لماذا منع الخليفة هذا الرجل من رؤية نهر دجلة؟
31 مشاهدة
30 يونيو 2026 - 07:30
النَّوَايَا قَبْلَ الْعَطَايَا
مِنْ نَوَادِرِ مَا سَطَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي «رَبِيعُ الأَبْرَارِ» أَنَّ أَعْرَابِيًّا مِنْ عُمْقِ الصَّحْرَاءِ، بَعِيدَ الدَّارِ، شَحِيحَ المَوَارِدِ، عَثَرَ يَوْمًا عَلَى نَبْعِ مَاءٍ فِي فَلَاةٍ قَفْرٍ، فَذَاقَهُ فَوَجَدَهُ -فِي ظَنِّهِ- أَعْذَبَ مَا يَكُونُ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: «وَاللَّهِ لا أَشْرَبُ مِنْهُ حَتَّى أَسْقِيَ مِنهُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ المَأْمُونَ»، فَحَمَلَ جَرَّتَهُ، وَمَلَأَهَا مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، وَانْطَلَقَ يَطْوِي البَيَادِيَ تَحْتَ لَهَيبِ الشَّمْسِ، حَتَّى بَلَغَ قَصْرَ الخِلَافَةِ فِي بَغْدَادَ.
فَلَمَّا وَصَلَ، قَدَّمَ الجَرَّةَ لِلْمَأْمُونِ قَائِلًا بِلِسَانِ المُحِبِّ الوَاثِقِ: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَتَيْتُكَ بِأَطْيَبِ شَيْءٍ عِنْدَنَا، آثَرْتُكَ بِهِ عَلَى نَفْسِي وَأَهْلِي».
فَتَنَاوَلَ المَأْمُونُ الجَرَّةَ، وَشَرِبَ مِنْهَا جُرْعَةً، فَوَجَدَ طَعْمَهَا كَرِيهًا، شَدِيدَ المُلُوحَةِ، مُتَغَيِّرًا بِسَبَبِ طُولِ السَّفَرِ وَحَرَارَةِ الجَوِّ!
لَكِنَّ الخَلِيفَةَ الحَكِيمَ أَخْفَى انْزِعَاجَهُ، وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةَ الرِّضَا، وَأَظْهَرَ الارْتِوَاءَ وَالسُّرُورَ، ثُمَّ أَمَرَ لِلأَعْرَابِيِّ بِمَالٍ وَفِيرٍ، وَكِسْوَةٍ حَسَنَةٍ.
وَقَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ الأَعْرَابِيُّ، نَادَى المَأْمُونُ قَائِدَ حَرَسِهِ وَهَمَسَ فِي أُذُنِهِ بِأَمْرٍ عَجِيبٍ قَائِلًا: «خُذُوهُ مِنْ طَرِيقٍ لَا يَرَى فِيهِ نَهْرَ دِجْلَةَ!».
فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ مَسْرُورًا بِمَا نَالَ، تَعَجَّبَ الحَاضِرُونَ وَسَأَلُوا المَأْمُونَ: «لِمَ يَا مَوْلَايَ شَرِبْتَ المَاءَ وَهُوَ أُجَاجٌ، ثُمَّ مَنَعْتَهُ مِنْ رُؤْيَةِ دِجْلَةَ؟».
فَقَالَ المَأْمُونُ قَوْلَتَهُ الخَالِدَةَ: «أَخَافُ أَنْ يَرَى عُذُوبَةَ دِجْلَةَ وَوَفْرَتَهُ؛ فَيَعْلَمَ أَنَّ مَاءَهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ لَا قِيمَةَ لَهُ؛ فَيَنْكَسِرَ خَاطِرُهُ، وَيَخْجَلَ مِنْ هَدِيَّتِهِ! دَعُوهُ يَعُودُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ أَسْدَى إِلَيْنَا مَعْرُوفًا».
الفَائِدَةُ وَالعِبْرَةُ:
لَمْ يَكُنِ الْمَأْمُونُ يَشْرَبُ مَاءً أَجَاجًا، بَلْ كَانَ يَرْتَشِفُ مُرُوءَةَ الْأَعْرَابِيِّ، وَيَحْتَوِي صِدْقَ مَشَاعِرِهِ بِذَكَاءٍ عَاطِفِيٍّ فَذٍّ؛ فَالْعَطَاءُ لَيْسَ بِقِيمَتِهِ الْمَادِّيَّةِ، بَلْ بِصِدْقِ النَّوَايَا الَّتِي خَلْفَهُ.
فَأَحْيَانًا يَكُونُ أَقْصَى مَا يَمْلِكُهُ الْمَرْءُ مَحْضَ بَسَاطَةٍ، لَكِنَّهَا مَصْبُوغَةٌ بِالْحُبِّ.
وَجَوْهَرُ النُّبْلِ لَيْسَ فِي قَبُولِ الْعَطَايَا الثَّمِينَةِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي احْتِضَانِ النَّوَايَا الصَّادِقَةِ وَإِنْ جَاءَتْ فِي قَوَالِبَ مُتَوَاضِعَةٍ أَوْ مَعِيبَةٍ.
وَفِي زَمَنِ الْمَظَاهِرِ، نَحْنُ لَا نَحْتَاجُ لِمَنْ يُقَيِّمُ عَطَايَانًا، بَلْ لِمَنْ يُقَدِّرُ نَوَايَانَا، وَيُشْعِرُنَا أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَّا.. فِي عَيْنِهِ كَثِيرٌ.