قصة الصديق البخيل من كتاب البخلاء للجاحظ
57 مشاهدة
05 يوليو 2026 - 08:00
الصديق البخيل
يُرْوَى فِي نَوَادِرِ الْجَاحِظِ عَنْ طَبَائِعِ الْبُخَلَاءِ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ قَصَدَ دَارَ صَدِيقٍ لَهُ عُرِفَ بِشُحِّ الْيَدِ، يَلْتَمِسُ مِنْهُ حَاجَةً بَسِيطَةً؛ أَنْ يُعِيرَهُ دَابَّتَهُ (حِمَارَهُ) لِيَقْضِيَ عَلَيْهَا أَمْرًا عَاجِلًا.
وَقَفَ الرَّجُلُ بِالْبَابِ يَطْرُقُهُ طَرْقَ الْوَاثِقِ، فَنَادَاهُ الْبَخِيلُ مِنْ خَلْفِ الْجِدَارِ مُتَثَاقِلًا: «مَنْ بِالْبَابِ؟».
فَأَجَابَهُ بِصَوْتٍ وَدُودٍ: «أَنَا صَدِيقُكَ فُلَانٌ، ضَاقَتْ بِيَ السُّبُلُ وَجِئْتُ أَسْتَعِيرُ حِمَارَكَ لِسَاعَةٍ».
هُنَا حَبَسَ الْبَخِيلُ أَنْفَاسَهُ، وَتَلَعْثَمَ قَلِيلًا ثُمَّ أَطْلَقَ كِذْبَةً بَارِدَةً: «يَا لَلْأَسَفِ يَا أَخِي! لَوْ كَانَ عِنْدِي لَمَا بَخِلْتُ بِهِ، لَكِنِّي -وَاللهِ- قَدْ أَرْسَلْتُهُ إِلَى الْحَقْلِ مُنْذُ الصَّبَاحِ».
هَمَّ الصَّدِيقُ بِالِانْصِرَافِ مُصَدِّقًا، وَلَكِنْ.. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَاسِمَةِ، وَكَأَنَّ الْقَدَرَ أَبَى إِلَّا أَنْ يَفْضَحَ الْمَسْتُورَ، ارْتَفَعَ صَوْتُ نَهِيقِ الْحِمَارِ مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ مُدَوِّيًا، يَشُقُّ صَمْتَ الْمَكَانِ!
بُهِتَ الصَّدِيقُ مِمَّا سَمِعَ! وَعَادَتْ يَدُهُ لِتَطْرُقَ الْبَابَ بِقُوَّةٍ وَتَعَجُّبٍ: «يَا رَجُلُ، كَيْفَ تَزْعُمُ أَنَّهُ فِي الْحَقْلِ، وَأَنَا أَسْمَعُ صَوْتَهُ يَصْدَحُ مِنْ فِنَاءِ دَارِكَ؟!».
هُنَا، انْفَتَحَ الْبَابُ فَجْأَةً، وَخَرَجَ الْبَخِيلُ ثَائِرًا، مُنْتَفِخَ الْأَوْدَاجِ، وَقَدْ قَلَبَ الدَّفَّةَ بِبَجَاحَةٍ لَا تُصَدَّقُ صَارِخًا فِي وَجْهِ صَدِيقِهِ: «وَيْحَكَ يَا رَجُلُ! أَتُكَذِّبُنِي وَتُصَدِّقُ حِمَارًا؟! أَتَثِقُ بِنَهِيقِ بَهِيمَةٍ لَا عَقْلَ لَهَا، وَتَرُدُّ قَوْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ذِي شَيْبَةٍ وَوَقَارٍ؟!».
فَخَجِلَ الصَّدِيقُ مِنْ هَوْلِ الْمَنْطِقِ الْمَعْكُوسِ، وَآثَرَ السَّلَامَةَ عَلَى الْجِدَالِ، فَمَضَى وَهُوَ يُتَمْتِمُ: «صَدَقْتَ أَنْتَ.. وَكَذَبَ الْحِمَارُ!».
الْفَائِدَةُ وَالْعِبْرَةُ:
لَيْسَتِ الْقِصَّةُ مُجَرَّدَ نَادِرَةٍ فُكَاهِيَّةٍ، بَلْ هِيَ تَجْسِيدٌ لِمَا نُعَانِيهِ الْيَوْمَ مِمَّنْ يَتَدَثَّرُونَ بِعَبَاءَةِ الْمَكَانَةِ وَالْأَلْقَابِ لِيَطْمِسُوا الْحَقَائِقَ الْوَاضِحَةَ أَمَامَ أَعْيُنِنَا؛ فَهِيَ دَعْوَةٌ أَلَّا نُلْغِيَ عُقُولَنَا خَجَلًا أَوْ خَوْفًا مِنْ «سَطْوَةِ الْأَشْخَاصِ»، مَهْمَا عَلَا ضَجِيجُهُمْ! فَالْحَقُّ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ، بَلِ الرِّجَالُ هُمْ مَنْ يُعْرَفُونَ بِالْحَقِّ، فَلَا تَسْمَحْ لِهَيْبَةِ الْكَاذِبِ أَنْ تُخْرِسَ صَوْتَ الْحَقِيقَةِ فِي قَلْبِكَ.