بناء العالم الرباني.. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أبو العالية الرياحي.. من تعليم القرآن إلى تطبيق القرآن
ذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن أبي العالية رفيع بن مهران -أبو العالية الرياحي-(1)، حيث قال أبو خلدة: ذكر الحسن البصري، أبا العالية، فقال: رجل مسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأدركنا الخير وتعلمنا قبل أن يولد.
وكنت آتي ابن
عباس وهو أمير البصرة فيجلسني على السرير وقريش أسفل(2).
تكشف هذه
الكلمات القليلة عن جوهر شخصية أبي العالية الرياحي؛ فهي لا تقدم لنا عالمًا جمع
الروايات فقط، ولا قارئًا حفظ القرآن ثم اعتزل الناس، بل تقدم نموذج العالم الذي
فهم أن العلم أمانة اجتماعية، وأن قيمة المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى إصلاح
في الواقع.
فالعالم عند أبي العالية ليس مخزنًا للنصوص، وإنما هو حارس للمعنى الذي جاءت به النصوص، يتعلم أبو العالية الرياحي ليحفظ، ويحفظ ليعمل، ويعمل أبو العالية الرياحي ليحافظ على المجتمع متصلًا بالهدي الأول الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه.
ولهذا لم يكن
وصف الحسن البصري له: «رجل عالم» أو «رجل قارئ» فقط، بل قال: «يأمر بالمعروف وينهى
عن المنكر»؛ لأن العلم الذي لا يتحرك في حياة الناس يفقد جانبًا من رسالته.
كيف تحول علم أبي العالية إلى أمانة؟
نشأ أبو العالية الرياحي في ظروف اجتماعية لم تكن تمنحه أسباب الرفعة الدنيوية التقليدية؛ فقد كان أبو العالية الرياحي من الموالي، وعرف حياة العمل والخدمة كغيره من العبيد في عصره، لكن الإسلام أعاد ترتيب سلّم القيم، فلم تعد المنزلة مرتبطة بالأصل أو الطبقة الاجتماعية، بل بما يحمله الإنسان من إيمان وعلم وعمل، وهنا يظهر الفارق الجوهري بين من يتعامل مع العلم باعتباره ملكية شخصية يتزين بها، ومن يراه أمانة ثقيلة؛ فالأول يجمع المعرفة لنفسه، أما الثاني فيحمل همّ أمته ومجتمعه، ويرى أن ما تعلمه من كتاب الله وسنة رسوله فرض عليه مسؤولية البلاغ والإصلاح.
وكان أبو العالية الرياحي من هذا الطراز الرباني؛ فلم يقتصر علمه على المجالس الخاصة، بل خرج أبو العالية الرياحي به إلى حياة الناس يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لتشديد ظهر المجتمع وصلاحه؛ كما يروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بيانه لحقيقة هذا الأثر المتعدي حين قال: «فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظَهْرَ الْمُؤْمِنِ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أَنْفَ الْفَاسِقِ»(3).
وهذا المنهج في
حمل همّ البلاغ والإصلاح فور تعلم الدين هو الهدي الذي تربى عليه خيار هذه الأمة؛
كما تجلى في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ إذ إنه فور إسلامه ودخوله في الدين
لم يعتزل أو يكتفِ بإيمانه الشخصي، بل قام بدعوة من وثق به ممن يغشاه ويجلس إليه،
فأسلم على يديه كبار الصحابة كعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن
عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، ليتعدى أثره الإيماني إلى بناء الأمة
بأسرها.
وكان الصحابة
يسترخصون أنفسهم وأرواحهم في سبيل إبلاغ العلم وتأدية أمانته؛ كما جاء في ترجمة
الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وحرصه الشديد على بذل العلم والفتيا
والأمر بالمعروف؛ فقد كان يقول وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع عليه الناس:
«لو وضعتم الصمصامة على هذه -وأشار إلى قَفاه- ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من
رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها»(4).
سر التزام أبي العالية بمنهج الصحابة الكرام
إن قول أبي
العالية: «وأدركنا الخير وتعلمنا قبل أن يولد» ليس مجرد تفاخر بالسبق الزمني، بل
هو تعبير عميق عن قيمة الاتصال بالمصدر الأول وسلسلة السند النبوي الصافي، لقد عاش أبو العالية الرياحي قريباً من جيل الصحابة، وتلقى عنهم، وحمل عنهم المعرفة النبوية
الشريفة، ولذلك كان يرى أن مهمته ليست اختراع مسالك جديدة، بل حفظ الطريق الذي
تلقاه ونقله كما هو.
وهذا الدور
الإصلاحي النبوي هو ما تجسد بأبهى صوره في شخصية السفير الأول في الإسلام مصعب بن عمير رضي الله عنه؛ حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة عقب
بيعة العقبة الأولى ليعلم أهلها القرآن ويفقههم في الدين؛ فلم ينعزل بعلمه أو
يكتفِ بنسكه الخاص، بل تحرك في المجتمع المدني معلماً ومصلحاً، حتى لم تبقَ دار من
دور الأنصار إلا وفيها إسلام، وتحول علمه وفقهه إلى حركة إصلاحية شاملة مهدت لدولة
الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجاً.
وظيفة العالم الشرعي في حماية الهوية الإسلامية
كان أبو العالية الرياحي امتداداً للصحابة الكرام الذين تعلم منهم؛ فلم يكونوا مجرد ناقلين للنصوص، بل
كانوا مصلحين ومربين وقادة لحماية الأمة، وعلى رأسهم الصديق أبو بكر رضي الله عنه
يوم السقيفة وعقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ففي أشد اللحظات اضطراباً وحيرة،
حين تفرقت الآراء واهتزت النفوس، قام أبو بكر حارساً لثوابت الشريعة والذاكرة
الدينية للأمة، فخطب الناس وتلا قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن
قَبْلِهِ الرُّسُلُ) (آل عمران: 144)، وأرسى كلمته الخالدة: «من كان يعبد
محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»(5)؛
فحفظ للمجتمع هويته وثوابته وحمى الإيمان من الهزّة الأولى.
ومع اتساع
البلاد وتداخل الأفكار، نهض علماء الأمة بحراسة الرواية والدين وصيانته من الدخل؛
كما يبرز في موقف الإمام مالك بن أنس وقد أخبر عنه ابن أبي أويس أنه كان يقول: إن
هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين ممن يحدّث: قال فلان: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين، وأشار إلى مسجد رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت المال لكان
أميناً، لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، وقدم علينا ابن شهاب، فكنا نزدحم على
بابه(6)؛ لحراسة الشريعة وضبط المعرفة النبوية.
لماذا قدم عبدالله بن عباس التابعي أبو العالية الرياحي؟
من أعظم مشاهد
هذه الترجمة التي توقف الملاحظ والمتأمل قول أبي العالية رحمه الله: «وكنت آتي ابن
عباس وهو أمير البصرة فيجلسني على السرير وقريش أسفل»، فهذا المشهد يحمل رسالة
حضارية متكاملة؛ فأبو العالية الرياحي المولى الذي كان في بداية حياته يعمل ويؤدي ما عليه
من التزامات اجتماعية شاقة، أصبح يجلس في موضع يُقدمه فيه أمير البصرة وحَبْرُ
الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما على رجال قريش وساداتها، لم يكن هذا رفعاً
لشخصه المجرد، بل كان تعظيماً وإجلالاً للعلم الذي يحمله والرسالة التي يقوم بها.
فابن عباس لم
ينظر إلى ماضي أبي العالية الاجتماعي، وإنما نظر إلى منزلته العلمية والإصلاحية، فالذي
يحمل كتاب الله، ويحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويقوم بواجب البلاغ والإصلاح،
يصبح صاحب سيادة ومكانة وإن لم يكن من أصحاب النسب والمال، تجسيداً لقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).
وهذا المبدأ
الإسلامي الأصيل هو ما ورثه الصحابة الكرام عن النبوة وأرسوه في إدارة الأمة؛ كما
يظهر في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين لقيه نافع بن عبدالحارث بعسفان وكان
عمر يستعمله على مكة، فقال عمر: «من استخلفت على أهل الوادي؟»، قال: ابن أَبْزَى، قال:
«ومن ابن أبزى؟» قال: مولى من موالينا! قال عمر: «فاستخلفت عليهم مولى؟!»، قال:
إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، عالم بالفرائض، فقال عمر رضي الله عنه كلمته الشهيرة:
أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا
الْكِتَابِ أَقْوَاماً وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»(7).
ولم تكن هذه
السيادة مجرد شعار، بل كانت واقعاً حياً خضعت له قيادات الأمة وخلفاؤها؛ كما تتجلى
في قصة الإمام التابعي عطاء بن أبي رباح رحمه الله، وكان مولى أسود مفلفل الشعر
أعرج، انتهت إليه سيادة الفتيا بمكة المكرمة حتى كان ينادي منادي الخليفة في موسم
الحج: «لا يُفتينَّ الناسَ إلا عطاء بن أبي رباح»(8)، فلما دخل عليه
الخليفة سليمان بن عبدالملك مع ولديه لسؤاله عن مناسك الحج وجلسوا بين يديه
يسألونه وهو يجيبهم، التفت الخليفة إلى ولديه بعدما فرغوا وقال لهما معلماً: «يا
بنيّ، لا تنيا في طلب العلم؛ فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود»(9).
كيف ألغى الإسلام الطبقية لصالح الكفاءة والعلم؟
تكشف حادثة
السرير عن تحول عميق في معيار القيادة والمكانة داخل المجتمع الإسلامي؛ ففي النظم
الجاهلية والقديمة كان النسب الموروث والثروة المادية هما أساس الرفعة والتصدر،
أما الشريعة الإسلامية فجاءت لتعيد صياغة السلم الاجتماعي وجعل التقوى والعلم
والعمل الصالح هي المعيار المعتبر للفضل، ولم يكن المقصود من هذا التحول إلغاء شرف
الأنساب أو إهدار أقداره، وإنما منع أن تكون حائلاً دون تقديم أصحاب الفضل الحقيقي،
فقرشي يجلس أسفل، ومولى يجلس على السرير؛ لأن القضية لم تكن قضية أصل ونسب، بل
قضية أثر ونفع.
وهذا المعنى هو
ما قرره أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في وصيته للتابعي الجليل
كميل بن زياد، حين علل خلود أثر أهل العلم والعمل وفناء أصحاب الأموال والأنساب
المجردة، قائلاً: «الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ
تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى
الإِنْفَاقِ.. مَاتَ خُزَّانُ الأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْعُلَمَاءُ
بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ؛ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي
الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ»(10).
كيف يشارك العالم الشرعي في قيادة الأمة؟
تظهر شخصية أبي
العالية نموذجاً فريداً للعالم الرباني الذي لا ينعزل بعلمه وقرآنه عن قضايا أمه
ومجتمعه؛ فهو لم يكن مجرد حافظ للقرآن أو مستغرق في التعبد الفردي، فالعالم الذي
يعلم الناس أحكام الدين ثم ينسحب ويتركهم بلا توجيه ولا إنكار عند وقوع الظلم أو
الانحراف لم يؤدِ أمانة الرسالة كاملة؛ أما الذي يحمل العلم إلى واقع الناس
المادي، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنه يمارس القيادة الحقيقية التي تصنع
مجتمعاً صامداً.
وهذا النموذج في
تحويل الفقه والعلم إلى مشروع بناء مجتمعي هو منهج أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ومن تبعهم؛ كما يتجلى في صنيع الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه
في الكوفة؛ إذ لم يكتفِ برواية الحديث وتحفيظ القرآن في مجالس خاصة، بل نزل الكوفة
مفقهاً ومربياً وقاضياً وآمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، فبنى مجتمعاً إيمانياً
وفقهياً كاملاً خرجت منه أجيال متعاقبة من العلماء الأعلام الذين حفظوا فقه الأمة
وحرسوا شريعتها.
وكان علماء
التابعين يمارسون هذه الوظيفة القيادية بالإصلاح والوعظ والإنكار على الولاة دون
خوف من سلطة أو جاه؛ كما يظهر في موقف الإمام الحسن البصري رحمه الله مع والي
العراق عمر بن هبيرة؛ حين جمع ابن هبيرة الحسن البصري والشعبي وسألهما عن استنفاد
أوامر الخلافة، فتكلم الحسن بموعظة هزت أركان السلطة قائلاً: «يا ابن هبيرة، خَفِ
اللهَ في يزيد، ولا تخف يزيدَ في الله؛ فإن الله تبارك وتعالى يمنعك من يزيد، وإن
يزيد لا يمنعك من الله! يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره،
فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا تجد هناك إلا عملك»(11).
تحول حفظ القرآن إلى منهج حركة وإصلاح
قد يقال: إن
حَبْر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما إنما رفع أبا العالية الرياحي وأجلسه
معه على السرير بسبب علمه الواسع بالقرآن وفقه الآيات فقط، وهذا صحيح من جهة تحصيل
المعرفة الشرعية، لكنه لا يستوعب الصورة كاملة ولا يفسر السر العميق لهذه المنزلة
العالية.
فشهادة التابعي
الجليل الحسن البصري رحمه الله تضيف بعداً آخر غاية في الأهمية؛ فهو لم يصف أبا
العالية فقط بأنه صاحب حفظ وحلقة درس، بل وصفه بأنه رجل حركة وإصلاح؛ حيث قال عنه
حين ذكره: «رجل مسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر»، إذن، فالسيادة والمكانة لم
تأتيا من مجرد الحفظ الساكن للنصوص، بل من تحول العلم إلى حركة يسرى أثرها في
المجتمع، فالعلم الذي بقي محبوساً داخل صاحبه لم يكن هو الذي صنع هذه المنزلة،
وإنما العلم الذي خرج في صورة توجيه، وإصلاح، وحراسة للهدي النبوي الشريف.
وهذا المعنى
الدقيق هو العلّة الأساسية في تقديم العلماء وتفضيلهم على غيرهم في الشرع؛ كما
يعبر عن ذلك الإمام سفيان الثوري رحمه الله بقوله الخالد: «إِنَّمَا فُضِّلَ
الْعِلْمُ لأَنَّهُ يُتَّقَى بِهِ اللهُ، وَلَوْلاَ ذَلِك كَانَ الْعِلْمُ
كَغَيْرِهِ»(12)؛ مؤكداً أن العلم ليس مقصوداً لذاته كمعلومات مجردة،
بل بما يثمره من الخشية والعمل المتعدي والقيام بمسؤولية البلاغ.
رحلة أبي العالية من العبودية إلى الإمامة
تكشف سيرة أبي
العالية الرياحي رحمه الله عن قاعدة إيمانية وعمرانية عظيمة؛ أن الإنسان قد يبدأ
من أدنى درجات المكانة الاجتماعية والطبقية، ولكنه يرتفع ويبلغ الذرى حين يحمل
رسالة الشريعة الشريفة ويؤديها بصدق وأمانة، فقد كان مملوكاً يعمل ويؤدي ما عليه
من التزامات، ثم أصبح عالماً ربانياً تجلس له القلوب قبل المجالس، وكان قريباً من
جيل الصحابة الكرام، ثم صار جسراً أميناً يحمل هديهم وصافيّ حديثهم إلى من بعدهم، ولم
تكن مكانته السامية بسبب أنه جمع المعرفة ورواها فحسب، بل لأنه جعل العلم حياة
ورسالة إصلاحية؛ ولهذا جلس على سرير عبد الله بن عباس وقريش أسفل منه؛ لأن المجتمع
الذي أسسه الإسلام لا يرفع الناس بما كانوا عليه قبل الهداية وسابق وضعهم
الاجتماعي، بل بما يقدمونه بعد أن يحملوا أمانة الدين والقرآن.
وهذا الارتقاء
العجيب من الرقّ والخدمة إلى سيادة القلوب وعروش العلم هو السمة البارزة لرجال هذه
الأمة؛ كما تتجلى في سيرة التابعي الجليل مكحول الشامي رحمه الله(13)؛
فقد كان عبداً مملوكاً، فما زال يصدق في طلب الأثر، وملازمة العلم، والعمل به، حتى
صار إمام أهل الشام وفيهِمُ العَلَم الفرد الذي تضرب إليه الأكباد، وتخضع لقوله
القلوب، وتنقاد لفتواه الجماهير والولاة.
ولم يكن هؤلاء الأعلام ناقلين للرسالة فحسب، بل كانوا جسوراً حفظت السند النبوي حياً في الأمة؛ كما جاء في ترجمة التابعي الجليل نافع مولى ابن عمر(14) رحمه الله؛ إذ بدأ حياته مملوكاً نفع الله به وعظمت مكانته بالإخلاص، حتى أصبحت روايته عن ابن عمر أصحّ الأسانيد على الإطلاق في الأمة (المعروفة بـ«سلسلة الذهب»(15))، وصار مقصداً للطلاب، والأمراء، والعلماء للتلقي والأخذ عنه.
الهوامش
- 1 أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي: مولى لامرأة من بني رياح، ولد في الجاهلية وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، كبار التابعين، ومن أئمة القراء والمفسرين والمحدثين بالبصرة، اشتهر بالطلب والعلم، والعناية بالقرآن تفسيراً وإقراءً، ووفور الحديث والفقه، سكن البصرة وتوفي بها سنة 90هـ (وقيل: 93هـ).
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 208).
- 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 121).
- 4 أخرجه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم بعد حديث (67)، وأخرجه موصولاً الدارمي (545).
- 5 أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (2/ 206)، والبيهقي في «الاعتقاد» (346)، والبغوي في «شرح السُّنة» (2488) واللفظ لهم جميعاً.
- 6 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (1/ 61).
- 7 أخرجه مسلم (817)، وابن ماجة (218)، والدارمي (3408) واللفظ لهم.
- 8 سير أعلام النبلاء (5/ 79).
- 9 الفقيه والمتفقه (1/ 140).
- 10 أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (1/ 79)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 182)، وسبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص»، ص389 باختلاف يسير.
- 11 كتاب عيون الأخبار (2/ 371).
- 12 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/ 362).
- 13 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (28/ 465).
- 14 سير أعلام النبلاء (5/ 95).
- 15 كتاب السلاسل المختارة من صحيح الإمام البخاري (56) ويذكر فيها 88 حديثاً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً