كيف أفلس هذا العجوز خزائن الملك كسرى بـ 3 كلمات؟
32 مشاهدة
23 يونيو 2026 - 11:00
مِنْ لَطَائِفِ مَا رَوَاهُ الْأَبْشِيهِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْمُسْتَطْرَفُ» فِي بَابِ الذَّكَاءِ وَفِطْنَةِ الْأَجْوِبَةِ، أَنَّ كِسْرَى، مَلِكَ الْفُرْسِ، خَرَجَ يَوْمًا يَتَنَزَّهُ فِي ضَوَاحِي مَمْلَكَتِهِ، فَلَمَحَ رَجُلًا مُسِنًّا قَدِ انْحَنَى ظَهْرُهُ وَاشْتَعَلَ رَأْسُهُ شَيْبًا، وَهُوَ يَجْتَهِدُ فِي غَرْسِ فَسِيلَةِ شَجَرَةِ «جَوْزٍ».
وَقَفَ الْمَلِكُ مُتَعَجِّبًا مِنْ إِصْرَارِ هَذَا الْعَجُوزِ، فَنَادَاهُ سَاخِرًا: «يَا هَذَا! أَتَغْرِسُ الْجَوْزَ وَهُوَ لَا يُثْمِرُ إِلَّا بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً؟! وَأَنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ دَنَا أَجَلُكَ، فَهَلْ تَطْمَعُ حَقًّا أَنْ تَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهِ؟!».
تَوَقَّفَ الشَّيْخُ عَنِ الْعَمَلِ، وَمَسَحَ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْمَلِكِ بِنَظْرَةٍ مَمْلُوءَةٍ بِحِكْمَةِ السِّنِينَ وَقَالَ: «أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَقَدْ غَرَسَ مَنْ قَبْلَنَا فَأَكَلْنَا، وَنَحْنُ نَغْرِسُ لِيَأْكُلَ مَنْ بَعْدَنَا!».
وَقَعَتِ الْكَلِمَاتُ فِي قَلْبِ كِسْرَى مَوْقِعَ الْإِعْجَابِ، فَقَدْ رَأَى أَمَامَهُ رُوحًا كَبِيرَةً لَا تَعِيشُ لِنَفْسِهَا فَقَطْ، فَصَاحَ: «أَحْسَنْتَ!»، وَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ جَائِزَةً.
أَخَذَ الشَّيْخُ الدَّنَانِيرَ وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً ذَكِيَّةً.
فَسَأَلَهُ كِسْرَى: «وَلِمَ هَذِهِ الِابْتِسَامَةُ؟».
قَالَ الشَّيْخُ: «عَجِبْتُ مِنْ أَمْرِ شَجَرَتِي! لَقَدْ قُلْتَ لِي: إِنَّهَا لَا تُثْمِرُ إِلَّا بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهَا هِيَ قَدْ أَثْمَرَتْ فِي لَحْظَتِهَا ذَهَبًا وَأَنَا قَائِمٌ عَلَيْهَا!».
ضَحِكَ الْمَلِكُ مِنْ سُرْعَةِ بَدِيهَتِهِ، وَقَالَ: «أَحْسَنْتَ ثَانِيَةً!»، وَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ أُخْرَى.
فَمَا كَانَ مِنَ الشَّيْخِ إِلَّا أَنْ قَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! شَجَرُ الْجَوْزِ يُثْمِرُ فِي الْعَامِ مَرَّةً، وَشَجَرَتِي هَذِهِ أَثْمَرَتْ مَرَّتَيْنِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ!».
فَهَزَّ الْمَلِكُ رَأْسَهُ طَرَبًا لِفَصَاحَتِهِ، وَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفٍ ثَالِثَةٍ، ثُمَّ حَرَّكَ جَوَادَهُ مُسْرِعًا وَهُوَ يَقُولُ لِحَاشِيَتِهِ: «انْطَلِقُوا بِنَا قَبْلَ أَنْ يُفْنِيَ هَذَا الشَّيْخُ خَزَائِنَنَا بِكَلَامِهِ!».
الْفَائِـدَةُ وَالْعِـبْـرَةُ:
تُعَلِّمُنَا هَذِهِ الْقِصَّةُ أَنَّ الْعَطَاءَ عَابِرٌ لِلْأَجْيَالِ؛ فَالْمُرُوءَةُ الْحَقَّةُ هِيَ أَنْ تَزْرَعَ ظِلًّا لَنْ تَجْلِسَ تَحْتَهُ، وَتَصْنَعَ خَيْرًا لَنْ تُدْرِكَ حَصَادَهُ، لِتَكُونَ حَلْقَةً فِي سِلْسِلَةِ بَقَاءِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
فَلْنَتَجَاوَزْ أَنَانِيَّةَ اللَّحْظَةِ إِلَى خُلُودِ الْأَثَرِ؛ فَفِي زَمَنِنَا الَّذِي يَلْهَثُ فِيهِ الْجَمِيعُ خَلْفَ الْمَكَاسِبِ السَّرِيعَةِ، نَحْتَاجُ لِقَلْبٍ يُؤْمِنُ بِأَنَّ أَجْمَلَ الْعَطَاءِ هُوَ مَا لَا تَنْتَظِرُ مِنْهُ جَزَاءً، وَأَنَّكَ حِينَ تَزْرَعُ الْخَيْرَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ، فَإِنَّ ثِمَارَهُ سَتَصِلُكَ حَتْمًا؛ إِمَّا «ذَهَبًا» فِي يَدِكَ، أَوْ «دَعْوَةً» فِي قَبْرِكَ، أَوْ «ذِكْرًا طَيِّبًا» يَحْيَا بَعْدَكَ طَوِيلًا.