لماذا رفض الإمام مالك هذا العرض التاريخي؟

لماذا رفض الإمام مالك هذا العرض التاريخي؟

26 مشاهدة

28 يونيو 2026 - 07:50



مِنْ بَدِيعِ مَا وَرَدَ فِي كِتَابِ «الِانْتِقَاءُ فِي فَضَائِلِ الثَّلَاثَةِ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ» لِلْإِمَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكاً قَالَ: «لَمَّا حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ دَعَانِي، فَقَالَ لِي: قَدْ عَزَمْتُ أَنْ آمُرَ بِكُتُبِكَ هَذِهِ فَتُنْسَخَ نُسَخاً، ثُمَّ أَبْعَثَ إِلَى كُلِّ مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِنُسْخَةٍ، وَآمُرَهُمْ بِأَنْ يَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا، وَلَا يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ.

فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَفْعَلْ هَذَا؛ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ سَبَقَتْ إِلَيْهِمْ أَقَاوِيلُ، وَسَمِعُوا أَحَادِيثَ، وَرَوَوْا رِوَايَاتٍ، وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا سَبَقَ إِلَيْهِمْ، وَعَمِلُوا بِهِ، وَدَانُوا بِهِ، مِنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ.. وَإِنَّ رَدَّهُمْ عَمَّا اعْتَقَدُوهُ شَدِيدٌ، فَدَعِ النَّاسَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَمَا اخْتَارَ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ لِأَنْفُسِهِمْ.

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَعَمْرِي.. لَوْ طَاوَعْتَنِي عَلَى ذَلِكَ لَأَمَرْتُ بِهِ!


الْفَائِدَةُ وَالْعِبْرَةُ:

فِي زَمَنٍ بَاتَتِ الشُّهْرَةُ فِيهِ صَنَمًا يُعْبَدُ وَتَسَيَّدَتْ فِيهِ «الْأَنَا» مِنَصَّاتِ الْوَاقِعِ، تَأْتِي حِكْمَةُ الْإِمَامِ كَرِسَالَةٍ دَافِئَةٍ لِكُلِّ مَنْ يَسْعَى لِلْخَيْرِ فِي خَفَاءٍ، لِتُؤَكِّدَ لَهُ أَنَّ الصَّلَابَةَ الرُّوحِيَّةَ تَنْبُعُ مِنْ قُدْرَةِ الْمَرْءِ عَلَى هَزِيمَةِ شَهْوَةِ النَّفْسِ قَبْلَ هَزِيمَةِ خُصُومِهِ. 

وَأَنَّ التَّأْثِيرَ لَا يُقَاسُ بِحَجْمِ الِانْتِشَارِ أَوْ بِفَرْضِ الِاسْمِ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ، بَلْ تَكْمُنُ الْبَرَكَةُ فِي غِيَابِ حُبِّ الظُّهُورِ الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يُقَدِّمُ سَلَامَةَ الْمُجْتَمَعِ عَلَى مَجْدِهِ الشَّخْصِيِّ، حَيْثُ تَتَجَلَّى الرِّعَايَةُ فِي تَرْكِ الْخَلْقِ لِمَا ارْتَضَوْهُ دُونَ تَعَالٍ؛ فَيَتَهَاوَى غُرُورُ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ الْأَوْحَدُ، لِتَبْقَى الْحَقِيقَةُ صَارِخَةً فِي وَجْهِ التَّارِيخِ؛ أَنَّ سُلْطَةَ الْفَرْضِ تَصْنَعُ طَاعَةً زَائِلَةً، أَمَّا صِدْقُ الْقَلْبِ فَيَصْنَعُ خُلُوداً بَاقِياً! 


الرابط المختصر :

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة