لماذا رفضت زوجة الخليفة كنزاً من الذهب بعد وفاته؟
42 مشاهدة
05 يونيو 2026 - 01:15
يَنْقُلُ
لَنَا الفَقِيهُ المُؤَرِّخُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ فِي سِفْرِهِ المُبَارَكِ
«سِيرَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ»، مَوْقِفًا يَكْشِفُ عَنْ دَقِيقِ وَرَعِ
عُمَرَ، وَعَظِيمِ يَقِينِ زَوْجِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المَلِكِ.
حِينَ
اسْتَقَرَّ الأَمْرُ لِعُمَرَ، وَبَاتَ رَاعِيًا لِلأُمَّةِ، جَالَ بِبَصَرِهِ فِي
بَيْتِهِ، فَوَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى حُلِيِّ فَاطِمَةَ وَجَوَاهِرِهَا، فَلَمْ
يَأْمُرْهَا بِنَزْعِهَا قَهْرًا، بَلْ خَاطَبَ فِيهَا رُوحَ التَّقْوَى قَائِلًا:
«يَا
فَاطِمَةُ.. لَقَدْ عَلِمْتِ حَالَ هَذَا الجَوْهَرِ لِحُلِيِّكِ، وَمَا صَنَعَ
فِيهِ أَبُوكِ عَبْدُ المَلِكِ، وَمِنْ أَيْنَ أَصَابَهُ وَجَمَعَهُ».
ثُمَّ
عَرَضَ عَلَيْهَا أَمْرًا فِيهِ مِنَ الاحْتِيَاطِ لِدِينِهِ وَدُنْيَاهَا مَا
فِيهِ، فَقَالَ: «فَهَلْ لَكِ أَنْ أَجْعَلَهُ فِي تَابُوتٍ، ثُمَّ أَطْبَعَ
عَلَيْهِ بِخَاتَمِي، وَأَجْعَلَهُ فِي أَقْصَى بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ؟
فَإِنِّي سَأُنْفِقُ عَلَى الأُمَّةِ مِمَّا دُونَهُ مِنَ الأَمْوَالِ، فَإِنْ
نَفِدَتْ وَخَلَصْتُ إِلَيْهِ؛ أَنْفَقْتُهُ فِي مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ، وَإِنْ
مِتُّ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَلَعَمْرِي لَيُرَدَّنَّ إِلَيْكِ سَالِمًا».
لَمْ
تَكُنْ فَاطِمَةُ مِمَّنْ يُجَادِلُ فِي الحَقِّ، بَلْ قَالَتْ بِلِسَانِ
المُطْمَئِنَّةِ: «افْعَلْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَا شِئْتَ».
فَأَخَذَ
عُمَرُ الجَوَاهِرَ، وَوَضَعَهَا فِي التَّابُوتِ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا،
وَأَوْدَعَهَا فِي غَيَابَةِ بَيْتِ المَالِ، وَمَضَتِ الأَيَّامُ وَعُمَرُ
يُنْفِقُ وَيَعْدِلُ، حَتَّى وَافَتْهُ المَنِيَّةُ رَحِمَهُ اللهُ، وَلَمْ
تَمْتَدَّ يَدُهُ إِلَى ذَلِكَ التَّابُوتِ، فَبَقِيَ مَحْفُوظًا لَمْ يُفْتَحْ.
وَلَمَّا
آلَتِ الخِلَافَةُ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ -أَخِي
فَاطِمَةَ- فَتَحَ بَيْتَ المَالِ وَوَجَدَ أَمَانَةَ أُخْتِهِ، فَرَدَّ ذَلِكَ
عَلَيْهَا قَائِلًا: «هَذَا مَالُكِ قَدْ عَادَ إِلَيْكِ».
لَكِنَّ
فَاطِمَةَ، الَّتِي تَرَبَّتْ فِي مَدْرَسَةِ عُمَرَ، نَظَرَتْ إِلَى الذَّهَبِ
بِنَفْسٍ عَافَتِ الدُّنْيَا لِأَجْلِ اللهِ، فَامْتَنَعَتْ عَنْ أَخْذِهِ،
وَقَالَتْ كَلِمَتَهَا الخَالِدَةَ: «مَا كُنْتُ لِأَتْرُكَهُ لِوَجْهِ اللهِ
وَطَاعَةً لِعُمَرَ، ثُمَّ آخُذَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ!».
فَعَجِبَ
يَزِيدُ مِنْ ثَبَاتِهَا، وَأَخَذَ الجَوَاهِرَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ نِسَائِهِ
وَنِسَاءِ بَنِيهِ، وَبَقِيَ لِفَاطِمَةَ مِنَ الذِّكْرِ وَالْأَجْرِ مَا هُوَ
أَبْقَى مِنْ بَرِيقِ الجُمَانِ.
الفَائِدَةُ
والعِبْرَةُ:
تَجَلَّى
فِي هَذَا المَوْقِفِ عُمْقُ التَّرْبِيَةِ بِالقُدْوَةِ وَالإِقْنَاعِ لَا
بِالقَهْرِ، وَحِينَمَا خَاطَبَ عُمَرُ التَّقْوَى فِي قَلْبِ زَوْجِهِ
اسْتَجَابَتْ طَوَاعِيَةً؛ فَكَانَتْ نِعْمَ العَوْنِ عَلَى أَدَاءِ الأَمَانَةِ
وَالتَّخَفُّفِ مِنَ الدُّنْيَا.
وَلَعَلَّ
أَعْظَمَ دَرْسٍ هُنَا هُوَ ثَبَاتُ المَبَادِئِ بَعْدَ رَحِيلِ الأَشْخَاصِ،
فَقَدْ زَهِدَتْ فَاطِمَةُ فِي الذَّهَبِ مَرَّتَيْنِ؛ حُبًّا لِزَوْجِهَا، ثُمَّ
وَفَاءً لِرَبِّهَا.
وَفِي
عَصْرِنَا نَحْتَاجُ لِهَذِهِ الرُّوحِ لِنُدْرِكَ أَنَّ الشَّرَاكَةَ
الزَّوْجِيَّةَ النَّاجِحَةَ هِيَ الَّتِي تَبْنِي لِلآخِرَةِ، وَأَنَّ قِيمَةَ
الإِنْسَانِ الحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ فِيمَا يَتْرُكُ مِن أَثَرٍ لَا فِيمَا
يَمْلِكُ مِنْ ذَهَبٍ.