النفس الواحدة.. حجة مطرف بن عبدالله بن الشخير في الفتن
روى الذهبي في
ترجمته لمطرف بن عبدالله بن الشخير(1): أن عمارة بن زاذان رأى على مطرف
خز أخذه بأربعة آلاف درهم.
وأتته الحرورية
تدعوه إلى رأيهم، فقال: «يا هؤلاء، لو كان لي نفسان بايعتكم بإحداهما وأمسكت
الأخرى؛ فإن كان الذي تقولون هدى أتبعتها الأخرى، وإن كان ضلالة هلكت نفس وبقيت لي
نفس؛ ولكن هي نفس واحدة لا أغرر بها».
وقال مطرف: «لأن
أعافى فأشكر أحب إليَّ من أن أبتلى فأصبر».
وكان إذا دخل
بيته سبحت معه آنية بيته.
ولما حبس
السلطان ابن أخيه، لبس مطرف خلقان ثيابه، وأخذ عكازًا، وقال: «أستكين لربي؛ لعله
أن يشفعني في ابن أخي»(2).
يتجلى الإمام
التابعي الجليل مطرف بن عبدالله بن الشخير العامري البصري كأنموذج فذ للشخصية
الراسخة التي جمعت بين عمق الفقيه، وحكمة العابد، وحنكة القائد النفسي الذي يخوض
أمواج الفتن بثبات ووعي،
كيف واجه مطرف بن عبدالله فتن البصرة؟
تأتي أخبار مطرف
بن عبدالله بن الشخير في مرحلة من أكثر مراحل التاريخ الإسلامي حساسية؛ فقد كانت
البصرة آنذاك مركزًا علميًا وفكريًا وسياسيًا تتقاطع فيه حلقات العلم مع اضطرابات
المجتمع وتيارات الصراع الفكري.
وفي هذه البيئة
ظهر التابعون الكبار الذين لم تكن منزلتهم قائمة على كثرة الكلام، وإنما على
القدرة على تحويل العلم إلى موقف، والعبادة إلى وعي، والخوف من الله إلى بصيرة
تمنع الإنسان من الانجرار خلف العواطف الجماعية.
ومطرف بن
عبدالله يمثل هذا النموذج بوضوح؛ فلم يكن عابدًا منعزلًا عن قضايا عصره، ولا
عالمًا منفصلًا عن واقع الناس، بل كان حاضرًا في لحظات الاختبار الكبرى، حيث تُقاس
قيمة الإنسان بقدرته على الثبات عندما تضطرب الموازين.
فلم تكن بصيرة
مطرف في زمن الفتنة قائمة على الهروب من الواقع، ولا على الاندفاع معه، بل على
معرفة الملجأ الحقيقي عند اضطراب الموازين، وحين قيل له: إن أبا مسلم هرب من فتنة
البصرة إلى مكة، قال: «هرب من فتنة البصرة إلى فتنة مكة؟ فأين المهرب؟ إلى الله
المهرب»(3)، فهذه الكلمة تلخص منهجًا في مواجهة الفتن؛ أن تتغير
الأمكنة، لكن لا يتغير الملجأ؛ وأن يحفظ الإنسان قلبه من الاضطراب قبل أن يبحث عن
موضع يظن فيه النجاة.
حجة النفس الواحدة في مواجهة حماس الخوارج؟
من أشهر مواقف
مطرف بن عبدالله موقفه مع الحرورية، وهم فرقة من الخوارج عُرفت بالتشدد والخروج
على جماعة المسلمين، فقد جاءوه يدعونه إلى رأيهم، فلم يواجههم بالانفعال ولا
بالمجادلة الحادة، وإنما وضع القضية في ميزان عقلي عميق.
قال لهم: لو
كانت لي نفسان لدفعت إحداهما إلى التجربة، وأبقيت الأخرى، فإن ظهر الحق تبعتها،
وإن ظهر الخطأ بقيت لي نفس، ولكن الإنسان لا يملك إلا نفسًا واحدة.
هذا الكلام يكشف
عن فقه عظيم في التعامل مع الأفكار؛ فليس كل حماس دليلًا على الصواب، وليس كل دعوة
مرتفعة الصوت تستحق أن يغامر الإنسان بأغلى ما يملك من أجلها.
وقد قرر القرآن
أصل حفظ النفس وعدم الإقدام على المهالك فقال تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة:
195).
فمطرف بن
عبدالله لم يكن يرفض التغيير أو الإصلاح، ولكنه كان يرفض أن يتحول الإنسان إلى
أداة في مشروع غير متحقق العاقبة، وأن يجعل نفسه وقودًا لاندفاع جماعي لا يقوم على
برهان.
ومن هنا يظهر أن
الحكمة في أوقات الفتن ليست مجرد معرفة الحق، بل معرفة كيفية التعامل معه، ومتى
يقدم الإنسان، ومتى يحجم، وكيف يفرق بين الغيرة للدين وبين الانقياد للعاطفة.
فقه العافية.. لماذا لا ننتظر الأزمات لنعمل؟
قال قتادة عن
مطرف بن عبدالله: «لأن أعافى فأشكر أحب إليَّ من أن أبتلى فأصبر»؛ قد تبدو هذه
العبارة في ظاهرها مخالفة لما اعتاده الناس من تمجيد الصبر على الشدائد، لكنها
تكشف عن فهم دقيق لطبيعة العبودية؛ فالإنسان قد ينجح في البلاء بالصبر، لكنه قد
يُبتلى في العافية بالغفلة.
العافية ليست
حالة أقل شأنًا من البلاء، بل هي ميدان واسع من ميادين الاختبار؛ لأن الشكر يحتاج
إلى قلب يرى النعمة، ويعرف المنعم، ويستخدم القوة في طاعة الله، وقد قال الله
تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم: 7).
فمطرف بن
عبدالله كان يرى أن دوام السلامة مع دوام الشكر نعمة عظيمة؛ لأن الإنسان في
العافية يستطيع أن يبني ويصلح ويتعلم وينفع، بينما البلاء قد يستهلك جزءًا كبيرًا
من طاقته.
وهذا المعنى
تؤكده سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في أشد لحظات البلاء؛ فبعد ما لقيه من أذى
أهل الطائف ورميهم له بالحجارة، لم يكن همه مجرد زوال الألم، بل كان يسأل الله
العافية والرضا، فقال: «إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي»(4)،
فدلّ ذلك على أن العافية ليست أمرًا هامشيًا في حياة المؤمن، بل نعمة يُحمد الله
عليها ويُستعان بها على الطاعة والنفع، وأن الشكر في زمن السلامة قد يكون أحب إلى
العبد من الصبر في زمن البلاء.
وفي واقع الناس
اليوم، يظهر هذا المعنى في الأسر والمؤسسات والمجتمعات؛ فليس النجاح أن ننتظر
الأزمات حتى نثبت قدرتنا، بل أن نحسن استثمار أوقات الاستقرار قبل أن تأتي مراحل
الاختبار.
بين الهيبة والافتقار.. كيف نفهم حقيقة الزهد؟
تروي الأخبار أن
مطرف بن عبدالله لبس خز أخذه بأربعة آلاف درهم، وقد يظن بعض الناس أن الزهد يعني
ترك أسباب السعة دائمًا، لكن سير السلف تبين أن الزهد ليس في إعدام النعمة، وإنما
في ألا تستعبد النعمة صاحبها.
فلباس الإنسان
ومظهره قد يكونان من باب إظهار نعمة الله وإكرام العلم وأهله، ما دام القلب
متعلقًا بالله لا بالمظهر.
وفي المقابل،
حين احتاج إلى التضرع لله بسبب حبس ابن أخيه، لبس خلقان ثيابه وأخذ عكازه وقال: «أستكين
لربي؛ لعله أن يشفعني في ابن أخي».
والجمع بين
الهيبة والافتقار ليس خاصًا بمطرف بن عبدالله، بل نجده في سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛
فقد كان يتواضع في ملبسه ومعيشته، فلا يرى السلطان سببًا للتكبر على الله، وفي
الوقت نفسه كان يراعي ما يليق بمقام القيادة في اختيار عماله وهيئتهم أمام الناس
والأعداء(5)، فالتواضع عنده لم يكن ضعفًا، كما أن الهيبة لم تكن
كِبرًا؛ وإنما كان لكل مقام ما يناسبه، مع بقاء القلب متعلقًا بالله.
وهنا تظهر
عبقرية التوازن؛ فهو في مقام الحياة الاجتماعية يحفظ الهيبة، وفي مقام المناجاة
يظهر الافتقار.
وهذا من أعظم
دروس القيادة الروحية؛ فالقائد الناجح يعرف متى يظهر القوة، ومتى يظهر الافتقار،
لأن كل مقام له لغته المناسبة.
تسبيح الآنية..
كيف يمتد أثر العبادة للجمادات؟
ورد عن سليمان
بن المغيرة أن مطرف بن عبدالله إذا دخل بيته سبحت معه آنية بيته، وهذه الرواية من
أخبار الكرامات التي تُذكر في تراجم الصالحين، ولا يُبنى عليها حكم شرعي، لكنها
تعبر عن الصورة التي رسمها أصحاب التراجم عن شدة تعلق مطرف بالذكر والعبادة.
وقد ثبت في
القرآن أن المخلوقات كلها تسبح لله: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا
تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء: 44)؛ فالمعنى الأعمق هنا أن القلب
إذا امتلأ بمعرفة الله صار يرى الكون كله متجهًا إلى غايته الكبرى؛ عبادة الخالق
والتسبيح بحمده.
ويؤكد هذا
المعنى ما وقع لجذع النخلة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عليه، فلما
اتخذ المنبر وتركه حنَّ الجذع حتى سُمع له صوت، فنزل إليه النبي صلى الله عليه
وسلم فاحتضنه حتى سكن(6)، فكانت هذه الحادثة شاهدًا على أن تسبيح
المخلوقات لله ليس معنى غائبًا عن الوجود، بل إن لها من الإدراك والتأثر ما يليق
بها، حتى ظهر أثر المحبة والذكر في جمادٍ بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.
إدارة الأخطار.. كيف تزن القرارات المصيرية الكبرى؟
يقدم موقف مطرف
بن عبدالله مع الحرورية نموذجًا مبكرًا لفكرة إدارة الأخطار؛ فالإنسان في القرارات
الكبرى لا يملك رفاهية التجربة المتكررة، فالنفس البشرية ليست موردًا قابلًا
للاستبدال، والعمر ليس مجالًا مفتوحًا للتجارب غير المحسوبة، ولهذا كان منهجه
قائمًا على سؤال جوهري: هل الدليل على الطريق أقوى من خطورة السير فيه؟
والتحذير من
مغبة الاندفاع في المواقف المصيرية نجده كذلك في موقف عبدالله بن مطيع مع الحسين
رضي الله عنهما، حين حاول أن يصرفه عن الخروج إلى العراق، مستحضرًا ما قد يترتب
على ذلك من انتهاك للحرمة وإراقة للدماء، فكان حديثه قائمًا على النظر في عواقب
القرار قبل الإقدام عليه(7)، وهي عين البصيرة التي تجعل الإنسان يزن
الطريق بما قد ينتهي إليه، لا بما يحمله من شعارات أو آمال، وهذا هو جوهر إدارة الأخطار؛
ألا يُستهان بثمن القرار حين تكون النفوس والفتن من نتائجه المحتملة.
وهذا المعنى
يحتاجه الإنسان المعاصر في اختياراته الفكرية والاجتماعية؛ فليس كل مشروع جماعي
صالحًا لمجرد أنه يرفع شعارات كبيرة، وليس كل طريق مشهور مأمون العاقبة.
القيادة الهادئة..
كيف تدير الأزمات بلا صخب؟
تكشف مواقف مطرف
بن عبدالله عن نموذج قيادي لا يعتمد على الصخب، بل على الثبات؛ فهو لم يدخل في
صراع مع الحرورية بطريقة تزيد الاحتقان، ولم يواجه حبس ابن أخيه برد فعل انتقامي،
وإنما اختار طريق الحكمة والتضرع.
وهذه القيادة
الهادئة يحتاجها الناس في كل زمان؛ في الأسرة حين تقع الخلافات، وفي العمل عند
الأزمات، وفي الدعوة حين تتعدد الاتجاهات.
وهذا اللون من
القيادة الهادئة يبرز في موقف الحسن بن علي رضي الله عنهما، حين لم يجعل امتلاك
القوة سببًا لاستمرار الصراع، بل قدّم حقن الدماء وإصلاح ذات البين، فاختار الصلح
مع معاوية رضي الله عنه رغم قدرته على مواصلة القتال(8)، فالقائد
الحكيم لا يقيس نجاحه بقدر ما ينتصر فيه على خصمه، وإنما بقدر ما يمنع الفتنة
ويحفظ الجماعة حين يكون ذلك هو المصلحة الأرجح؛ فالقائد الحقيقي ليس من يرفع صوته
أكثر، وإنما من يحفظ البوصلة حين تضطرب الأصوات.
تقدم سيرة مطرف
بن عبدالله بن الشخير صورة متكاملة للإنسان الذي جمع بين صفاء العبادة ونضج العقل،
فقد عرف قيمة النفس فلم يغامر بها في الفتن، وعرف قيمة العافية فلم يطلب البلاء،
وعرف مقام القوة فلم يجعلها حجابًا عن الافتقار إلى الله.
إن مدرسة مطرف
بن عبدالله تعلمنا أن الثبات لا يعني الجمود، وأن الحكمة لا تعني الضعف، وأن
العابد الحقيقي ليس من يهرب من الواقع، بل من يدخل إليه بقلب ثابت وعقل راشد
وميزان دقيق.
وفي زمن تكثر فيه الدعوات السريعة والاستقطابات الحادة، يبقى صوت مطرف بن عبدالله شاهدًا على أن أعظم القوة قد تكون في كلمة هادئة، وأن أعظم الشجاعة قد تكون في الامتناع عن طريق لا يملك الإنسان فيه إلا نفسًا واحدة.
الهوامش
- 1 مطرف بن عبدالله ابن الشخير، الإمام، القدوة، الحجة، أبو عبدالله الحرشي العامري البصري، أخو يزيد بن عبدالله.
- 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص195.
- 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج2، ص208.
- 4 سيرة ابن هشام، ج2، ص41.
- 5 تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، ج2، ص63.
- 6 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج1، ص149، (إشارة إلى دلائل النبوة وتسبيح الجمادات وحنين الجذع).
- 7 سير أعلام النبلاء، ج3، ص200.
- 8 المرجع السابق، ج3، ص269.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً