الزهد البصير.. أبو عثمان النهدي وحرية القلب من الدنيا
روى الذهبي في
ترجمة أبي عثمان النهدي(1)، عن حذيفة بن اليمان قال: «خرج فتية
يتحدثون، فإذا هم بإبل معطلة، فقال بعضهم: كأن أرباب هذه ليسوا معها، فأجابه بعير
منها فقال: إن أربابها حشروا ضحى».
وروى أبو عثمان
النهدي عن أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقفت على باب الجنة،
فإذا أكثر من يدخلها الفقراء، وإن أهل الجد محبوسون»(2).
يمثل هذا الأثر
جانبًا من البناء الروحي والعلمي لشخصية أبي عثمان النهدي عبد الرحمن بن مُلّ، أحد
كبار التابعين الذين جمعوا بين طول العمر، وقوة العبادة، وكثرة الرواية عن الصحابة،
فقد أدرك أبو عثمان النهدي الجاهلية والإسلام، وكان من أعلام البصرة، وروى عن عدد
من كبار الصحابة، ومنهم حذيفة بن اليمان وأسامة بن زيد رضي الله عنهما.
والقراءة في هذه
الروايات لا تقف عند حدود غرابة المشهد أو نقل الخبر، بل تكشف عن منظومة تربوية
كاملة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بالدنيا، وتضع المال والجاه والامتلاك في موضعهما
الصحيح: وسائلَ ابتلاء لا مقاييسَ نهائية للنجاح.
كيف شكل أبو عثمان النهدي وعي التابعين؟
جاء عصر
التابعين الأولين في مرحلة انتقال اجتماعي واسع؛ فقد خرج المسلمون من حياة البداوة
المحدودة إلى مجتمع أكثر اتساعًا بفعل الفتوحات وانتشار العمران وتدفق الأموال، وفي
مثل هذه التحولات تظهر الحاجة إلى نماذج علمية وروحية تحفظ التوازن بين عمارة
الدنيا وعدم الارتهان لها.
كان أبو عثمان
النهدي من الشخصيات التي أدركت هذا المعنى بعمق؛ فلم يكن ناقلًا للأخبار فقط، بل
كان حاملًا لرسالة تربوية، فاختياره للرواية عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه،
المعروف بعلمه بالفتن وأحوال آخر الزمان، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه، القريب
من النبي صلى الله عليه وسلم، يجمع بين جانبين مهمين: استشعار خطر الغفلة، ومعرفة
حقيقة الموازين عند الله.
ومن هنا يظهر أن
مدرسة أبي عثمان لم تكن قائمة على الانعزال عن الحياة، وإنما على إعادة ضبط موقع
الدنيا في القلب؛ فالإنسان قد يملك المال، لكنه لا يسمح للمال أن يملكه.
ويتجلى هذا
التوازن في موقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين تولى الخلافة، وقد وجد نفسه أمام
اتساع في الملك وتدفق في الأموال ومظاهر اعتادها أصحاب السلطة، لكنه اختار أن يبدأ
بالإصلاح من نفسه، فقال: «مالي ولها؟ نحوها عني، قربوا إلي بغلتي»(3).
فلم يكن رفضه
لمظاهر الخلافة مجرد صورة من صور الزهد الشخصي، بل رسالة إلى الأمة بأن اتساع
الدنيا لا ينبغي أن يغيّر موقعها في القلب، وهكذا يتحول التجرد من قيمة فردية إلى
وعي قيادي يحفظ للسلطة معناها، وللدولة مقصدها، وللإنسان صلته بالآخرة.
كيف يكشف الرحيل المفاجئ زيف وهْم الاستقرار؟
يحمل خبر حذيفة
بن اليمان عن الإبل المعطلة مشهدًا شديد التأثير؛ مجموعة من الفتية يرون إبلًا بلا
أصحاب، فيستغربون غياب أربابها، ثم يأتي الجواب المفاجئ: «إن أربابها حُشروا ضحى».
بعيدًا عن النظر
إلى غرابة الحادثة، فإن دلالتها التربوية تقوم على نقل الإنسان من وهم الاستقرار
إلى حقيقة الفناء، فالأشياء التي يظن الإنسان أنها رمز للأمان والامتلاك قد تبقى
بعده لحظة ينقطع فيها حضوره، ويبقى السؤال الأكبر: أين ذهب صاحبها؟
وهذا المعنى
يوافق ما قرره القرآن من قرب الحساب مع غفلة الإنسان، قال تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ) (الأنبياء: 1).
فالمشكلة ليست
في وجود النعمة، وإنما في أن تتحول النعمة إلى حجاب يمنع رؤية النهاية، ولهذا كان
تذكير السلف بالموت والحساب وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات، لا دعوة إلى ترك العمل
أو تعطيل أسباب القوة.
لماذا يطول حساب الأغنياء عند أبواب الجنة؟
تأتي الرواية
الثانية لتكمل المعنى من زاوية أخرى؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقف
على باب الجنة فرأى أن أكثر من يدخلها الفقراء، وأن أهل الجد محبوسون.
ومعنى ذلك لا
يحمل ذمًا مطلقًا للغنى، فكم من غني صالح كان من أهل الفضل! وإنما يشير إلى ثقل
المسؤولية الملازمة للمال والقدرة والمكانة، فصاحب النعمة يُسأل عنها، وصاحب
السلطة يُسأل عن أثرها، وصاحب المكانة يُسأل عن استعمالها.
ولهذا كان تأخر
أهل الجد بسبب طول الحساب لا بسبب مجرد امتلاكهم لما في أيديهم، وقد قال الله
تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ
يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (التكاثر: 8).
ويتجسد استشعار
ثقل النعمة في موقف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؛ فحين أُتي بطعام وهو صائم،
تذكر مصعب بن عمير، وحمزة بن عبدالمطلب، رضي الله عنهما، وما قدّماه، وكيف ماتا في
حال من شدة الفقر، حتى لم يُوجد لمصعب ما يُكفَّن فيه إلا شملة، ثم نظر إلى ما
فُتح عليه من الدنيا، وقال: «وإني لأخشى أن تكون قد عُجِّلت لنا طيباتنا»(4)،
ثم بكى وترك الطعام.
وهكذا لم يرَ
عبدالرحمن كثرة المال مجرد نعمة تُفرح، بل أمانة تستدعي الخوف من الحساب؛ فكلما
اتسعت يد الإنسان في الدنيا، اتسعت معها مسؤوليته عن كيفية استعمال ما أُعطي.
وفي واقع الناس
اليوم يظهر هذا المعنى بوضوح؛ فكلما ازدادت المسؤوليات والأملاك والمناصب ازدادت
الحاجة إلى محاسبة النفس، لأن النجاح الحقيقي ليس في كثرة ما يجمع الإنسان، بل في
حسن ما يقدمه بما جمع.
عندما تكون اليد ممتلئة بالمال والقلب حرًا
تكشف شخصية أبي
عثمان النهدي أن الزهد ليس رفضًا للنعمة، وإنما تحرر من أسرها، فالإنسان الزاهد قد
يملك الأشياء، لكنه لا يجعل قيمته مرتبطة بها.
وهذا النوع من
البناء النفسي يمنح صاحبه قدرة على الثبات أمام تغيرات الحياة؛ لأن من ربط سعادته
بالمظاهر الخارجية يصبح مضطربًا بزوالها، أما من جعل ميزانه أعمق من ذلك فإنه
يستطيع التعامل مع التحولات بثبات.
وقد عاش أبو
عثمان النهدي عمرًا طويلًا في العبادة والعلم، وكان مثالًا في الصبر والاجتهاد،
فصار أثره العلمي شاهدًا على أن التخفف من الدنيا لا يعني ضعف الإنتاج، بل قد يكون
سببًا في قوة العطاء.
ويعبّر علي بن
أبي طالب رضي الله عنه عن هذا المعنى بدقة حين قال: «الزهد في الدنيا ليس بتحريم
الحلال ولا بإضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك»(5)،
فالزهد عنده ليس في قلة ما يملك الإنسان، وإنما في قلة تعلق قلبه بما يملك؛ فقد
تكون اليد ممتلئة، والقلب حرًّا.
وهنا تتضح الصلة
بين الزهد والعطاء؛ فكلما تحرر الإنسان من الخوف المفرط على ما في يده، أصبح أقدر
على الإنفاق والعمل والصبر عند تغير الأحوال، دون أن تهتز قيمته بزوال شيء من متاع
الدنيا.
كيف تحول النصيحة الصادقة المبدأ إلى قرار؟
لم يكن أثر أبي
عثمان النهدي في مجرد نقل حديث أو رواية خبر، بل في صناعة تصور كامل للحياة، فالقيادة
الحقيقية لا تقوم دائمًا على كثرة الخطب، وإنما على قدرة الإنسان على تجسيد
المعاني التي يدعو إليها.
وتتجسد قوة
القدوة الحية في موقف عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز مع أبيه؛ فحين أراد عمر أن
يستريح بعد دفن سليمان بن عبد الملك، ذكّره ابنه بثقل الأمانة، وقال له: «أتقيل
ولا ترد المظالم؟» ثم قال: «يا أمير المؤمنين، من لك أن تعيش إلى الظهر؟»(6)،
فاستجاب عمر وقام من فوره، مؤثرًا أداء حقوق الناس على راحته.
وهنا تظهر
القيادة في صورتها الأعمق؛ أن تتحول القناعة إلى موقف، والمبدأ إلى قرار، والقدوة
إلى أثر يتعلم منه الآخرون، فالمجتمع لا يتربى بما يقال له فقط، بل بما يراه فيمن
يتصدر مسؤوليته.
وفي المجتمعات
التي تمر بتحولات اقتصادية واجتماعية، يكون وجود القدوات الزاهدة العارفة بقيمة
الدنيا ضرورة لحماية المجتمع من اختلال الموازين.
ولهذا كان علماء
السلف يواجهون تضخم المادة بتجديد معنى المسؤولية، لا بمحاربة أسباب القوة، فالإسلام
لا يطلب من الإنسان أن يترك عمارة الأرض، وإنما يطلب منه ألا يجعل الأرض أكبر من
غايته.
كيف قلب الحديث الشريف المقاييس الاجتماعية للجاه؟
يقدم هذا النص
معيارًا مختلفًا للنجاح؛ فالمجتمع غالبًا يقيس الإنسان بما يملك من مال أو شهرة أو
نفوذ، بينما يعيد الوحي ترتيب الميزان ليجعل القيمة في التقوى والعمل الصالح؛ قال
تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).
وتتجلى إعادة
ترتيب هذا الميزان في موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين مرَّ به رجل شريف ذو مال
وهيئة، فسأل أصحابه عنه، ثم مرَّ رجل من فقراء المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم:
«هذا خيرٌ من ملء الأرض من مثل هذا»(7)، فكان المعيار الذي قرره النبي صلى
الله عليه وسلم أبعد من المال والمظهر والمكانة الاجتماعية؛ إذ جعل قيمة الإنسان
فيما يحمله من خير وتقوى، لا فيما يملكه أو يراه الناس عليه.
وهكذا تتغير
نظرة الإنسان إلى النجاح؛ لا يكون السؤال كم ملك؟ أو كم ظهر. أو كم ارتفع في أعين
الناس؟ وإنما ماذا صنع بما أُعطي؟ وهل زادته النعمة قربًا من الله ونفعًا لعباده؟
وفي زمن تتسع
فيه ثقافة الاستهلاك، يحتاج الإنسان إلى مراجعة علاقته بما يملك: هل الممتلكات
تخدم رسالته أم تستنزف عمره؟ هل المكانة تزيد مسؤوليته أم تضخم ذاته؟
ومن هنا فإن
رسالة أبي عثمان النهدي ليست دعوة إلى الهروب من الحياة، وإنما دعوة إلى امتلاك
البصيرة التي تمنع الإنسان من أن يصبح عبدًا لما يملك.
لماذا تفوق المشاهد الحية أبلغ المواعظ والخطب؟
تتميز هذه
الروايات بقوة الصورة؛ فمشهد الإبل التي بقيت بلا أصحاب يختصر معنى الرحيل
المفاجئ، ومشهد الوقوف على باب الجنة يكشف انقلاب المعايير يوم القيامة.
وهذه من طرائق
التربية النبوية؛ تحويل المعاني الكبرى إلى صور حية تبقى في الذاكرة، فالصورة
أحيانًا أبلغ من التقرير، والمشهد قد يوقظ في النفس ما لا توقظه المواعظ المجردة.
ولهذا بقيت
أخبار السلف تحمل قوة تربوية؛ لأنها لم تقدم أفكارًا مجردة فقط، بل قدمت نماذج
بشرية عاشت هذه المعاني واقعًا.
تكشف أخبار أبي
عثمان النهدي أن أعظم ما يحتاجه الإنسان ليس كثرة ما يملك، وإنما وضوح ما يريد، فالدنيا
في ميزان الإيمان ليست عدوًا، لكنها اختبار؛ والمال ليس مذمومًا، لكنه مسؤولية؛
والجاه ليس نجاة، لكنه أمانة.
لقد نقل أبو
عثمان النهدي عن حذيفة وأسامة رضي الله عنهما أخبارًا تعيد الإنسان إلى حقيقة
المصير: أن سرعة الوصول ليست بكثرة المتاع، وأن أثقل الأحمال ليست دائمًا ما يحمل
على الظهر، بل ما يحمله القلب من تعلق وغفلة ومسؤولية.
ومن هنا يبقى درس النهدي ممتدًا إلى كل زمان: خذ من الدنيا ما يعينك على الطريق، ولا تجعلها الطريق نفسه.
الهوامش
- 1 أبو عثمان النهدي الإمام، الحجة، شيخ الوقت، عبدالرحمن بن مل -وقيل: ابن ملي- ابن عمرو بن عدي البصري، مخضرم معمر، أدرك الجاهلية والإسلام، وغزا في خلافة عمر وبعدها غزوات. وحدث عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وبلال، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري، وأسامة بن زيد، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي هريرة، وابن عباس، وطائفة سواهم. حدث عنه قتادة، وعاصم الأحول، وحميد الطويل، وسليمان التيمي، وأيوب السختياني، وداود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وعمران بن حدير، وعلي بن جدعان، وحجاج بن أبي زينب، وخلق، سير أعلام النبلاء، ج4، ص176.
- 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص178.
- 3 صفة الصفوة، ج 2، ص 114.
- 4 الطبقات الكبرى لابن سعد، ج 3، ص 126.
- 5 المرجع السابق، ج 3، ص 60.
- 6 صفة الصفوة، ج 2، ص 115.
- 7 الطبقات الكبرى لابن سعد، ج 3، ص 116.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً