا يعني أن يخرج الجميع راضين، وإنما يعني أن يخرج الجميع وهم يعلمون أن الميزان لم يمِل لأحد.

بين رضا الحق ورضا الخلق

الأصل في المسلم أن يحرص على رضا ربه تعالى وإن خالف الناس جميعاً، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل في ذلك، حيث حرص على إرضاء ربه سبحانه رغم غضب قومه، فلم يتنازل عن دينه اتباعا لهوى قومه أو رغبتهم، حيث ساوموه وآذوه وعذبوه وهددوا بقتله، ومع ذلك قال بكل صلابة: «وَاَللَّهِ لَوْ وَضَعُوا ‌الشَّمْسَ ‌فِي ‌يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ، مَا تَرَكْتُهُ»(8).

ومن أخطر الأوهام التي تواجه أصحاب المسؤوليات الاعتقاد بأن النجاح يعني أن يحبهم الجميع، فبعض القرارات الصحيحة تكون مؤلمة، وبعض الإصلاحات الضرورية تزعج من اعتادوا على وضع سابق، ولهذا قيل: إن محاولة إرضاء الجميع ليست فقط أمرًا مستحيلًا، بل قد تكون أحيانًا علامة على غياب المبدأ، فالذي لا يريد أن يغضب أحدًا قد ينتهي إلى عدم اتخاذ موقف واضح أصلًا، وقد عبّر الإمام الشافعي عن هذا المعنى بقوله ليونس بن عبد الأعلى: «‌رضا ‌الناس ‌غايةٌ ‌لا ‌تدرك، ما أقوله لك إلا نصحاً، ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر ما فيه صلاح نفسك فالزمه، ودع الناس وما هم فيه»(9).

والمعنى هنا ليس احتقار الناس أو رفض نصحهم، فالإنسان يحتاج إلى المراجعة والنقد، وإنما المقصود ألا يتحول رضا الآخرين إلى صنم يُقدَّم على الحق، حتى وإن كانت نية الآخرين حسنة ورغبتهم صادقة، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدّم رضا الحق على رضا الخلق في «صلح الحديبية»؛ إذ انتاب السخط أوساط المسلمين لظاهر الشروط القاسية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم آثر إقامة الحق والصلح.

قال الواقدي: فلما اصطلحوا فلم يبق إلا الكتاب، وثب عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ألسنا بالمسلمين؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلى»! قال: فعلامَ نعطي الدنية في ديننا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا عبد الله ورسوله، ‌ولن ‌أخالف ‌أمره، ولن يضيعني»، فذهب عمر إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر، ألسنا بالمسلمين؟ فقال: بلى! فقال عمر: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر: الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر به، ولن نخالف أمر الله ولن يضيعه الله(10)، ففي هذا الموقف تأكيد على أهمية الحرص على رضا الله سبحانه وتعالى والاستجابة لأمره، حتى وإن خالف ذلك هوى النفس ورغبة الناس.

ثمن كيف يواجه القائد مقاومة أصحاب الامتيازات والمصالح؟

ليست قيمة شريح في أنه لم يغضب الناس، بل في أنه فهم لماذا يغضب بعضهم، فالقاضي الذي يحكم بين الناس سيصطدم دائمًا بمن كانت مصلحته في اتجاه آخر.

وهذا الفهم يمنح المسؤول قدرة على الثبات؛ لأنه لا يفاجأ بالتكلفة الطبيعية للقيام بالواجب، فكثير من الناس لا يسقطون لأنهم لا يعرفون الحق، وإنما لأنهم لم يستعدوا لما يصاحب الحق من مشقة.

ومن أمثلة ذلك ما رواه الفهري عن أبيه قال كان عمر بن عبدالعزيز يقسم تفاح الفيء فتناول ابن له صغير تفاحة فانتزعها من فيه فأوجعه، فسعى إلى أمه مستعبراً، فأرسلت إلى السوق فاشترت له تفاحاً، فلما رجع عمر وجد ريح التفاح، فقال: يا فاطمة، هل أتيت شيئاً من هذا الفيء؟ قالت: لا، وقصت عليه القصة، فقال: ‌والله ‌لقد ‌انتزعتها ‌من ‌ابني لكأنما نزعتها من قلبي، ولكن كرهت أن أضيع نصيبي من الله عز وجل بتفاحة من فيء المسلمين(11).

وفي واقع المؤسسات اليوم، يحتاج القادة إلى هذا الوعي؛ فالمدير الذي يطبق نظامًا عادلًا قد يواجه اعتراض أصحاب الامتيازات، والمربي الذي يضع حدودًا تربوية قد يواجه استياء بعض الطلاب أو أولياء الأمور، والمسؤول الذي يمنع الفساد قد يصنع لنفسه خصومًا من المستفيدين منه، لكن استقرار المجتمعات لا يبنى على غياب الغضب، بل على وجود أنظمة قادرة على تحمل الغضب حين يكون ثمنًا للعدل.

متى يصبح غضب الناس دليلًا على الحق؟

جملة شريح القصيرة تختصر درسًا كبيرًا؛ أن ليس كل من غضب منك خصمًا لك، وليس كل من رضي عنك شاهدًا لك، فالميزان ليس هو عدد الأصوات المؤيدة والمعارضة، بل حقيقة الموقف ومقدار قربه من الحق.

وقد يكون من علامات النضج أن يعرف الإنسان الفرق بين نقد يستحق المراجعة، وغضب سببه أن العدل لم يوافق الهوى، فالقائد الحكيم لا يغلق أذنه عن الناس، لكنه لا يسلم عقله لكل انفعال جماهيري.

وهكذا تتحول إجابة شريح عن سؤال بسيط: «كيف أصبحت؟» إلى قاعدة في إدارة الحياة كلها؛ أن من حمل مسؤولية الحق ينبغي أن يستعد لتحمل بعض تبعاته، وأن الطريق الذي يرضي الجميع غالبًا لا يقود إلى العدل.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (5/ 51).
  • 2 صفة الصفوة (1/ 369).
  • 3 حلية الأولياء (2/ 125).
  • 4 المرجع السابق (2/ 112).
  • 5 سنن الترمذي بسند صححه الألباني (2414).
  • 6 صفة الصفوة (1/ 386).
  • 7 الأحكام السلطانية: الماوردي، ص 122.
  • 8 سيرة ابن هشام (1/ 266).
  • 9 مناقب الشافعي، ص 90.
  • 10 مغازي الواقدي (2/ 606).
  • 11 صفة الصفوة (1/ 368).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة