صرخت في وجه نجل الخليفة.. فكيف عاقبها المأمون؟!

صرخت في وجه نجل الخليفة.. فكيف عاقبها المأمون؟!

43 مشاهدة

21 يوليو 2026 - 08:00


مِيزَانُ الْعَدَالَةِ

 يُرْوَى عَنِ ابْنِ الجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ «المُنْتَظَمُ فِي تَارِيخِ المُلُوكِ وَالأُمَمِ» أَنَّ الخَلِيفَةَ المَأْمُونَ كَانَ يُخَصِّصُ يَوْمًا لِلْجُلُوسِ لِلْمَظَالِمِ، لَا يُحْجَبُ عَنْهُ فِيهِ أَحَدٌ.

وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ، وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ امْرَأَةٌ مِسْكِينَةٌ، عَلَيْهَا آثَارُ الفَاقَةِ، فَقَالَتْ بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لِي خَصْمٌ قَدْ ظَلَمَنِي وَاغْتَصَبَ أَرْضِي».

فَسَأَلَهَا المَأْمُونُ بِاهْتِمَامٍ: «وَمَنْ خَصْمُكِ يَا أَمَةَ اللهِ؟».

فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا المُرْتَعِشَةِ إِلَى الوَاقِفِ بِجِوَارِ الخَلِيفَةِ وَقَالَتْ: «خَصْمِي هُوَ ابْنُكَ هَذَا.. العَبَّاسُ»!

سَادَ الصَّمْتُ المَجْلِسَ، وَتَعَلَّقَتِ الأَبْصَارُ بِالمَأْمُونِ؛ كَيْفَ سَيَتَصَرَّفُ مَعَ فِلْذَةِ كَبِدِهِ؟ لَكِنَّ الخَلِيفَةَ لَمْ يَتَرَدَّدْ لَحْظَةً، بَلْ نَظَرَ إِلَى ابْنِهِ نَظْرَةً صَارِمَةً وَقَالَ لِقَاضِيهِ: «يَا قَاضِيَ القُضَاةِ، أَجْلِسِ العَبَّاسَ مَعَ خَصْمِهِ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَاحْكُمْ بَيْنَهُمَا بِالحَقِّ».

نَزَلَ الأَمِيرُ العَبَّاسُ مِنْ مَقَامِ العِزِّ لِيَجْلِسَ كَتِفًا بِكَتِفٍ مَعَ المَرْأَةِ البَسِيطَةِ فِي سَاحَةِ القَضَاءِ، بَدَأَتِ المَرْأَةُ تَتَكَلَّمُ، فَارْتَفَعَ صَوْتُهَا، وَاشْتَدَّتْ حُجَّتُهَا، وَانْطَلَقَتْ تَدْحَضُ قَوْلَ الأَمِيرِ دُونَ خَوْفٍ، بَيْنَمَا تَلَجْلَجَ العَبَّاسُ، وَانْعَقَدَ لِسَانُهُ، وَعَلَاهُ الخَجَلُ حَتَّى عَجَزَ عَنِ الرَّدِّ!

فَلَمَّا تَبَيَّنَ الحَقُّ، قَضَى القَاضِي لِلْمَرْأَةِ بِأَرْضِهَا، وَرَدَّ إِلَيْهَا حَقَّهَا، وَعِنْدَ انْفِضَاضِ المَجْلِسِ، أَمَرَ المَأْمُونُ لِلْمَرْأَةِ بِمَالٍ تَعْوِيضًا لَهَا، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لِي سُؤَالٌ يُحَيِّرُنِي».

قَالَ: «سَلِي مَا بَدَا لَكِ».

قَالَتْ: «لَقَدْ كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى ابْنِكَ وَهُوَ أَمِيرٌ وَابْنُ أَمِيرٍ، فَلِمَ لَمْ تَزْجُرْنِي أَوْ تُسْكِتْنِي؟!».

فَابْتَسَمَ المَأْمُونُ ابْتِسَامَةَ المُوقِنِ وَقَالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ: «لَمْ أَزْجُرْكِ لِأَنَّ الحَقَّ أَنْطَقَكِ.. وَالبَاطِلَ أَخْرَسَهُ!».

 

الفَائِدَةُ والعِبْرَةُ:

إِنَّ أَعْظَمَ مَا يُوَرِّثُهُ الآبَاءُ لِلْأَبْنَاءِ لَيْسَ الحَصَانَةَ مِنَ المُسَاءَلَةِ، وَإِنَّمَا الحِمَايَةُ مِنْ طُغْيَانِ نُفُوسِهِمْ؛ فَالْمَأْمُونُ حِينَ أَجْلَسَ ابْنَهُ فِي مَقَامِ الخُصُومِ لَمْ يَكُنْ يَقْسُو عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ يَكْسِرُ فِيهِ الكِبْرَ قَبْلَ أَنْ يَكْسِرَهُ الزَّمَنُ، مُؤْمِنًا بِأَنَّ الأَبَ العَاقِلَ هُوَ مَنْ يَحْمِي ابْنَهُ بِـ«مِيزَانِ العَدَالَةِ» لَا بِـ«بَرِيقِ السُّلْطَةِ».

وَهَكَذَا تَكْتَمِلُ دَوْلَةُ الأَمَانِ؛ حِينَ تَذُوبُ الفَوَارِقُ الطَّبَقِيَّةُ عَلَى أَعْتَابِ القَضَاءِ، وَتَتَهَاوَى الأَلْقَابُ أَمَامَ جَلَالِ الحَقِيقَةِ، لِيَقِفَ الأَمِيرُ وَالفَقِيرُ فِي كِفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَنْطِقُ الأَمِيرُ خَجَلًا مِنْ بَاطِلِهِ، وَلَا يَصْمُتُ الفَقِيرُ خَوْفًا مِنْ خَصْمِهِ، بَلْ يَظَلُّ الحَقُّ هُوَ السُّلْطَانَ الأَوْحَدَ الَّذِي تَخْرَسُ دُونَهُ كُلُّ الرُّتَبِ.

الرابط المختصر :

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة