من فقه التواضع الإنساني

كسرُ وهْم الكِبْر.. حكمة الأحنف بن قيس

د. نصر حسن

01 سبتمبر 2026

193

حكمة الأحنف بن قيس ترد الإنسان من وهم الاستعلاء إلى معرفة حدوده وكرامته الحقيقية.

أورد الذهبي عن الأحنف بن قيس قوله: «عَجِبْتُ لِمَنْ يَجْرِي فِي مَجْرَى الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ كَيْفَ يَتَكَبَّرُ!»(1).

في كلمات قليلة، ينقل الأحنف بن قيس الإنسان من الصورة التي يحب أن يراها في مرآة نفسه إلى الحقيقة التي لا يستطيع الهرب منها؛ أنه مخلوق بدأ وجوده محتاجًا، وسيظل محكومًا بالحاجة والافتقار مهما اتسع سلطانه أو علا ذكره، فالمقولة لا تناقش الكبر بموعظة طويلة، وإنما تهدم أساسه النفسي بوضع دعوى العظمة إلى جوار أصل الخلقة، فينكشف التناقض بين حقيقة الإنسان والصورة المتضخمة التي قد يصنعها عن نفسه.

وهذا المعنى يلتقي مع قوله تعالى: (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ {17} مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ {18} مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) (عبس)؛ فالقرآن لا يذكر أصل الإنسان لإذلاله، وإنما ليوقظه من الغرور، ويرده من دعوى الاستغناء إلى حقيقة العبودية والافتقار، ومن هنا تبدو كلمة الأحنف أكثر من مجرد عبارة في ذم الكبر؛ إنها إعادة للإنسان إلى نقطة البداية التي يستحيل معها أن يدّعي لنفسه كمالًا أو استقلالًا مطلقًا.

ميزان القرآن بين تكريم الإنسان والاعتراف بضعفه

يستعمل القرآن الكريم تذكير الإنسان بأصل خلقته ليعيد ترتيب وعيه بنفسه، قال تعالى: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ‌مَاءٍ ‌مَهِينٍ) (المرسلات: 20)، فالمقصود ليس مجرد تقديم معلومة عن بداية الخلق، وإنما إيقاظ الإنسان من وهم الاستغناء: كيف يتعالى مَن كانت بدايته ضعفًا، وكان بقاؤه قائمًا على الطعام والشراب والنوم والصحة، وكان انقطاع واحد من هذه الأسباب كافيًا لردّه إلى عجزه؟ إن تذكير الإنسان بأصله يعيد ترتيب علاقته بنفسه؛ فلا ينكر ما أكرمه الله به، لكنه لا يحوّل النعمة إلى دعوى للكمال.

غير أن تذكير الإنسان بضعفه لا يعني احتقاره أو امتهان ذاته؛ فالقرآن الذي يذكره بالماء المهين هو نفسه الذي يقول: (‌وَلَقَدْ ‌كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70)، وبين الآيتين يتكون الميزان السليم؛ الإنسان مكرم، لكنه ليس إلهًا؛ عزيز بعبوديته، لكنه ليس مستغنيًا عن ربه؛ صاحب عقل واختيار، لكنه يظل محدود القدرة والعلم والعمر، والتواضع الصحيح لا ينشأ من كراهية الذات، بل من معرفتها: معرفة ما أكرمها الله به، ومعرفة ما لا تملكه من خصائص الكمال المطلق، وهكذا يجتمع في التصور القرآني أصل الإنسان الضعيف مع كرامته الممنوحة له؛ فلا يقوده تذكّر بدايته إلى احتقار نفسه، ولا تقوده كرامته إلى توهم الاستغناء.

حين يفصل الضابط النبوي بين الثقة والاستكبار

لا يكفي أن نصف الكبر بأنه شعور بالعظمة، لأن بعض الناس قد يخلطون بينه وبين حسن الهيئة أو الثقة المشروعة بالنفس، وقد حسم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الالتباس حين قال: «لَا ‌يَدْخُلُ ‌الْجَنَّةَ ‌مَنْ ‌كَانَ ‌فِي ‌قَلْبِهِ ‌مِثْقَالُ ‌ذَرَّةٍ ‌مِنْ ‌كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»(2).

وبطر الحق هو رده ورفضه ترفعًا، وغمط الناس هو احتقارهم وانتقاص أقدارهم، وهكذا يصبح للكبر معياران واضحان؛ خلل في علاقة الإنسان بالحقيقة، وخلل في علاقته بالخلق.

فالمتكبر لا يكتفي بأن يعظم نفسه في داخله، بل تظهر آفته حين تبلغه الحجة فيردها لأن الاعتراف بها يجرح صورته، أو حين ينظر إلى الناس فيراهم أدنى من أن يُسمع لهم أو يُنصفوا، ويتجسد بطر الحق في موقف ذي الخويصرة التميمي حين اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم أثناء قسمة الغنائم قائلًا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم: «وَيْلَكَ، ‌وَمَنْ ‌يَعْدِلُ ‌إِذَا ‌لَمْ ‌أَعْدَلْ؟»(3)؛ فكان موقفه نموذجًا عمليًا لبطر الحق؛ إذ دفعه الاستعلاء إلى رد الحق والتطاول على صاحبه.

وبهذا المعيار قد يكون المرء أنيقًا واثقًا، ومع ذلك بعيدًا عن الكبر لأنه يقبل الحق ويحفظ كرامة الناس، وقد يظهر آخر بمظهر الزاهد المتواضع، بينما يضيق بالنقد ويحتقر مخالفيه؛ فيجتمع فيه جوهر الكبر وإن خلا مظهره من الزينة، فالمقولة الأحْنَفية ليست حربًا على الجمال ولا دعوة إلى إهدار الكرامة، وإنما هي حرب على الوهم الذي يحول النعمة إلى استعلاء، والمكانة إلى حصانة من التصحيح، ويتجسد غمط الناس في موقف أبي ذر رضي الله عنه حين سَابَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يَا أبا ذر، أعيرته بأمه، ‌إنك ‌امرو ‌فِيكَ ‌جَاهِلِيَّةٌ»(4)؛ فبيَّن له النبي صلى الله عليه وسلم أن تعيير الإنسان بأصله وأمه صورة من صور احتقار الناس وانتقاص أقدارهم، وأن مثل هذا السلوك من بقايا الجاهلية التي ينبغي للمؤمن أن يتطهر منها.

وبهذا يتضح أن الكبر في الميزان النبوي ليس مجرد هيئة أو شعور بالعظمة، وإنما يظهر حين يرفض الإنسان الحق استعلاءً، أو ينتقص الناس احتقارًا؛ ولذلك كانت مقاومة الكبر تبدأ من تصحيح موقفه من الحقيقة ومن الآخرين معًا.

حين تغدو مقولة الأحنف مرآة لتفكيك الغرور

تبدأ عبارة الأحنف بن قيس بقوله: «عجبت»، وفي هذا الاستهلال مسافة نفسية ذكية؛ فالأحنف بن قيس لا يدخل في مهاترة مع شخص بعينه، وإنما يعرض التكبر نفسه بوصفه سلوكًا مثيرًا للعجب، ثم يقيم أمام العقل صورتين متقابلتين؛ صورة النشأة الضعيفة، وصورة الإنسان المتعالي؛ وحين تتجاور الصورتان يسقط كثير من الزخرف الذي يغطي به المرء غروره.

ومن المنظور النفسي يمكن أن يعمل الكبر أحيانًا غطاءً لهشاشة داخلية أو خوف من انكشاف النقص، لكن لا يصح تحويل هذا الاحتمال إلى تشخيص لكل متكبر، والأوضح في المقولة أنها تعيد تأطير صورة الإنسان عن نفسه؛ فبدل أن ينظر إلى منصبه أو ماله أو نسبه بوصفه تعريفًا نهائيًا له، تعيده إلى دائرة أوسع تضم بدايته وحاجته وحدوده، وعندما تتسع الصورة، يصغر الجزء الذي كان يحتل الوعي كله.

ولهذا يكون أول موضع تُستعمل فيه هذه الحكمة هو النفس، لا الآخرين، فمن السهل أن يرددها المرء في وجه خصمه، ثم يتكبر هو بعلمه أو وعظه أو استقامته، أما المقصود الحقيقي فهو أن يجعلها مرآة داخلية كلما شعر بأنه أكبر من الاعتذار أو أرفع من قبول النصيحة، ويتجسد ذلك في موقف عمرو بن شأس حين نبهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطئه في حق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: «إِنَّهُ وَاللهِ يَا عَمْرُو بْنُ شَاسٍ لَقَدْ آذَيْتَنِي!»، فما كان منه إلا أن قال: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أَعُوذُ بِاللهِ وَالْإِسْلَامِ أَنْ أوذي رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(5)؛ فكان رجوعه السريع عن موقفه مثالًا على أن كسر الأنا يظهر في قدرة الإنسان على الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه دون مكابرة.

وقد تحتاج النفس أحيانًا إلى مواجهة عملية تكسر ما يتسلل إليها من عجب قبل أن يستقر فيها؛ ويتجلى ذلك في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين شوهد يحمل قربة ماء على عنقه، فلما سُئل عن ذلك قال: «‌إِنَّ ‌نَفْسِي ‌أَعْجَبَتْنِي؛ فَأَرَدْتُ أَنْ أُذِلَّهَا»(6)؛ فكان في فعله تدريب مقصود للنفس على مقاومة العجب وترويضها على التواضع.

ولا ينبغي اتخاذ صراحة العبارة ذريعة لإهانة الناس أو إذلالهم باسم التربية؛ فالمقصود من الحكمة إيقاظ النفس وإصلاحها، لا تحطيم كرامة صاحبها، ومن ثم ففاعلية الكلمة لا تقاس بقسوة لفظها، وإنما بقدرتها على كشف الغرور ودفع الإنسان إلى مراجعة نفسه دون أن تدفعه إلى المكابرة.

حين يتجلى التواضع القيادي في قبول التصحيح

يحتاج القائد إلى التواضع أكثر من غيره؛ لأن اتساع السلطة يضاعف أثر الخطأ، ويجعل القدرة على مراجعة القرار شرطًا من شروط سلامة القيادة، ولذلك كان من أبلغ صور التواضع القيادي ما جاء في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه عند توليه الخلافة، إذ قال: «فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني»(7)؛ فلم يجعل المنصب دليلًا على العصمة، بل أعلن منذ البداية حاجته إلى من يعينه ويقوّمه، جاعلًا السلطة مسؤولية قابلة للمراجعة، لا حصانة تمنع النقد.

ويكتمل هذا المعنى في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين نهى عن المغالاة في المهور، فقامت إليه امرأة من عامة الناس واستدلت عليه بآية من كتاب الله، فلم يستكبر القائد عن قبول الصواب، ولم يحمل مكانته على المكابرة، بل قال أمام الناس: «أصابت امرأة وأخطأ عمر»(8)، وهنا يتجلى التواضع القيادي في صورته الأوضح؛ أن يستطيع صاحب السلطة أن يراجع نفسه، وأن يعترف بخطئه علنًا حين يظهر له الحق.

ومن ثم فإخراج الأنا من مركز القرار لا يعني أن يتخلى القائد عن هيبته أو حسمه، وإنما يعني ألا يجعل مكانته حاجزًا بينه وبين الحقيقة، وألا ينظر إلى التصحيح بوصفه انتقاصًا من سلطته، فالقائد المتواضع لا يفقد قوته حين يقبل المراجعة، بل يحمي قراراته من أن تتحول إلى امتداد لرغبات الأنا؛ ولذلك يكون التواضع في القيادة صورة من صور القوة المنضبطة بالحق.

كيف هدم الإسلام الفوارق الطبقية والعصبية القبلية؟

عاش الأحنف بن قيس في مجتمع كان للنسب والقبيلة والسيادة فيه حضور شديد، وكانت هذه الروابط قابلة لأن تتحول من مجرد انتماء اجتماعي إلى وسيلة للاستعلاء على الآخرين، فجاءت كلمته لترد البشر إلى أصل يشتركون فيه، وتسقط عن النسب والمال والمنصب القدرة على منح صاحبها قيمة إنسانية أعلى من الآخرين.

ويؤسس القرآن لهذا المعنى في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ‌ذَكَرٍ ‌وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، فالآية تقر بوجود الشعوب والقبائل، لكنها تنزع عنها أن تكون مصدرًا للتفاضل الأخلاقي؛ فوظيفتها التعارف، أما معيار الكرامة عند الله فهو التقوى، وبذلك ينتقل الإنسان من الاعتزاز بأصله الاجتماعي إلى محاسبة نفسه بما يحققه من صلاح وتقوى.

ويأتي الهدي النبوي ليحوّل هذا الأصل القرآني إلى قاعدة صريحة في التعامل بين الناس، فيقول صلى الله عليه وسلم: «أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، ‌وَلَا ‌أَسْوَدَ ‌عَلَى ‌أَحْمَرَ، ‌إِلَّا ‌بِالتَّقْوَى»(9)، فالحديث لا يقرر مجرد وحدة الأصل، وإنما يهدم بصورة مباشرة دعوى التفاضل القائمة على العرق واللون والانتماء، ويرد القيمة إلى معيار أخلاقي يتجاوز هذه الفوارق الاجتماعية.

وعلى هذا الأساس، لا تعني المساواة في الأصل إلغاء الفروق في العلم والخبرة والمسؤولية، وإنما تعني أن هذه الفروق لا تمنح صاحبها تفوقًا في جوهر الإنسانية، ولا حصانة من النقد، ولا حقًا في احتقار غيره، فقد يكون الإنسان مديرًا وغيره موظفًا، أو عالمًا وغيره متعلمًا، أو غنيًا وغيره فقيرًا؛ لكن هذه المواقع تكاليف وأمانات، وليست درجات في أصل الكرامة الإنسانية، وفي المجتمعات المعاصرة قد تحل الألقاب الأكاديمية والمناصب الوظيفية والثروة والشهرة محل العصبية القديمة؛ تتغير الرموز، لكن الوهم يبقى واحدًا: أن يتصور الإنسان أن ما يملكه يجعله أرفع ذاتًا ممن لا يملكه.

وهنا تستعيد حكمة الأحنف بن قيس فاعليتها؛ إذ تواجه هذا الوهم من جذره، فترد الإنسان إلى حقيقته قبل أن تمنحه المكانة أو النسب أو المال شعورًا بالتفوق على غيره، ومن ثم تظل المساواة الأخلاقية قائمة على أصلين متكاملين: وحدة الأصل الإنساني، والتفاضل بالتقوى والعمل الصالح، لا بما يحمله الإنسان من اسم أو نسب أو مال أو مكانة.

كيف نترجم قيم التواضع في الحياة اليومية؟

في الأسرة يبدأ التواضع حين يتخلى الوالدان عن الاعتقاد بأن الاعتذار للأبناء يسقط الهيبة، فالهيبة التي تحتاج إلى إنكار الخطأ هي صورة أخرى من هشاشة الأنا، أما الأب أو الأم اللذان يعترفان بالتقصير فيعلمان أبناءهما أن المكانة لا تعني العصمة، وأن الرجوع إلى الحق رفعة لا هزيمة، ويتجسد هذا المعنى في سلوك النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، فقد سُئلت عائشة رضي الله عنها: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، ‌وَيَعْمَلُ ‌فِي ‌بَيْتِهِ ‌كَمَا ‌يَعْمَلُ ‌أَحَدُكُمْ ‌فِي ‌بَيْتِهِ(10)؛ فكان تواضعه في أسرته ممارسة يومية تُبقي المكانة منفصلة عن الاستعلاء، وتجمع بين الهيبة وحسن العشرة.

وفي بيئة العمل تظهر حكمة الأحنف بن قيس حين تُفصل قيمة الشخص عن درجته الوظيفية، فالمدير ليس أكبر إنسانية من موظفيه، والموظف الجديد قد يحمل ملاحظة تنقذ مشروعًا كاملًا، والمؤسسة التي يعاقب فيها الناس على قول الحقيقة تصنع قيادة متكبرة وإن امتلأت شعاراتها بالعمل الجماعي؛ أما المؤسسة الناضجة فتفتح مسارًا آمنًا للنقد، وتجعل مراجعة القرارات عادة لا إهانة.

ويقدم النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا عمليًا لذلك في تعامله مع من خدمه، فقد قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «خدمتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عشرَ سنينَ، فما قال لي أُفٍّ قطُّ، وما قال لي لشيٍء صنعتُه: لِمَ صنعتَه، ولا لشيٍء تركتُه: لِمَ تركتَه»(11)؛ فكان تواضعه في القيادة ظاهرًا في حفظ كرامة من يعمل معه، وعدم تحويل موقع المسؤولية إلى وسيلة للإهانة أو التعالي.

وفي الدعوة والتعامل مع المخالف ينبغي ألا تتحول الحكمة إلى استعراض للقسوة أو انتصار للذات، فقد يحتاج المخالف إلى كلمة توقظه، لكن المقصود أن تقوده إلى مراجعة نفسه لا أن تدفعه إلى المكابرة، ويتجلى ذلك في موقف علي بن الحسين حين خرج من المسجد فلقيه رجل فسبه، فثارت إليه العبيد والموالي، فقال علي: مهلًا عن الرجل، ثم أقبل عليه وقال: ما سُتر عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل ورجع إلى نفسه قال فألقى إليه خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم(12)، وهكذا تحول الحلم من مجرد ضبط للغضب إلى سلوك إصلاحي حفظ كرامة المخالف، وأخرج الموقف من دائرة الانتصار للنفس إلى دائرة التأثير فيها.

ويمكن لكل إنسان أن يحول حكمة الأحنف بن قيس إلى مراجعة يومية في هذه المواقف: هل أستخدم مكانتي لأفرض نفسي، أم لأخدم من حولي؟ وهل أرى الاعتذار ضعفًا، والمراجعة انتقاصًا، والمخالف خصمًا يجب إسكاتُه؟ فحين تصبح الحكمة معيارًا للسلوك لا مجرد عبارة تُردد، تنتقل من وصف التواضع إلى ممارسة تُخرج الأنا من مركز التعامل مع الأسرة والعمل والناس.

معرفة الإنسان لقدره بداية التحرر من التكبر

ليست كلمة الأحنف بن قيس دعوة إلى احتقار الإنسان، بل إلى تحريره من عبودية صورته المتضخمة، فالإنسان المكرم حقًا لا يحتاج إلى إذلال غيره كي يثبت قيمته، ولا إلى رفض الحقيقة كي يحفظ هيبته، ولا إلى تعليق ذاته بمنصب أو مال أو نسب، إنه يعرف أنه عبد مكرم بنعمة الله، وأن ما عنده أمانة ونعمة قابلة للزوال، وأن القوة التي لا يضبطها التواضع يمكن أن تتحول إلى سبب للسقوط.

ومن عرف أصله لم يتوقف عن الطموح، لكنه طهّر طموحه من الاستعلاء، ومن تذكر ضعفه لم يهرب من المسؤولية، لكنه أداها من غير ادعاء العصمة، ومن أدرك أن الناس يشتركون معه في أصل الخلقة، لم يجعل اختلاف المناصب ذريعة لغمطهم، وهنا يلتقي الطموح الصحيح بالتواضع الصحيح؛ فالتواضع لا يعني انتقاص الإنسان من قدره، وإنما أن يعرف قدره الحقيقي، فلا يجعل مكانته سببًا للاستعلاء على غيره.

ويتجلى هذا المعنى في موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين خُيّر بين أن يكون ملكًا نبيًا أو عبدًا نبيًا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًا، وكان يقول: «آكُلُ ‌كَمَا ‌يَأْكُلُ ‌الْعَبْدُ، ‌وَأَجْلِسُ ‌كَمَا ‌يَجْلِسُ ‌الْعَبْدُ»(13)؛ فمع علو مقامه وشرف منزلته، لم يجعل مكانته سببًا للاستعلاء، بل استحضر حقيقة عبوديته لله وافتقاره إليه، فعرف قدره من غير أن ينتقص من قدره الذي رفعه الله به.

وهكذا تبقى مقولة الأحنف بن قيس مرآة تختبر الإنسان في لحظات القوة أكثر مما تواسيه في لحظات الضعف، فعندما يصفق له الناس، ويتسع نفوذه، ويصعب على من حوله تصحيحه، يكون أحوج ما يكون إلى أن يسأل نفسه: كيف أتكبر، وأنا المخلوق المحتاج الذي لم يصنع بدايته، ولا يملك ضمان نهايته؟

وحينها لا تعود الكلمة مجرد طرفة بلاغية أو موعظة عابرة، وإنما تتحول إلى قاعدة لمراجعة النفس؛ أن يعرف الإنسان قدره، فيعرف قدر قوته، وقدر ضعفه، وقدر من حوله، وقدر ربه الذي تنتهي إليه كل قوة.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 95).
  • 2 أخرجه مسلم (91).
  • 3 أخرجه البخاري واللفظ له (3610)، ومسلم (1063).
  • 4 أخرجه البخاري (30)، ومسلم (1661).
  • 5 دلائل النبوة: البيهقي (5/ 394).
  • 6 المجالسة وجواهر العلم: أبو بكر الدينوري (2/ 272).
  • 7 السيرة النبوية: ابن هشام (2/ 661).
  • 8 مسند الفاروق: ابن كثير (2/ 573).
  • 9 أخرجه أحمد بسند صحيح (23489).
  • 10 أخرجه أحمد بسند صحيح (25341).
  • 11 أخرجه البخاري (6911،3561) مفرقاً، ومسلم (2309، 2330) مفرقاً باختلاف يسير.
  • 12 تاريخ دمشق: ابن عساكر (41/ 394).
  • 13 أخرجه أبو يعلى في مسنده (4920)، وقال الهيثمي في «المجمع» (9/ 19): «إسناده حسن».
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة