بين صرامة الميدان وسعة الحياة
عياض بن عمرو الأشعري.. كيف جمع بين قوة الفارس وسعة الحياة؟
يخبر الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، أن عياض بن عمرو الأشعري(1) حدث عن
أبي عبيدة، وخالد بن الوليد، وعياض بن غنم الأشعري، وطائفة، وعن الشعبي، وسماك بن
حرب، وحصين بن عبدالرحمن سكن الكوفة.
قال الشعبي: مر
عياض بن عمرو في يوم عيد فقال: ما لي لا أراهم يقلسون، فإنه من السُّنة.
قال هشيم: التقليس:
الضرب بالدف.
وقال سماك: سمعته
يقول: شهدت «اليرموك» فقتلناهم أربعة فراسخ، ورأيت أبا عبيدة سابق بفرس عربي(2).
يمثل هذا النص
جانبًا من شخصية من شخصيات الجيل الأول التي عاشت التحول الكبير من مرحلة الفتح
والتأسيس إلى مرحلة بناء المجتمع واستقرار الحياة في الأمصار، فعياض بن عمرو
الأشعري لم يكن شاهدًا على الأحداث الكبرى من بعيد، بل كان حاضرًا في ميدان «اليرموك»،
ثم أصبح ناقلًا للعلم والسُّنة في مجتمع الكوفة.
وتظهر أهمية هذه
الترجمة في اجتماع مشهدين قد يبدوان متباعدين: مشهد الفارس الذي يلاحق العدو في
ساحات القتال، ومشهد الرجل الذي يحرص على إحياء مظاهر الفرح المشروع في يوم العيد،
لكن القراءة العميقة تكشف أن المشهدين يصدران عن رؤية واحدة؛ أن الإسلام الذي يبني
القوة لا يلغي الفطرة، والدين الذي يربي على الجهاد لا يمنع الإنسان من الفرح
والبهجة.
تحول الفاتحين المسلمين من القتال إلى التعليم
عاش عياض بن عمرو في زمن تشكلت فيه ملاحم الدولة الإسلامية الأولى، وكان ممن شهدوا مرحلة الصراع الكبرى مع القوى العالمية آنذاك، وتكشف روايته عن «اليرموك» قربه من كبار القادة كأبي عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد رضي الله عنهما، غير أن قيمة هذه الشهادة لا تقف عند حدود التسجيل العسكري، بل في نقلها صورة الإنسان الذي خرج من الميدان ليشارك في بناء المجتمع؛ فالجيل الذي حمل السيف في الفتوحات لم يكن جيل حربٍ فحسب، بل جيل تعليم، وتربية، ونقلٍ للسُّنة. ويتجلى هذا التحول من ميادين الفتح إلى ثغور البناء في شواهد تاريخية ناصعة:
- فقه الكوفة
وبناء الإنسان: مسلك الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه؛ إذ بعد
مشاركته في مشاهد الفتح، بعثه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى الكوفة معلماً
ووزيراً، ليتفرغ لتربية أهلها على القرآن والفقه، وتخريج جيلٍ من الأعلام حتى كان
يقول لطلابه: «أَنْتُمْ جَلاءُ حُزْنِي»(3).
- إرساء الفقه
والتزكية في الشام: استجابة الصحابيين عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، رضي الله
عنهما حين كتب يزيد بن أبي سفيان يطلب معلمين للشام؛ فخرجا بطلب من عمر بن الخطاب
ليرابطا في بيت المقدس ودمشق، مفقّهين ومؤدّبين وناشرين لروح السنة بين أهالي
البلاد الناشئة.
- الجمع بين
السبق العسكري والتربية: صنيع القائد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه؛ إذ لم يثنه
بأسُه العسكري وسبقه كأول من رمى بسهم في سبيل الله، عن الانتقال السلس إلى حلقات
التحديث والفتوى ورعاية المجتمع بعد انقضاء المعارك.
إن الفتح في
التصور الإسلامي لم يكن يوماً مجرد استيلاءٍ أو توسع جغرافياً مجرد، بل كان مدخلاً
لرسالةٍ أخلاقية وإنسانية كبرى، انتقل فيها الفاتحون من صهيل الخيل في اليرموك
والقادسية إلى المحاريب ومجالس العلم في الكوفة ودمشق، لبناء الإنسان وتأسيس
العمران.
لماذا تسابق أبو عبيدة بفرسه في المعركة؟
يقول عياض بن عمرو: «وَرَأَيْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ سَابَقَ بِفَرَسٍ عَرَبِيٍّ»، يحمل هذا التفصيل الخاطف معنى قياديًا بليغًا؛ فهو يكشف عن القائد الذي لا يكتفي بإدارة المعركة عن بُعد، بل يشارك رجاله روح الحركة وركوب الخطر، فالقيادة في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى لا تنهض على إصدار الأوامر الفوقية، بل على بناء الثقة عبر المشاركة والقدوة الحية، حيث يتحول القائد الذي يراه أتباعه في صدارة المشهد من مجرد صاحب منصب إلى مصدر إلهام. ويتجلى هذا المعنى القيادي في شواهد تاريخية ناصعة:
- النموذج
القيادي الأعلى في الثبات والمشاركة: ما رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في
وصف حضور النبي صلى الله عليه وسلم الميداني في أوقات الشدة: «كُنَّا إِذَا
احْمَرَّ الْبَأْسُ وَاتَّقَى الْقَوْمُ بِالْقَوْمِ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ
مِنْهُ»(4)، لتتأسس القدوة القيادية في الالتحام المباشر وتقاسم المشقة
مع الأتباع.
- تقدم الصفوف
في أحرج اللحظات: ثبات وحضور أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم «خيبر»
والمشاهد الكبرى؛ إذ كان يتقدم الجيش بنفسه حاملاً الراية في خط المواجهة الأول،
مما يزرع اليقين ويرفع الروح المعنوية في نفوس الجند.
- تحويل
القيادة إلى قدوة ميدانية: اقتحام القائد خالد بن الوليد رضي الله عنه لقلب الصفوف
في معركة «اليرموك» ومشاركته الفرسان أشد لحظات القتال، ليثبت أن التخطيط العسكري
لا يكتمل أثره إلا بالقائد الذي يترجم قيمه وخُططه إلى سلوك عملي مشهود.
وهذا المبدأ هو
أحد أركان النجاح في كل زمان؛ فالمؤسسات والدول لا تبني مجدها بالخطط المكتوبة
والقرارات النظرية فحسب، بل بالقادة الذين ينزلون إلى الميدان ويتقدمون صفوف العمل
لتأكيد القدوة وصناعة الأثر.
لماذا واصل المسلمون مطاردة العدو أربعة فراسخ؟
تنقل شهادة عياض بن عمرو أن المسلمين «قَتَلْنَاهُمْ أَرْبَعَ فَرَاسِخَ»؛ وهي ملاحظة ميدانية دقيقة تكشف أن حسم المواجهة الأولى لا يعني تلقائياً انتهاء الخطر، بل إن استكمال الملاحقة وتصفية آثار المعركة هو القاطرة الحقيقية لتثبيت الأمن، ومن الناحية القيادية والإدارية، يمتد هذا المشهد ليرسخ حقيقة حاسمة؛ أن النجاح لا يكتمل بحسن الانطلاقة فقط، بل بالقدرة على متابعة المخرجات وحمايتها حتى النهاية لمنع نكسة المشروع أو عودة المشكلة. ويتجلى هذا المعنى التنفيذي في شواهد تاريخية ناصعة:
- التكتيك
النبوي في إثبات الهيبة واستكمال حماية النصر: خروج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة
«حمراء الأسد» عقب معركة أحد مباشرة؛ حيث لم يكتفِ بتجاوز أزمة الميدان، بل تتبع
فلول قريش لملاحقتهم، إثباتاً لقوة المسلمين وإغلاقاً للباب أمام أي محاولة من
العدو للكرّة أو استغلال نتائج المعركة.
- الحسم
الميداني وإتمام الفتح: صنيع القائد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بعيد انتصار «القادسية»
وفتح المدائن؛ إذ لم يقف عند حدود الإنجاز الأول، بل أتبع ذلك بملاحقة الفرس
واستكمال الفتوحات في «جَلُولَاء»، لضمان إخماد التهديد نهائياً وتأمين الحدود
الإقليمية للدولة.
- التأطير
الإداري لمتابعة الحق والنفاذ: توجيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه
لأبي موسى الأشعري في رسالة القضاء؛ حين قال: «فَإِنَّهُ لاَ يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ
بِحَقٍّ لاَ نَفَاذَ لَهُ»(5)، مؤكداً أن الخطط القرارات السليمة تُصبح
بلا قيمة إذا تُركت التفاصيل الأخيرة دون تنفيذ وتدقيق حازم.
وفي واقع
المؤسسات والمشاريع المعاصرة، تتشابه آليات النجاح والإخفاق؛ إذ تشير تجارب
الإدارة إلى أن كثيراً من المشاريع لا تفشل بسبب ضعف الفكرة أو سوء البداية، بل
بسبب التراخي في المتابعة النهائية وترك القضايا المعلقة دون إغلاق محكم، فالقائد
الحقيقي لا ينشغل ببهجة الإنجاز الأولي، بل يواصل العمل حتى يثبت أثره ويضمن
استدامته.
حكم الضرب بالدف وإظهار الفرح في العيد
ينتقل المشهد فجأة من ساحات القتال وأهوال الحرب إلى أجواء العيد، حين يتساءل الصحابي عياض بن عمرو مستنكراً: «مَا لِي لا أَرَاهُمْ يُقَلِّسُونَ؟ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ»، والتقليس -كما فسره العلماء- هو الضرب بالدف في المناسبات، ويكشف هذا الاستنكار عن فهمٍ عميق لدى جيل الفتوحات للتوازن النفسي والاجتماعي؛ فعياض الذي شهد ملحمة اليرموك وعايش شدائدها لم يرَ الفرح المباح مناقضاً للهيبة أو التدين، بل رآه حقاً للنفوس وجزءاً أصيلاً من حياة المجتمع المسلم وسنته النبوية. ويتسق هذا المفهوم مع شواهد تاريخية ونبوية ناصعة:
- التأصيل
النبوي لإظهار بهجة العيد: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للجواري باللعب والضرب
بالدف في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقوله لأبي بكر الصديق رضي الله
عنه حين همّ بإنكاره: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا
وَهَذَا عِيدُنَا»(6)، ليرسخ مبدأ إظهار السرور المباح في مواسمه.
- إبراز سعة
الدين بالترويح الملاح: سماح النبي صلى الله عليه وسلم للحبشة باللعب بالحراب
والدرق في المسجد النبوي يوم العيد، وإشراكه لعائشة رضي الله عنها بالتفرج عليهم،
مؤكداً علّة ذلك بقوله: «لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً»(7)،
تأكيداً على أثر الترويح المشروع في تجديد طاقة الأمة.
- التوازن
النفسي لدى جيل الفتح: مسلك الصحابة في التفريق بين مقام الحزم في الثغور ومقام
التوسعة والبهجة في الأعياد؛ إدراكاً بأن السلامة النفسية والترابط الاجتماعي
يستلزمان إعطاء كل وقتٍ حقه دون إفراط ولا تفريط.
فالإنسان لا
يستقيم عيشه بالقوة وحدها، كما لا يستمر بالجد المطلق دون ترويح؛ بل يحتاج إلى
لحظات الفرح المشروعة التي تُجدد طاقته، وتربطه بجماعته، وتذكره بسعة الشريعة
ويسرها.
دور الترويح المباح في تجديد الطاقة النفسية
تكشف شخصية عياض بن عمرو عن وعيٍ عميق بطبيعة النفس البشرية وتوازناتها؛ فمن يخوض أهوال القتال ويعايش أوقات الشدة يعرف أكثر من غيره مدى حاجة النفوس إلى الاستجمام وراحة الخاطر، فالصرامة الدائمة قد تصنع إنساناً قوياً في الظاهر، لكنها أداةٌ توشك أن تُعجل بالإرهاق والانكسار إذا غاب عنها التوازن؛ ولهذا استقر لدى فقه السلف أن الترويح المباح ليس خصماً للجدية والعبادة، بل هو الوقود المُعين عليهما. ويتأكد هذا الفقه النفسي والتربوي في شواهد تاريخية ناصعة:
- الترويح
المباح كقوة مستعادة: قول الصحابي الجليل أبي الدرداء رضي الله عنه: «إِنِّي
لأَسْتَجِمُّ لِقَلْبِي بِشَيْءٍ مِنَ التَّرْوِيحِ الْمُبَاحِ؛ لِيَكُونَ أَقْوَى
لِي عَلَى الْحَقِّ»(8)، بياناً لأن إراحة النفس وسيلة واعية لتعزيز
القدرة على المداومة والاستمرار.
- الميزان
النبوي لحقوق النفس والعقل: التوجيه الخالد في حديث سلمان الفارسي حين آخى النبي صلى
الله عليه وسلم بينه وبين أبي الدرداء، فقال سلمان: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ
حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ
كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَدَقَ
سَلْمَانُ».
- مراعاة
الطاقة والتوقي من السآمة: مسلك الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ إذ كان
يتعهد أصحابه بالموعظة والتعليم في أيامٍ متفرقة ولا يُكثر عليهم، علّةَ
«كَرَاهَةِ السَّآمَةِ عَلَيْنَا»(9)، إدراكاً لطبيعة النفس التي تمل
الإكثار الضاغط.
وفي عصرنا
المعاصر، يتأكد هذا المبدأ كضرورة قيادية وإدارية حتمية؛ فالقادة والعاملون في
البيئات الضاغطة يحتاجون دائماً إلى إرساء ثقافة تُوازن بين صرامة الإنجاز وضرورة
الاستجمام، وبين أداء الواجبات ورعاية الجوانب الإنسانية، لضمان استدامة العطاء
وحماية النفوس من الاحتراق المهني والنفسي.
التلازم الحضاري بين حماية الحدود وصناعة الحياة
يجمع موقف عياض بن عمرو بين ركنين أساسيين من أركان بناء الحضارات؛ أن القوة التي تحمي مقدرات المجتمع، والهوية الثقافية والروحية التي تمنحه تماكسه الداخلي، فـ«اليرموك» تمثل جانب الدفاع والاقتدار، والعيد يمثل جانب الحياة والإنسانية والابتهاج، وإذا فقد المجتمع أحد الجانبين اختل توازنه الفكري والعملي؛ فالقوة بلا روح قد تتحول إلى قسوة وجفاء، والاحتفال بلا قيم صلبة قد يستحيل إلى فراغ وهشاشة. ويتأكد هذا التوازن الحضاري في شواهد تاريخية ناصعة:
- التأسيس
النبوي لثنائية الهيبة والفسحة: الجمع النبوي الشريف بين إعداد الجيوش لحماية حوزة
الدولة، وبين إرساء الشعائر الاجتماعية المبهجة في الأعياد؛ إذ كان النبي صلى الله
عليه وسلم يقود الغزوات ويحمي الثغور، وفي الوقت ذاته يُقر اللعب المشروع بالحراب
في المسجد ويُوسع على أهل بيته، لتتجسد فسحة الدين جنبًا إلى جنب مع هيبته.
- تكامل الحسم
العسكري والتأسيس المجتمعي: سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع
ولاته في الأمصار؛ حيث كان يشدد على حماية الحدود وبناء القوة، وفي الوقت ذاته يحث
الولاة على إقامة الأعياد، ورعاية الفقراء، وتوسعة العيش على الناس لإبراز الهوية
الجامعة والتماسك الاجتماعي.
- بناء الهوية
المتوازنة في مدن الفتح: صنيع الصحابي عتبة بن غزوان رضي الله عنه عند اختطاط
البصرة؛ إذ جمع فيها بين التأسيس العسكري لحماية ثغور المسلمين من جهة، وبين إقامة
المسجد وتأسيس الفضاءات الاجتماعية التي تمنح المجتمع الناشئ روحاً وهويةً متماسكة
من جهة أخرى.
ولهذا فإن
النموذج الذي يقدمه عياض بن عمرو هو أنموذج المجتمع الرشيد المتوازن: مجتمع يعرف
متى يحمل السلاح لحماية وجوده، ومتى يفرح ليرمم روحه، ومتى يشتد في مواضع الحق،
ومتى يلين لإخوانه وأهله.
خلاصة منهج الجمع بين القوة والسعة الاجتماعية
تكشف هذه المواقف عن شخصية استثنائية لم تكن أسيرة صورة نمطية واحدة؛ فهو المحارب الذي لم تفقده الحرب إنسانيته، والعابد الذي لم يفصله التدين عن حاجات المجتمع البشري، والناقل الذي حفظ لنا صورة القادة والمجتمع في زمن التحولات الكبرى، إن القيمة الكبرى في سيرته لا تقف عند حدود شهادته على ملحمة اليرموك أو نقله خبر التقليس في العيد، بل في قدرته الفذة على الجمع بين المعنيين: قوةٌ واقتدار في مواجهة التحديات، وسعةٌ وتوازن في التعامل مع الحياة. ويتجلى هذا النموذج القيادي والإنساني في شواهد ناصعة:
- التأصيل
النبوي للتوازن النفسي والإنساني: موقف الصحابي حنظلة الكاتب رضي الله عنه حين شكا
للنبي صلى الله عليه وسلم تفاوت حاله بين خشوع الذكر وملاعبة الأهل، فأجابه النبي صلى
الله عليه وسلم بالميزان الخالد: «يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً»(10)،
ليُرسي القاعدة الكبرى في رعاية الفطرة والجمع بين الجد والترويح.
- التكامل بين
هيبة القيادة ولين المعشر: مسلك القائد أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه؛ إذ كان
قمةً في الحزم العسكري والقيادة الصارمة باليرموك، وكان في الوقت ذاته حليماً،
هيناً، متواضعاً، يتفقد أحوال الناس ويباشر أفراحهم ورخاءهم دون أن ينتقص ذلك من
هيبته.
- الشهادة
الشاملة لجيل الفتح: صنيع عياض بن عمرو الأشعري ذاته؛ حيث كان حريصاً على نقل
أهوال القتال وركوب الأخطار، ومتحرياً في الوقت نفسه لإحياء سنة التقليس وإظهار
الفرح في الكوفة، ليقدّم أنموذجاً لجيلٍ حرس الحدود بسيفه وحفظ سلامة المجتمع
ببهجته.
وهذا هو التوازن
الذي تحتاجه المجتمعات والمؤسسات في كل عصر: أن تمتلك القدرة الصلبة على حماية
مبادئها ومكتسباتها، وفي الوقت نفسه القدرة المرنة على صناعة حياة استثنائية
يسودها الفرح المشروع، والطمأنينة، والسلام الداخلي.
عياض بن عمرو.. الفارس الذي صالح بين السيف والبهجة
تختزل سيرة عياض
بن عمرو الأشعري العظمة الحقيقية لجيل الفتح؛ ذلك الجيل الذي لم ينظر إلى الحرب
بوصفها غاية، ولا إلى السيف بوصفه أداة للهيمنة، بل خاض أهوال اليرموك ليحمِي
الحياة، وطارد الخطر أربعة فراسخ ليصنع أمنها، ثم التفت في قلب الكوفة يسأل عن ضرب
الدفوف في العيد ليرمم روحها، لقد أدرك ببصيرته القيادية أن الحضارات لا تُبنى
بصلابة الميدان وحدها، بل بالقدرة على صناعة الفرح المشروع، وحفظ إنسانية الإنسان
وسط عواصف التحولات الكبرى.
إن الدرس الخالد
الذي تتركه هذه الشخصية لكل قائد ومربٍّ وعابر في الحياة، هو أن الكمال الإنساني
لا يكتمل بالصرامة المطلقة، ولا يزدهر بالفراغ العابر؛ بل في ذلك التوازن الدقيق
الذي يجمع بين هيبة الفارس في الميدان، ورقة الإنسان في رحاب الحياة:
فَقَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِمًا فَلْيَقْسُ أَحْيَانًا وَيَرْحُمْ أَحْيَانَا
الهوامش
- 1 عياض بن عمرو الأشعري، مختلف في صحبته والراجح أنه من التابعين، اشتهر برواية الحديث والنقل عن كبار الصحابة كأبي عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، وأبي موسى الأشعري، وروى عنه جمع منهم عامر الشعبي، سكن مدينة الكوفة.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 139).
- 3 كتاب الموشى، ص26.
- 4 أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (8639)، وأحمد (1347) واللفظ له.
- 5 أخرجه البيهقي (20567) واللفظ له.
- 6 أخرجه البخاري (952)، ومسلم (892)، وابن ماجه (1898) واللفظ له.
- 7 أخرجه أحمد (24854)، والطبراني (23/ 179/ 284) كلاهما بلفظه، وأصله عند البخاري (5236)، ومسلم (892).
- 8 كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس لابن عبد البر، ص20.
- 9 أخرجه البخاري (70)، ومسلم (2821) باختلاف يسير.
- 10 أخرجه الترمذي (2514) واللفظ له، وأخرجه مسلم (2750) باختلاف يسير.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً