من القائل.. «الرحمة خَوَرٌ في الطبيعة»؟!

من القائل.. «الرحمة خَوَرٌ في الطبيعة»؟!

15 مشاهدة

28 يوليو 2026 - 08:00


تَنُّورُ الْمَوْتِ

مِنْ أَعْجَبِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ فِي «تَارِيخِهِ»، وَابْنُ خَلِّكَانَ فِي كِتَابِهِ «وَفَيَاتُ الْأَعْيَانِ»؛ أَنَّ الْوَزِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِالْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ، عَمِلَ فِي أَيَّامِ وِزَارَتِهِ تَنُّورًا مِنْ خَشَبٍ، فِي بَاطِنِهِ مَسَامِيرُ مِنْ حَدِيدٍ قَائِمَةٌ أَطْرَافُهَا الْمُحَدَّدَةُ إِلَى دَاخِلِ التَّنُّورِ.

وَكَانَتْ هَذِهِ الْمَسَامِيرُ تَمْنَعُ مَنْ يُجْعَلُ فِيهِ مِنَ الْحَرَكَةِ لِئَلَّا يَمَسَّهُ أَلَمُهَا، فَكَانَ يُعَذِّبُ فِيهِ الْمُصَادَرِينَ وَالْمَأْخُوذِينَ بِأَمْوَالِ السُّلْطَانِ! فَمَنْ صَرَخَ مِنْهُمْ يَسْتَغِيثُ: ارْحَمْنِي! كَانَ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَائِلًا: «الرَّحْمَةُ خَوَرٌ فِي الطَّبِيعَةِ»!

فَلَمَّا دَارَتِ الدَّوَائِرُ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الْمُتَوَكِّلُ، قَيَّدَهُ، وَأَمَرَ بِإِلْقَائِهِ فِي ذَلِكَ التَّنُّورِ بِعَيْنِهِ! فَلَمَّا أُدْخِلَ فِيهِ وَذَاقَ بَأْسَ صَنِيعَتِهِ، صَرَخَ مُسْتَجِيرًا يَطْلُبُ النَّجَاةَ: ارْحَمْنِي! فَرُدَّ عَلَيْهِ بِمَقَالَتِهِ الَّتِي كَانَ يُعَذِّبُ بِهَا النَّاسَ: «الرَّحْمَةُ خَوَرٌ فِي الطَّبِيعَةِ»!

فَلَمْ يَلْبَثْ فِي التَّنُّورِ إِلَّا أَيَّامًا يَسِيرَةً حَتَّى مَاتَ، وَوُجِدَ مَكْتُوبًا فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ بِفَحْمَةٍ عَلَى الْحَائِطِ:

مَنْ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَسُودَ بِظُلْمِهِ *** فَلْيَقْنَعَنْ بِذَاكَ وَهُوَ مُحَالُ

وَبِأَنَّ دَوْلَتَهُ وَإِنْ طَالَــــــتْ بِـهِ *** وَبِطَغْيِهِ فِي النَّاسِ سَوْفَ تُدَالُ

 

الْفَائِدَةُ وَالْعِبْرَةُ:

فِي زَمَنٍ يَمُوجُ بِالْمَادِّيَّةِ وَأَوْهَامِ السَّيْطَرَةِ، تَأْتِي هَذِهِ الْقِصَّةُ كَرِسَالَةِ طَبْطَبَةٍ تَمْسَحُ عَلَى قَلْبِ كُلِّ مَظْلُومٍ يَحْتَرِقُ بِجَمْرِ الْقَهْرِ، لِتُؤَكِّدَ لَهُ أَنَّ الصَّلَابَةَ النَّفْسِيَّةَ تَنْبُعُ مِنْ عُمْقِ الِافْتِقَارِ وَالِانْكِسَارِ لِلْخَالِقِ الْعَدْلِ.

حَيْثُ إِنَّ الْقُدْرَةَ لَا تُقَاسُ بِمَا يَمْلِكُهُ الْمَرْءُ مِنْ أَدَوَاتِ الْبَطْشِ، بَلْ تَكْمُنُ هَشَاشَتُهَا فِي غِيَابِ الرَّحْمَةِ الَّتِي تَجْعَلُ الظَّالِمَ يَبْنِي حَتْفَهُ بِيَدِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَحْمِي نَفْسَهُ، إِذْ تَدُورُ الْأَيَّامُ دُوَلًا لِتَصْرَعَ كُلَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ بِجَبَرُوتِهِ مُخَلَّدٌ، وَتَتْرُكَ صَدَى صَرْخَتِهِ عِبْرَةً تَتَرَدَّدُ فِي أُذُنِ الزَّمَانِ؛ بِأَنَّهَا سَوْفَ تُدَالُ!

الرابط المختصر :

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة