قراءة في فقه الإكراه وصناعة القرارات عند الأزمات

أيوب القرية.. بين فصاحة اللسان وحدة السنان

مقال الشيخ خالد نفادي الأزهري عن أيوب القرية من سيرأعلام النبلاء بمجلة المجتمع

أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء قال: أيوب القرية: هو أيوب بن يزيد بن قيس بن زرارة النمري الهلالي الأعرابي.

صحب الحجاج، ووفد على الخليفة عبدالملك، وكان رأساً في البلاغة والبيان واللغة، ثم إنه خرج على الحجاج مع ابن الأشعث؛ لأن الحجاج نفذه إلى ابن الأشعث إلى سجستان رسولاً، فأمره ابن الأشعث أن يقوم ويسب الحجاج ويخلعه أو ليقتلنه ففعل مكرهاً، ثم أسر أيوب، ولما ضرب الحجاج عنقه ندم، وذلك في سنة أربع وثمانين، وله كلام بليغ متداول.

كلمات قليلة، ترجم بها الذهبي، لكنها تفتح وراءها مشهدًا بالغ التعقيد؛ فأيوب رجل اشتهر بالبلاغة والبيان، واقترب من دوائر الحكم، حتى بعثه الحجاج مفاوضاً عنه إلى ابن الأشعث، وهنا ألقت به السياسة في قلب صراع مسلح، فتحول اللسان الذي كان مصدر مكانته إلى ميدان ابتلائه، حين خيّره ابن الأشعث بين القتل، أو الطعن في صاحبه الحجاج، فنطق بما أُكره عليه، وما أن نجا من سيف ابن الأشعث، حتى وقع أسيرًا في أغلال الحجاج، ثم آل مصيره إلى القتل

أيوب القرية.. حين تدخل الفصاحة ميدان السياسة

لم يكن أيوب القرية قائد جيش ولا صاحب شوكة عسكرية، وإنما كانت قيمته في شيء آخر: الكلمة، ولذا وصفه الذهبي بأنه كان «رأسًا في البلاغة والبيان واللغة»، وهذه العبارة وحدها تكشف لماذا كان صالحًا لأن يكون رسولًا في مهمة دبلوماسية حساسة؛ ففي عالم لم تكن فيه وسائل الاتصال الحديثة، كان المبعوث نفسه رسالة حية: شخصيته، وفصاحته، وحسن عرضه، وقدرته على التفاوض، كلها جزء من المهمة.

ولذا لما أرادت قريش أن تفاوض النبي في أمر دينه وبعثته وقع اتفاقهم على شخصية تفاوضية تتسم بالفصاحة وإتقان الشعر، وحسن الكلام، فاختارت فصيحها عتبة بن ربيعة، أبا الوليد.

روى ابن إسحاق: أن عتبة بن ربيعة قال يوما وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟

فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكانة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل يا أبا الوليد، أسمع»؛ قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا؛ وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.

حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟»، قال: نعم، قال: «فاسمع مني»، قال: أفعل.. إلخ. (السيرة النبوية لابن هشام).

والشاهد من الخبر: أن رسول قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من الفصاحة والبلاغة وحسن البيان وقوة الإقناع ما يجعل في شخصيته رسالة قبل أن يتكلم بكلمة.

ومن هنا يمكن فهم خطورة الكلمة ولباقة المتكلم، فالكلمة الفصيحة في قاموس الساسة قد تصبح سلاحًا تتنازع الأطراف السيطرة عليه، ولهذا لم يطلب ابن الأشعث من أيوب مجرد إعلان موقف شخصي، بل أمره أن يقوم فيسب الحجاج ويخلعه، وإلا قتله.

جريمة استغلال الرموز المجتمعية العامة في مآرب حزبية

لقد استطاع ابن الأشعث أن يستغل مبعوث الحجاج وأن يستفيد من رمزيته في خدمة أهدافه ومصالحه، فرسول الحجاج حين يتحدث ضد الحجاج سوف يضع في عقول السامعين دلالة تفوق كلام رجل عادي مجهول؛ فقيمة الرسالة تستمد من هوية المتكلم وموقعه السابق.

ومن هنا، فإن الشخصيات العامة لا تملك كلماتها وحدها بعد أن أصبحت رموزًا، فكلمة المسؤول، والمتحدث الإعلامي، والعالم، والداعية، وصاحب المنصة المؤثرة قد تتحول إلى حدث، ويصبح اقتطاعها أو انتزاعها أو توظيفها جزءًا من الصراع على الرأي العام،  

خطورة التسرع في الحكم على الناس قبل التثبت من الأحداث

من الكلمات المتزنة التي أنصفت أيوب، قول الذهبي عنه: «ففعل مكرهًا»؛ فهذه الكلمة تحثنا على الإنصاف، وتمنعنا من مساواة الفعل الصادر تحت تهديد القتل، بالفعل الصادر عن اختيار هادئ وإرادة كاملة، وهذا منهج قرآني عظيم، حيث جعل للإكراه أثرًا معتبرًا فيما هو أخطر من الشهادة على الأشخاص، بل في أعظم ما ينطق به اللسان، وهو شهادة الإيمان، فقال تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) (النحل: 106).

وقد أورد العلماء حول هذه الآية خبر عمار بن ياسر رضي الله عنه وما تعرض له من تعذيب وإكراه، ومنه ما رواه ابْنُ إِسْحَاقَ قال: «وَكَانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ يَخْرُجُونَ بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَبِأَبِيهِ وَأُمِّهِ -وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ إِسْلَامٍ- إِذَا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ يُعَذِّبُونَهُمْ بِرَمْضَاءِ مَكَّةَ، فَيَمُرُّ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ -فِيمَا بَلَغَنِي-: صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ مَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ»، (ابن إسحاق، السيرة النبوية) وكانوا يلبسونهم دروع الحديد، ويصهرونهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم، فمات ياسر وزوجه وولده عبد الله، ولم يبق إلا عمار.

روى مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا وَرَاءَكَ؟»، قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ قَالَ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟»، قَالَ: مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ قَالَ: «إِنْ عَادُوا فَعُدْ» (رواه البيهقي، وصححه الحاكم).

فرفع الملام عن المكره في قوله وفعله نهج قرآني منصف، وقد أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (رواه ابن ماجه).

وهنا لابد من إثبات أصل مهم؛ أن الشريعة تفرق بين الاختيار والإكراه، وبناء عليه فإنها تمنعنا من أن نصف أيوب القرية بالجبن أو الهشاشة النفسية؛ فالنص لا يثبت ذلك، فالذي يثبته أنه أكره على القول تحت تهديد بالقتل فاستجاب للمكره.

وقبل أن نتسرع في الحكم على الأشخاص فيما بلغنا عنهم من أقوال أو أفعال قد تخالف ما عهدناه عليهم، ينبغي أن نقف على الملابسات الخفية التي ربما قد تدفعهم إلى ذلك، فالإنسان الذي يقرأ الواقعة من مقعد آمن في غرفة مكيفة، لا يجوز له أن يحكم على شخص عرف بالفضل، قد هدد بعرضه، ونساء بيته، وشرفه تحت وطأة النار أو السيف البتار.

مفارقة القرارات الاضطرارية بين الخطر الحاضر والمستقبل

حين يكون الاختيار بين خطر حاضر محقق وخطر بعيد محتمل، تتغير طريقة اتخاذ القرار، فالتجارب الإنسانية تشير إلى أن الخوف الشديد يدفع الإنسان إلى التركيز على أقرب أبواب النجاة.

أما أيوب فقد كان الخيار أمامه شديد القسوة: إما أن ينفذ ما يأمره به ابن الأشعث، وإما أن يقتله في الحال، فاختار النجاة بطبيعة الحال من هذا الخطر المباشر، لكن قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، ففي الوقت الذي قدر له فيه النجاة من سيف ابن الأشعث، كان سيف الحجاج في انتظاره، فلقد أسر أيوب القرية بعد ذلك وقتله الحجاج لمقالته فيه.

وهنا مفارقة مهمة؛ فقد يكون القرار الذي ينقذ صاحبه من خطر حاضر عاجزًا عن إنقاذه من الخطر القادم، غير أن هذه النتيجة لا تجعل القرار الأول بالضرورة خطأً يمكن الحكم عليه بسهولة؛ لأن المكره لا يتعامل مع بدائل متساوية ولا يملك علم الغيب، فالذي نراه نحن سلسلة مكتملة من الأحداث كان بالنسبة إليه في لحظة الإكراه مستقبلًا مجهولًا.

وهذا درس للقادة؛ ألا يقوِّموا القرارات بناء على ما عرفوه لاحقًا من نتيجته، بل لابد من النظر أيضًا إلى المعلومات والخيارات والضغوطات التي أحاطت بصاحبه ساعة اتخاذه.

فالعدالة القيادية تقتضي التمييز بين سوء التقدير الحقيقي، والقرار الذي اتُخذ في بيئة قهرية محدودة الخيارات.

الفارق بين المهارة الشخصية والجاهزية لإدارة الأزمات

تميز أيوب القرية بفصاحته، حتى قال عنه الذهبي: "كان رأسا في البلاغة والبيان واللغة" لكن قصته تكشف فرقًا مهمًا بين هذه الكفاءة التخصصية وبين الاستعداد لنوع معين من الأزمات.

فقد يكون الإنسان خطيبًا فذًّا، أو إعلاميًا بارعًا، أو مفاوضًا ذكيًا، ثم يوضع في بيئة تهديد مباشر لم يُهيأ لها أصلًا، وليس من الإنصاف أن نفترض أن التفوق في المهارة الأولى يضمن التفوق في الثانية.

وهذا درس تحتاج المؤسسات إلى استيعابه؛ فاختيار الشخص لتمثيلها في موقف عالي الخطورة، لا ينبغي أن يقوم على أساس سنه، أو فصاحته، أو مكانته الاجتماعية فحسب، وإنما على ملاءمته لطبيعة المهمة، واستعداده النفسي، ومعرفته بحدود صلاحياته، وحكمته في تصرفه وقراراته وقت الأزمة

وهذا ما نقله التاريخ عن أخبار القيادة المحمدية، فلحكمة قيادية نبوية، يؤمّر النبيُّ أسامةَ بن زيد قائدا على جيش فيه أبو بكر وعمر وكبار الصحابة، فلما اعترض من اعترض على إمارة أسامة، خرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله، إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده» (رواه البخاري)، فمضى بعث أسامة وقام بالمهمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته.

ولحكمة قيادية محمدية، بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في سرية وكان تحت إمرته أبو بكر، وعمر.

أخرج البيهقي في «الدلائل» عن عبد الله بن بريدة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاصي في سرية فيهم أبو بكر، وعمر، فلما انتهوا إلى مكان الحرب، أمرهم عمرو ألا ينوروا ناراً، فغضب عمر، فهمّ أن يأتيه، فنهاه أبو بكر وأخبره: أنه لم يستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك إلا لعلمه بالحرب، فهدأ عنه.

وأخرج البيهقي من طريق أبي معشر عن بعض مشيختهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأؤمّر الرجل على القوم فيهم من هو خير منه؛ لأنه أيقظ عينا وأبصر بالحرب» (أخرجه البيهقي، دلائل النبوة).

لقد كان لسان أيوب مؤهلًا للرسالة من حيث كونه فصيحاً بليغاً وجيهاً مفاوضاً، لكن شخصية أيوب لم تكن متدربة على التعامل الأمثل عند مواجهة الأزمات، مما جعله يتخلى عن مصلحة حزبه مع أول أزمة يتعرض لها.

ومن هنا ينبغي للمؤسسات الناضجة ألا تبني ولاء أفرادها على افتراض أنهم سيظلون دائمًا في ظروف مثالية، وإنما لابد من وضع بروتوكولات للأزمات، وتبنّي خطوطًا بديلة للتواصل، لابد من تدريب ممثليها على الضغوط، وتحديد ما يجوز كشفه وما لا يجوز، ثم لا تتخلى عنهم حين تتغير الظروف.

أما أن تجعل الفرد وحده يحمل سرها وصورتها ثم تنتظر منه بطولة مطلقة تحت كل تهديد، فإنها تكون قد حمّلته أكثر مما أعدته له.

إستراتيجية توظيف اعترافات الخصوم في الحرب الإعلامية

ثمة دلالة اجتماعية وإعلامية دقيقة في أن يطلب ابن الأشعث من رسول الحجاج نفسه أن يسب الحجاج ويعلن خلعه أمام الناس.

وهذه في عالم الحروب تعد فطنة قيادية: فقد تكون الكلمة عادية إذا صدرت من الأتباع، لكنها تتحول إلى خبر مؤثر، وإقرار مؤكد، وشهادة مصدقة، إذا صدرت من رجل محسوب على المعسكر الآخر، أو يمت له بصلة.

ولذا لما أراد هرقل ملك الروم أن يستعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن يستوثق من أخباره، وأن يعرف مكانته بين قومه، بعث إلى وفد من قريش كان يتاجر في بلاد الشام، فأتوه بإيلياء، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعا بترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسباً، فقال: أدنوه مني.. إلخ. (رواه البخاري (2681)، مسلم (1773)).

وهذا درس باقٍ في زمن المنصات الرقمية؛ فالحروب الإعلامية الحديثة لا تبحث دائمًا عن إنشاء المعلومة من الصفر، بل عن شهادة من الداخل، أو مقطع لشخص له رمزيته، أو تصريح يمكن تقديمه بوصفه انهيارًا في الصف المقابل.

وقد يكون الضغط اليوم أقل ظهورًا من السيف، لكنه قد يتخذ صورًا أخرى؛ ابتزازًا، أو تهديدًا وظيفيًا، أو ضغطًا اجتماعيًا، أو اجتزاءً للكلمات من سياقها.

ولهذا تحتاج الشخصيات العامة إلى وعي يتجاوز حسن الصياغة، وإلى فهم كيفية استخدام كلامها بعد صدوره؛ فالمتحدث المحترف هو الذي يتصور كيف سيُنقل كلامه، وفي أي سياق سيُوضع، وما الذي يريد خصومه إمساكه عليه؟

كيف حمى الإسلام القنوات الدبلوماسية زمن الحروب؟

يحمل الخبر جانبًا آخر مهما ألا هو تهديد أيوب القرية بالقتل، وهو أمر شنيع، فقد جرت العادة عند الملوك والزعماء أن الرسل لا تقتل، ولما جاء الإسلام أقر هذا الخلق وعمل به، ولذا حفلت السُّنة النبوية بما يدل على عناية محمدية كبيرة بأمر الرسل وحماية المبعوثين، ففي حديث أبي رافع رضي الله عنه قال: بعثتني قريشٌ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فلمَّا رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ألقيَ في قلبي الإسلامُ فقلتُ يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي واللَّهِ لا أرجعُ إليهم أبدًا، قال رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: «إنِّي لا أخيسُ بالعَهدِ ولا أحبسُ البردَ، ولَكنِ ارجِع فإن كانَ في نفسِكَ الَّذي في نفسِكَ الآنَ فارجِع»، قال: فذَهبتُ ثمَّ أتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فأسلمتُ. (أخرجه أبو داود (2758)، وأحمد (23857)).

وجاء كذلك في خبر رسولي مسيلمة الكذاب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أما واللَّهِ لولا أنَّ الرُّسلَ لا تُقتَلُ لضربتُ أعناقَكُما» (أخرجه أبو داود، 2761).

ولما كانت للرسل والمبعوثين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانة عظيمة، عظم عليه غدر الروم برسوله الحارث بن عمير الأزدي، وقد كان من خبره أنه بعثه بكتاب إلى ملك بصرى بالشام، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فقتله، ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره.

واشتد عليه وندب الناس، فأسرعوا وعسكروا بالجرف، وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل، فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل، فليرتض المسلمون منهم رجلاً»، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، ويدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن استجابوا وإلا استعانوا بالله وقاتلوهم. (الحاوي الكبير للماوردي، 14/ 60).

إن قتل الرسل والمبعوثين، أو ارتهانهم، أو ترويعهم، جريمة أخلاقية نكراء، منافية للأعراف الدولية، والمواثيق الدبلوماسية، لأن فتح قنوات التواصل، وخلق مساحة للتفاوض بين المتحاربين يحتاج قدرًا من الأمان؛ فإن تحول الرسول إلى رهينة أو أداة إكراه، هُدم معنى الرسالة وأخرست ألسِنة الدبلوماسية، ونطقت السيوف والرماح على منابر الرقاب.

اللسان الذي صنع المكانة قد يصير موضع الابتلاء

من المفارقات المؤثرة أيضا؛ أن السمة التي صنعت حضور أيوب ومكانته، هي نفسها التي أصبحت مركز محنته.

فلقد كان رأسًا في الفصاحة والبيان كما كان يحب، فلما تبوأ المكانة العظيمة بين الناس بهذه الموهبة، ابتلي بها فطُلب منه بيان ما لا يحب وقول ما لا يريد، وكم من رجل تمنى نعمة، فلما آلت إليه، آلت إليه المحن الابتلاءات، فكثيرًا ما يأتي ابتلاء الإنسان من الباب الذي يملك فيه أعظم قوته: يُبتلى العالم في علمه، والغني في ماله، وصاحب الجاه في جاهه، والمتحدث في كلمته، وكما قالوا: من مأمنه يؤتى الحذر.

فهذا حسان بن ثابت رضي الله عنه، والذي سخر موهبته وشعره ولسانه في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يزلُّ به هذا اللسان الفصيح، ليخوض مع من خاض في حادثة الإفك، بترديد الإشاعات دون قصد الطعن في العرض الشريف، لتتحول الموهبة التي كانت حصنًا ودفاعا عن عرض النبي صلى الله عليه وسلم إلى أداة هدم.

ولهذا لا تكفي الموهبة ما لم يصحبها وعي أخلاقي واستعداد للمحنة، ومراقبة للوهاب، فالبيان نعمة، لكنه كذلك مسؤولية؛ لأن الكلمات كلما عظمت دائرة تأثيرها عظم وقعها وأثرها.

وليس المقصود أن يعيش صاحب الكلمة خائفًا منها، وإنما أن يعرف أن من فقه البليغ أن يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، وما الذي يستطيع تحمله، وما الذي يمكن أن يصنعه الآخرون بكلامه.

الحجاج ومأساة القرار الذي لا يمكن العودة فيه!

تنتهي ترجمة الذهبي بتفصيل صغير بالغ الدلالة قال: «ولما ضرب الحجاج عنقه ندم»، والنص لم يخبرنا بتفاصيل هذا الندم ولا بمقداره ولا بأسبابه الدقيقة، لكن ربما ندم على تسرعه في إصدار قرار إعدام أيوب القرية.

ولعل ندمه ذاك يذكرنا بندم أسامة بن زيد، الذي أصابه بعد أن قتل الرجل الذي نطق بالشهادة تحت السيف، إذ عاتبه النبي صلى الله عليه وسلم عتاباً كبيراً، حتى تمنى أسامة من شدة الندم لو أنه لم يكن أسلم إلا يومئذ.

فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: بَعَثَنَا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الحُرَقَة، فَصَبَّحْنَا القَوْم فَهَزَمْنَاهُمْ، ولَحِقْتُ أنا ورَجُلٌ مِنَ الأنْصار رَجُلًا منهم، فَلَمَّا غَشِينَاه، قال: لا إله إلَّا اللَّه فَكَفَّ الأنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ برُمْحِي حتَّى قَتَلْتُه، فَلَمَّا قَدِمْنا بَلَغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا أسَامة، أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قال لا إلَه إلَّا اللَّه؟!»، قُلتُ: كانَ مُتَعَوِّذًا، فَما زال النبي صلى الله عليه وسلم يُكَرِّرُهَا، حتَّى تَمَنَّيْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ قَبْل ذلك اليوم. (رواه البخاري).

ومن خلال ما سبق يمكننا استنباط درس قيادي مهم؛ وهو أن بعض القرارات يمكن تعديلها بعد ظهور معلومات جديدة، وبعضها لا يترك لصاحبه فرصة للتصحيح، ولهذا تزداد الحاجة إلى التثبت والتحري والتأني كلما كان القرار أكثر نهائية.

فقد يمكن تعديل قرار إداري، وتصحيح خطاب إعلامي، وإعادة توزيع مسؤولية، أما العقوبات التي لا رجعة فيها فتحتاج قدرًا أكبر من التروي والعدل وسماع الملابسات، ويزداد ذلك أهمية حين تكون الواقعة نفسها قد وقعت تحت الإكراه؛ لأن سؤالًا واحدًا كان ينبغي أن يسبق الحكم: هل صدر هذا الفعل عن اختيار أم عن قهر؟

وفي حياتنا اليومية لا نملك سيوف الولاة، لكننا نتخذ أحيانًا قرارات نهائية بطريقتنا؛ نقطع علاقة لا تعود، ونهدم سمعة، ونطرد موظفًا، وننشر اتهامًا يبقى في الشبكة سنوات، وقد يأتي الندم بعد ذلك، لكن بعض آثار الكلمة أو القرار لا يجبرها الاعتذار كاملاً.

ومن هنا تصبح القدرة على تأخير القرار عند الغضب من علامات الحكمة، لا من علامات الضعف.

وأخيرا: منهج الإنصاف في قراءة مواقف التراجم والتاريخ

يغرينا التاريخ أحيانًا بعقد مقارنات حادة: هذا ثبت فصار بطلًا، وذاك نجا بنفسه فكان جبانا، غير أن التصور الشرعي أكثر دقة من هذه الثنائية، إذ فتح المجال للأخذ بالرخصة أو العزيمة، ولم يعب على أحد في اختياره، بل حفظ لعمار رضي الله عنه طمأنينة قلبه بالإيمان مع ما نطق به من الكفر تحت تأثير العذاب.

وقد يختار بعض الناس الصبر على الأذى، ويأخذ آخرون بما وسعه الشرع عند الإكراه، وليس كل اختلاف بين الطريقين دليلًا على فساد الباطن.

وهذا فقه نحتاجه عند قراءة سير الأشخاص والأحداث التاريخية واليومية فالمؤرخ الصادق لا يحوّل كل حادثة إلى منصة لمحاكمة القلوب، والمربي الحكيم لا يصنع فضيلة بتشويه أصحاب الابتلاءات المختلفة.

وختاما: كيف تستفيد القيادات المعاصرة من تجارب التاريخ؟

لم يحتج الذهبي إلى صفحات ليترجم لأيوب القرية، فبضعة أسطر كانت كافية لتجتمع فيها البلاغة والسياسة، والرسالة والإكراه، والأسر والقتل، ثم الندم، لكن قصر الخبر لا يعني فقر دلالته، فمن قصة أيوب القرية نتعلم:

  • أن الكفاءة شيء، والاستعداد للأزمات شيء آخر.
  • أن الإنسان تحت الإكراه لا يحاكم كما يحاكم المختار.
  • أن الرموز الإعلامية قد تتحول إلى أدوات في الصراع إذا استولى الخصم على أصواتها.
  • أن حرمة الرسل ليست مسألة شكلية، وإنما ضمان لاستمرار التواصل حين تحتدم الخصومات.
  • أن القائد حين يتخذ قرارًا لا رجعة فيه ينبغي أن يتثبت أكثر مما يتثبت في غيره.

كما تعلمنا القصة أن من يمثل المؤسسة يحتاج جملة من المهارات؛ فالمفاوض لا يكفي أن يحسن الكلام؛ بل ينبغي أن يفهم النفوذ والضغط والمخاطر، وكذا المتحدث لا يكفي أن يملك العبارة؛ بل يحتاج إلى وعي بالتلاعب الإعلامي، والمدير لا يكفي أن يحسن إصدار العقوبات؛ بل يجب أن يعرف متى يتوقف ليسأل عن الظروف التي سبقت الخطأ.

ونتعلم قبل ذلك كله أدبًا في قراءة البشر؛ ألا نزعم معرفة النيات التي لم يكشفها أصحابها، ولا ننشئ من خبر موجز محاكمة كاملة لشخص عاش ظرفًا لم نعشه.

نعم، لقد كان أيوب القرية رجل بيان، لكن آخر فصول حياته لم يكن مسابقة في البلاغة، بل كان لحظة اصطدمت فيها الكلمة بالسيف، والاختيار بالإكراه، والنجاة العاجلة بالمصير اللاحق.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة