زلة لسان حولت هذا الرجل إلى إمام زمانه.. قصة الكسائي العجيبة
41 مشاهدة
07 يوليو 2026 - 07:00
زَلَّةُ الْمَجْدِ!
مِنْ بَدَائِعِ مَا سَطَّرَهُ
الْحَافِظُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي سِفْرِهِ الْخَالِدِ «تَارِيخُ
بَغْدَادَ»، أَنَّهُ نَقَلَ إِلَيْنَا مَشْهَدًا كَانَ بِمَثَابَةِ الشَّرَارَةِ
الَّتِي أَوْقَدَتْ سِرَاجَ عِلْمِ النَّحْوِ فِي صَدْرِ الإِمَامِ الكِسَائِيِّ،
حَيْثُ يَرْوِي لَنَا كَيْفَ تَحَوَّلَتْ زَلَّةُ اللِّسَانِ إِلَى مَجْدٍ
يُذْكَرُ عَلَى مَرِّ الأَزْمَانِ.
جَاءَ عَلِيٌّ بْنُ حَمْزَةَ
الْكِسَائِيُّ يَوْمًا يَمْشِي وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ الْمَسِيرُ مَأْخَذَهُ،
وَبَلَغَ بِهِ الْجَهْدُ مَبْلَغَهُ، فَانْتَهَى إِلَى قَوْمٍ مِنَ
الْهَبَّارِيِّينَ، فَجَلَسَ بَيْنَهُمْ يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ، وَقَالَ
عَفْوِيًّا يُعَبِّرُ عَنْ حَالِهِ: «قَدْ عَيِيتُ».
فَرَمَقَهُ الْقَوْمُ بِنَظَرَاتِ
الاسْتِغْرَابِ وَالاسْتِنْكَارِ، وَقَالُوا لَهُ لَائِمِينَ: «أَتُجَالِسُنَا
وَأَنْتَ تَلْحَنُ؟!».
فَدُهِشَ الْكِسَائِيُّ وَقَالَ
مُتَسَائِلًا: «كَيْفَ لَحَنْتُ؟!».
فَقَالُوا لَهُ مُعَلِّمِينَ
وَمُوَبِّخِينَ: إِنْ كُنْتَ أَرَدْتَ مِنَ التَّعَبِ فَقُلْ: «أَعْيَيْتُ»،
وَإِنْ كُنْتَ أَرَدْتَ مِنِ انْقِطَاعِ الْحِيلَةِ وَالتَّحَيُّرِ فِي الأَمْرِ
فَقُلْ: «عَيِيتُ».
وَقَعَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ مِنْ
نَفْسِ الْكِسَائِيِّ مَوْقِعَ الصَّاعِقَةِ، فَأَنِفَ مِنْ هَذَا الْمَوْقِفِ،
وَشَعَرَ بِخَجَلٍ سَرَى فِي عُرُوقِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْكَسِرْ، بَلْ هَبَّ
وَاقِفًا وَقَدْ شَمَّرَ عَنْ سَاعِدِ الْعَزْمِ، وَسَأَلَ فِي لَحْظَتِهِ: «مَنْ
يُعَلِّمُ هَذَا الْعِلْمَ؟»؛ فَدَلُّوهُ عَلَى مُعَاذِ الْهَرَّاءِ، فَانْطَلَقَ
إِلَيْهِ مِنْ فَوْرِهِ، ثُمَّ لَزِمَ الْبَادِيَةَ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَّا وَهُوَ
إِمَامُ الْكُوفَةِ الَّذِي لَا يُشَقُّ لَهُ غُبَارٌ.
الفَائِدَةُ
والعِبْرَةُ:
تَتَجَلَّى رَوْعَةُ الْقِصَّةِ
فِي تَحْوِيلِ مَرَارَةِ النَّقْدِ وَلَحْظَةِ الِانْكِسَارِ إِلَى شَرَارَةِ
عَزْمٍ وَانْطِلَاقَةٍ نَحْوَ الْمَجْدِ بِالْعَمَلِ الْفَوْرِيِّ دُونَ
تَسْوِيفٍ.
وَهَذَا يَدْعُونَا فِي وَاقِعِنَا
لِاِتِّخَاذِ كُلِّ عَثْرَةٍ سُلَّمًا لِلارْتِقَاءِ وَبِنَاءِ الذَّاتِ،
مُوقِنِينَ أَنَّ السِّيَادَةَ تُنْتَزَعُ بِبَذْلِ الْجُهْدِ وَمُكَابَدَةِ
الْعِلْمِ وَتَحَمُّلِ النَّقْدِ لَا بِالْأَمَانِيِّ الْفَارِغَةِ.