أزمة الرجال قبل أزمة المعركة
مصعب بن الزبير.. كيف انهارت الجبهة قبل أن يهزمها السيف؟!
يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن مصعب بن الزبير(1) خبراً يقول فيه:
وأشار ابن الأشتر بقتل زياد بن عمرو، ومالك بن مسمع، فلما التقى الجمعان، لحقوا
بعبدالملك وهرب عتاب بن ورقاء، وخذلوا مصعبًا.
فقال ابن قيس
الرقيات:
إن الرزية يوم
مسكن والمصيبة والفجيعة(2)
بابن الحواري(3)
الذي لم يعده يوم الوقيعة(4)
غدرت به مضر
العراق وأمكنت
منه ربيعه
فأصبت وترك يا
ربيع وكنت
سامعة مطيعه
يا لهف(5)
لو كانت له بالدير يوم الدير شيعه
أولم يخونوا
عهده أهل
العراق بنو اللكيعه(6)
لوجدتموه حين
يحدر لا يعرس بالمضيعة(7)
وقيل: أخبر عبدالله
بن خازم السلمي أمير خراسان بمسير مصعب إلى عبدالملك، فقال: أمعه عمر بن عبيد الله
التيمي؟ قيل: لا، ذاك استعمله على فارس، قال: أفمعه المهلب بن أبي صفرة؟ قيل: لا،
ولاه الموصل، قال: أمعه عباد بن حصين؟ قيل: استعمله على البصرة، فقال: وأنا هنا،
ثم تمثل:
خذيني وجريني
ضباع(8) وأبشري بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره(9)
وجعل مصعب كلما
قال لمقدم من جيشه: تقدم لا يطيعه.
تكشف هذه
الروايات عن الوجه الآخر من نهاية مصعب بن الزبير؛ فبعد أن عُرف بالشجاعة والسخاء
والهيبة، ظهر في لحظة الحسم أن أخطر ما يواجه القائد ليس دائمًا قوة خصمه، بل
هشاشة البناء الداخلي الذي يعتمد عليه.
فمعركة «دير
الجاثليق»(10) لم تكن مجرد مواجهة بين جيشين، وإنما كانت اختبارًا
لشبكة الولاءات، ولطريقة توزيع القيادات، ولقدرة الأمير على التمييز بين من يملك
الكفاءة ومن يملك مجرد النفوذ الاجتماعي.
لماذا تساءل ابن خازم عن المهلب؟
يلفت سؤال عبدالله بن خازم السلمي عن قادة مصعب الكبار؛ عمر بن عبيد الله، والمهلب بن أبي صفرة،
وعباد بن حصين، النظرَ إلى حقيقةٍ عسكرية وإدارية صلبة؛ أن القوة لا تُقاس بكثرة
الأجساد في الميدان، بل بنوعية الرجال القادرين على ضبط الصفوف وتحمل ضغط الانهيار
في اللحظة الحرجة، لقد أدرك ابن خازم بفروسيته أن غياب هؤلاء الأعلام لم يكن مجرد
نقصٍ عددي، بل كان إخلالاً كلياً بميزان القوى، يفرغ الجيش من ركائزه الصلبة في
أحرج أوقات الدولة.
ويتجلى هذا الدرس القيادي في أهمية وجود نوعية الرجال الصلاب في المحكات الكبرى:
- معيار
الكفاءة وأمنية الفاروق: التحديد الدقيق لنوعية الرجال في فلسفة عمر بن الخطاب رضي
الله عنه؛ حين قال لأصحابه: «أتمنى بيتاً ممتلئاً رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح،
ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان فأستعملهم في طاعة الله»(11)، مدركاً
بحصافته الإدارية أن حماية الثغور وإدارة الشدائد لا يقومان على حشد الأعداد، بل
على أرباب الحزم والكفاءة القادرين على تثبيت أركان الدولة.
- حسم القيادة
الصلبة في لحظة التردد: موقف القائد الصلب سعد بن معاذ رضي الله عنه يوم «بدر»؛
حين خاف بعض الناس كثرة العدو، فقام يمثل نوعية الرجال التي تحسم الموقف وتزن
جيشاً بأكمله، قائلاً للنبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا
الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ»(12)،
فكان ثباته ورسوخ عقيدته هما المرتكز الذي بث الطمأنينة في الصفوف وحسم كفة
المواجهة.
إن تجربة مصعب
تؤكد أن إبعاد القيادات الصلبة أو غيابها عن موقع القرار وقت الأزمات هو المخاطرة
الكبرى التي لا تعوضها كثرة الجند؛ فالجيوش بدون قادة صدمة يملكون الثبات والحضور
الميداني تغدو كالبناء الهش، ينهار عند أول ضغط عسكري.
لماذا تجاهل مصعب بن الزبير تحذيرات ابن الأشتر؟
تكشف الرواية عن
خلل هيكلي أعمق من غياب قادةٍ ميدانيين؛ إذ فضحت اعتماد جزء كبير من المنظومة
الزبيرية على ولاءات قبلية هشة لم تتشرب قناعة راسخة بالمشروع، وحين قرأ إبراهيم
بن الأشتر -ببصيرته الميدانية- احتمالية غدر القيادات القبلية؛ مثل زياد بن عمرو،
ومالك بن مسمع، نصح مصعباً بالتعامل الحازم معهم، غير أن مصعباً لم يأخذ بالتحذير،
سواءً لثقته المفرطة، أو لرغبته في تجنب صدام داخلي؛ فكانت النتيجة المأساوية أن
مالت تلك القيادات إلى كفة عبدالملك بن مروان فور احتدام اللقاء، وانسحب عتاب بن
ورقاء بفرسانه، لتتفكك الجبهة وتنهار قبل أن تستثمر كامل قوتها.
ويتجلى هذا الفارق الجوهري بين ولاء المصلحة المتغيرة وولاء العقيدة الثابتة في شواهد تاريخية ناصعة:
- الحسم مع
الولاءات القبلية المتلونة: موقف الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه مع بني
قريظة يوم «الخندق»؛ حين حذّر من غدرهم ونقضهم العهد القائم على التحالفات
السياسية والمصالح، وحين نزلوا على حكمه بعد خيانتهم للمسلمين، أمضى فيهم حكم الله
القاطع، ولم يُدارِ ولاءاتهم القبلية المتلونة أو يعقد معهم صفقات المساومة.
- تحجيم
العصبية وتثبيت ولاء المبدأ: صنيع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع
وُلاته؛ حين كان يتفقد زعماء القبائل في الشام والعراق بنفسه، ويُحذر وُلاته -كأبي
موسى الأشعري- من الاعتماد الكلي على التوازنات العشائرية والولاءات العابرة بغير
بناءٍ راسخ على الإيمان والمبدأ، متخوفاً من وقوع الخيانة فور تغير موازين القوى
في الثغور.
إن درس «دير
الجاثليق» يؤكد أن الجيوش التي تُبنى على تحالفات قائمة على العصبية والمصالح
العاجلة تحمل بذور هزيمتها في داخلها؛ فالزعامات التي لا يدفعها إيمانٌ بالمشروع
لن تجد غضاضة في تبديل مواقعها في ساحة المعركة، لتصبح الخيانة في عُرفها مجرد
قراءة برجماتية لتغير موازين القوة.
مظاهر انهيار الطاعة العسكرية بالميدان الحرِج
تختصر جملة
«وجعل مصعب كلما قال لمقدم من جيشه: تقدم لا يطيعه» مأساة السقوط التنفيذي؛ إذ لا
تُقاس السلطة بالشجاعة الفردية للمُطاع، بل بوجود منظومةٍ قادرة على تحويل القرار
الصارم إلى فعلٍ ميداني، فعندما تنحلّ رابطة الانضباط، تتلاشى الهيبة الظاهرة،
ويتحول الأمر الصادر من أعلى الهرم الإداري إلى مجرد صوتٍ بلا أثر.
ويتجلى خطورة انهيار الطاعة وفقدان القدرة التنفيذية في شواهد تاريخية ناصعة:
- انكسار
القرار القيادي في الميدان: ما شهدته غزوة «أُحد» حين خالف الرماة أمر النبي صلى
الله عليه وسلم الصريح بالثبات في جبل الرماة(13)؛ فلما فقد القرار
القيادي نفاذه الميداني وانفصلت الطاعة التكتيكية عن إرادة القيادة العليا، تحول
النصر العسكري إلى انتكاسة قاسية، مبرهناً على أن عصيان الأوامر يفكك أعتى
المنظومات من الداخل.
- مأساة عجز
السلطة عن الإلزام: معاناة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الكوفة؛
حين كان يخطب في الناس يندبهم للخروج للميدان ومواجهة الأخطار، فيتثاقلون عنه
وتتلاشى فاعلية أوامره بسبب شلل التنفيذ وتفكك الجبهة الداخلية، حتى قال: «يَا
عَجَبَاً! أُعْصَى وَيُطَاعُ مُعَاوِيَةُ!»(14)، في تجسيد صارخ لما
يؤول إليه الحكم حين يفقد آليات الإكراه والتنفيذ.
إن تجربة «دير
الجاثليق» تُقرر قاعدة إدارية وسياسية خالدة؛ أن المؤسسات لا تنهار عندما تعجز
قياداتها عن اتخاذ القرار، بل عندما تعجز أجهزتها عن تنفيذه؛ فالأمر بلا طاعة مجرد
وهْم، والشجاعة بلا جند يمتثلون مجرد ترجُّلٍ أخير.
دلالات رثاء ابن قيس لخذلان العراق
لم يكن رثاء
عبيد الله بن قيس الرقيات لمصعب بن الزبير مجرد مرثية عادية لشرف السلاح وسقوط
القادة؛ بل كان صرخة ألمٍ تُجسد الفاجعة الكبرى في الوجدان العربي؛ فاجعة الخذلان
وسقوط الوفاء، فالمرارة التي طفحت بها أبياته لم تنبع من انكسار الجبهة العسكرية
في الميدان، بل من غدر العهود وتخلي من اعتمد عليهم في أحرج أوقاته؛ فالهزيمة
الحربية قدرٌ وارد في سجال الصراع، أما انحلال المواثيق وغدر النصير فجرحٌ سياسي
ونفسي غائر يُبدد الهيبة ويتجاوز آلام السلاح.
ويتجلى هذا الفارق المؤلم بين المصرع الشريف وطعنة الغدر في شواهد تاريخية ناصعة:
مرارة الغدر
على النفس النبوية: فاجعة «بئر معونة»(15) حين غدرت قبائل رِعل وذكوان
بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقرّائه السبعين بعدما منحوهم الأمان والميثاق؛
إذ لم يقع ألم المسلمين لفقد الرجال فحسب، بل لمرارة الخيانة الخسيسة، مما جعل
النبي صلى الله عليه وسلم يقنت شهراً كاملاً يدعو على الغادرين لما خلفه نكث العهد
في النفوس.
- مأساة طعنة
الناصر ونكث المواثيق: تجربة الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما مع أهل الكوفة؛
حين أرسلوا له بالبيعة والعهود ولزوم النصرة، فلما نزل بعرصات كربلاء أسلموه
لخصومه وتخلوا عنه، فكانت مرارة الخديعة ونكث العهود أشد في الوجدان من ألم
المواجهة العسكرية.
تخلد أبيات ابن
قيس الرقيات حقيقة أخلاقية خالدة؛ أن هناك فرقاً شاسعاً بين قائدٍ صرعه السيف في
ملحمة شريفة، وقائدٍ اغتالته خيانة حلفائه؛ فالأول تُرفع له أسباب الإجلال،
والثاني يُبكى له أساً على زمنٍ ضاعت فيه ذمم الرجال.
تقييم العوامل الذاتية والموضوعية لسقوط الكوفة
تتجاوز قراءة
سقوط مصعب بن الزبير الاختزال السطحي لتتوزع بين زاويتين تحليليتين؛ الأولى:
تُحَمِّل المسؤولية للقرارات الإدارية في اختيار القادة والاتكال على ولاءات غير
مضمونة مع إبعاد أهل الخبرة، والثانية: ترى أن الجغرافيا السياسية للعراق كانت
شديدة التعقيد والتذبذب، بحيث تجعل أي مشروع سياسي عرضة للانكشاف عند أول محك، والحقيقة
أن المشهد صاغته المشابكة بين العاملين؛ فطبيعة الإقليم المتقلبة فرضت تحدياً
مركباً، لكن إدارة التحالفات واختبار الرجال في الساعات الحاسمة حسما النتيجة
لصالح عبدالملك.
ويتجلى هذا التناغم بين كفاءة الشخوص ورصانة المنظومة في شواهد تاريخية ناصعة:
المعامل
المؤسسي والرقابة على الأفراد: منهج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في
إدارة ولاية العراق والأمصار المعقدة؛ إذ لم يكتَفِ باختيار القادة، بل أسس «ديوان
العطاء»(16)، وأوفد المفتش المؤسسي كمحمد بن مسلمة لمعالجة الاختلالات
الميدانية، مبرهناً على أن ضبط البيئات المركبة يتطلب تكامل النظام الحازم مع
الشخوص الأكفاء.
إن تجربة «دير
الجاثليق» تبرهن على أن النظام الرصين يعجز عن الصمود إذا أداره أفرادٌ يفتقرون
للولاء والمبدأ، كما أن القادة الأكفاء يستحيل عليهم النجاح في بيئة تنعدم فيها
المؤسسية؛ فالنجاح السياسي وليد بيئة توازن بين حكمة القرار وحصانة النظام.
ضوابط توزيع الكفاءات وإدارة الأخطار المؤسسية
تقدم هذه
الحادثة خلاصة مرجعية في علم بناء المؤسسات وإدارة الأزمات؛ فالقيادة الرشيدة لا
تعني الاحتماء بكثرة المؤيدين، بل بتأسيس دائرةٍ صلبة من الرجال الموثوقين الذين
يثبتون عند احتدام الاختبار، كما تشترط الحكمة الإدارية الموازنة بين حسن الظن
الإنساني والحذر الواقعي المدعوم بالمعلومات الدقيقة؛ إذ لا يُعد الحذر سوء ظن، بل
صيانةً للمشروع، فضلاً عن أن التوزيع التكتيكي للكفاءات يجب أن يراعي محطات الخطر،
فلا يُستبعد العناصر الأقوى عن مركز الصدمة في الأوقات التي تتطلب حضورهم الفاعل.
ويتجلى هذا الدرس القيادي المركب في شواهد تاريخية ناصعة:
- دفع النواة
الصلبة في أحرج لحظات الخطر: تقديم النبي صلى الله عليه وسلم لأقرب وأصلب رجاله
عقيدةً وكفاءة -علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبدالمطلب، وعبيدة بن الحارث، رضي الله
عنهم- لمبارزة صناديد قريش يوم بدر(17)؛ اعتماداً على النواة الموثوقة
في أشد دقائق الصراع خطورة بدلاً من الدفع بعناصر غير مجربة.
إن سقوط مصعب
يظل صرخة تحذير لكل قائد؛ أن الثقة بغير معلومات مجازفة، والأعداد بلا صلابة وهم،
وإبعاد أرباب الكفاءة عن ثغور المواجهة تجريدٌ للمؤسسة من أصل قوتها حين تكون بأشد
الحاجة إليها.
أسباب انهيار التنظيم الداخلي قبل القتال
تكشف نهاية مصعب
بن الزبير أن سقوطه لم يكن مرده نقصاً في الشجاعة أو تراجعاً في البسالة؛ فقد بقي
حتى رمقه الأخير مقاتلًا صلبًا لا يلين، لكن الحقيقة التاريخية أن المعركة حُسمت
ضده قبل الصدام الميداني الكامل، وتحديداً حين تفككت شبكة القيادة وتهاوت
التحالفات من حوله، لقد امتلك مصعب جميع مقومات الأمير الفارس من الهيبة والمال
والنفوذ، لكنه اصطدم بأزمةٍ أعمق من شجاعته الفردية: «أزمة الولاء المؤسسي»، وتلك
هي مأساته الكبرى؛ إذ لم يجد في لحظة العاصفة العدد الكافي من الرجال الصادقين
الذين يحملون معه عبء المشروع، لتبقى نهايته درساً بليغاً يؤكد أن القادة لا
يسقطون دائماً بضربات خصومهم، بل يسقطون حين يعجزون عن تحويل نفوذهم العابر إلى
بناءٍ متماسك يحميهم عند اشتداد المحن.
ويتجلى هذا الدرس القيادي في أهمية الولاء المؤسسي وعجز الشجاعة الفردية عن إنقاذ البناء المتداعي في شواهد تاريخية ناصعة:
- تفكك
التحالفات قبل الصدام الميداني: خيانة عبدالله بن أُبيّ بن سلول وانسحابه بثلث
الجيش في غزوة أُحُد قبل بَدْء المعركة(18)؛ في محاولة غادرة لضرب
التماسك الداخلي وإحداث انهيار في صفوف المسلمين قبل أن تلتحم السيوف، مما يؤكد أن
التحالفات الهشة والولاءات المدخولة هي أول ما يتساقط عند اقتراب الخطر.
- الشجاعة
الفردية لا تنقذ المنظومة المنهارة: نهاية مروان بن محمد (آخر خلفاء الدولة
الأموية)؛ إذ كان مضرباً للمثل في الشجاعة والفروسية والصلابة العسكرية، لكن
معركته الحاسمة «معركة الزاب»(19) حُسمت ضده بسبب انحلال شبكة الولاءات
القبلية وتفكك أجهزة دولته من الداخل، فسقط رغم بسالته الفائقة؛ مبرهناً على أن
شجاعة القائد الفردية لا تُغني شيئاً إذا تداعى البناء المؤسسي من حوله.
اصطفاف الأمة وآفة الخيانة.. الدرس الخالد من مأساة مصعب
تُتوج سيرة مصعب
بن الزبير الدرس الأكبر في تاريخ القيادة وديناميكيات الأمم؛ إذ تثبت أن الشجاعة
الفردية الفذة، والنسب الشريف، والسخاء الفياض، والهمة العالية، وحسن الاتباع
للدين -وهي مناقب استثنائية اجتمعت في مصعب ويصعب أن تتكرر في كثير من قادة اليوم-
تظل جميعها عاجزة عن حماية أي مشروع أو ضمان استمراره ما لم تُسند بتوافقٍ جمعي
واصطفافٍ صلب من المجتمع من حوله، فالأبطال لا يبنون الدول بمفردهم، والسيادة لا
تستقيم بالفردية المجردة، بل بالالتفاف الصادق والاعتصام الجماعي بحبل الله
والامتناع التام عن التفرق والشتات.
ويتجلى هذا المعنى الاجتماعي والأخلاقي في شواهد ناصعة:
- ضرورة
الاعتصام الجماعي وحصانة الصف: الأمر الإلهي القاطع في قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103)، وما رسخه النبي صلى الله
عليه وسلم في هَدْيه الشريف حين قال: «يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ»(20)؛
تأكيداً على أن قوة المجتمع واستمرار رسالته لا ينبعان من كفاءة القائد وحده، بل
من تلاحم الصف، والالتزام بالعهد، والتفاف الرعية الصادق حول المبدأ والكلمة
الواحدة.
- الخيانة
والغدر كأعظم المَفَاسِدِ الهادمة للأمم: التحذير النبوي الشديد من شؤم النكث
والخذلان في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الغادِرَ يَنصِبُ اللهُ له لواءً
يَومَ القيامةِ، فيُقالُ: ألا هذه غَدرةُ فُلانٍ»(21)؛ مبيناً أن
الخيانة والغدر هما المفسدة الأعظم التي تهد أركان المجتمعات من الداخل، وتفكك
نسجها الأخلاقي، وتغتال النبلاء والفرسان قبل أن يبلغوا غايتهم.
تُقرر نهاية مصعب أن استدامة التمكين تتطلب مجتمعاً يعي مسؤوليته بقدر ما يعي القائد دوره؛ فإذا تحللت عُرى الوفاء وسادت الخيانة، تساقطت القلاع مهما بلغت طهارة السيف ورفعة الحسب، ولا عاصم للمجتمعات من الانكسار إلا بصيانة العهود، والاعتصام بحبل الله، وإدراك أن التماسك الجمعي هو الوعاء الوحيد الذي تُحفظ فيه تضحيات العظام وتكتمل به أسباب النصر.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (4/ 141).
- 2 المصيبة المؤلمة أو النكبة الشديدة التي توجع الإنسان بفقدان عزيز أو غالٍ.
- 3 يعني: حواري النبي الزبير بن العوام.
- 4 القتال أو المعركة، ومنه: وقائع العرب: أيام حروبهم.
- 5 تقال للتحسر والتوجع والتلهف على أمر فات أو تمني حصوله.
- 6 كلمة تقال للذم، يقال: يا لكع إن أراد أن يذمه.
- 7 فيها إشارة على حسن اختياره وعدم التسرع.
- 8 يخاطب السباع والضباع في إبراز لمعنى أنه ماضٍ للموت.
- 9 فاليوم قد تركه كل ناصريه ومضى وحيداً للموت.
- 10 «دير الجاثليق» هما ديران يحملان نفس الاسم؛ الأول: دير قديم في رأس الحدّ بين السواد وأرض تكريت، الثاني: كان في غربي مدينة بغداد، وصفه الشابشتي قائلاً: هذا الدير، يقرب من باب الحديد، وهو دير كبير، حسن، نَزِه، تحدق به البساتين والأشجار والرياحين، وهو يوازي دير الثعالب في النزهة والطّيب وعمارة الموضع، لأنهما في بقعة واحدة.
- 11 أخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (1280)، والحاكم (5005)، وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 102) باختلاف يسير.
- 12 أخرجه مسلم (1779)، وأحمد (13703)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (3/46) بجميعهم باختلاف يسير.
- 13 أخرجه أحمد (18593)، والنسائي في «الكبرى» (11013), وسعيد ابن منصور (2853) جميعهم بلفظه، وأبو داود (2662) بنحوه مختصراً.
- 14 كتاب التاسع من فوائد أبي عثمان البحيري، ص 62.
- 15 أخرجه البخاري (4095) واللفظ له، ومسلم (677)، والنسائي (1070) بنحوه.
- 16 كتاب السياسة الشرعية، جامعة المدينة، ص 687.
- 17 أخرجه أبو داود (2665)، واللفظ له، والبزار (719)، مطولاً، وأصله في البخاري (3965).
- 18 سيرة ابن إسحاق (3/ 304).
- 19 البداية والنهاية (13/ 254).
- 20 أخرجه الترمذي (2167) واللفظ له، والحاكم (397)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (3/37) باختلاف يسير
- 21 أخرجه البخاري (6178) بلفظ: «هذه غدرة فلان بن فلان».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً