السر الخفي الذي جعله أعظم قائد بدون مال أو سلاح!

السر الخفي الذي جعله أعظم قائد بدون مال أو سلاح!

37 مشاهدة

14 يونيو 2026 - 08:00



مِنْ بَيْنِ سُطُورِ «العِقْدُ الفَرِيدُ»، تُطِلُّ عَلَيْنَا رُوحُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ؛ لِتَرْسُمَ بِأَخْلَاقِهَا مَعَالِمَ سِيَادَةٍ لَا تَهْزِمُهَا الأَيَّامُ.

لَمْ يَكُنِ الأَحْنَفُ رَجُلاً تَنْحَنِي لَهُ الرُّؤُوسُ لِفَخَامَةِ بِنْيَتِهِ، أَوْ لِبَرِيقِ مَالِهِ، بَلْ كَانَ رَجُلاً بَسِيطَ المَلَامِحِ، قَلِيلَ المَالِ.. لَكِنَّ قَوْمَهُ كَانُوا يَسِيرُونَ خَلْفَهُ كَمَا تَسِيرُ النُّجُومُ خَلْفَ مَدَارِهَا!

وَقَفَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ فِي دَهْشَةٍ يَسْأَلُونَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ هَذَا اللُّغْزِ الْمُحَيِّرِ: «يَا أَبَا عَبْدِاللهِ، بِمَ سَادَ الْأَحْنَفُ قَوْمَهُ؟! فَلَيْسَ بِأَكْثَرِهِمْ مَالاً، وَلَا بِأَعْظَمِهِمْ جَاهاً، وَلَا بِأَشْرَفِهِمْ نَسَباً.. فَمَا سِرُّهُ؟!».

فَجَاءَهُمْ رَدُّ عُرْوَةَ قَاطِعاً كَالسَّيْفِ، يَنْفُذُ إِلَى جَوْهَرِ الرِّجَالِ: «وَاللهِ، مَا سَادَهُمْ بِمَالٍ بَذَلَهُ، وَلَا بِسَيْفٍ جَرَّدَهُ، وَلَكِنْ بِسُلْطَانٍ خَفِيٍّ أَقْوَى مِنَ المَعَادِنِ وَالسِّلَاحِ»!

اشْرَأَبَّتِ الْأَعْنَاقُ، وَخَفَتَتِ الْأَصْوَاتُ، وَسَأَلُوهُ فِي لَهْفَةٍ: «وَمَا هُوَ هَذَا السُّلْطَانُ؟!».

فَأَجَابَ بِيَقِينٍ: «لَقَدْ كَانَ لَهُ دُسْتُورٌ لَا يَتَبَدَّلُ: إِذَا نَطَقَ صَدَقَ؛ فَآمَنَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ، وَإِذَا ائْتُمِنَ وَفَى؛ فَاسْتَسْلَمَتِ القُلُوبُ لِأَمَانَتِهِ، وَإِذَا سُئِلَ أَعْطَى؛ فَمَلَكَ النُّفُوسَ بِجُودِهِ.

وَلَكِنَّ العَجَبَ كُلَّ العَجَبِ، أَنَّهُ كَانَ أَمِيرًا عَلَى لِسَانِهِ؛ فَمَا ذُكِرَ عِنْدَهُ أَحَدٌ بِسُوءٍ إِلَّا جَعَلَ مِنْ لِسَانِهِ دِرْعًا يَدْفَعُ عَنْهُ، وَلَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ شَفَتَيْهِ كَلِمَةٌ إِلَّا وَهِيَ تَفُوحُ جَمَالًا وَطِيبًا!».


الْفَائِدَةُ وَالْعِبْرَةُ:

تُخْبِرُنَا رُوحُ الأَحْنَفِ أَنَّ السِيَادَةَ «مَوْقِفٌ» لَا «مَنْصِبٌ»؛ فَفِي زَمَنٍ يُقَدِّمُ الْمَشْهُورَ لِمَالِهِ أَوْ ضَجِيجِهِ، نَكْتَشِفُ أَنَّ القُلُوبَ لَا تَنْقَادُ فِي لَحَظَاتِ الحَقِيقَةِ إِلَّا لِلصَّادِقِ الأَمِينِ، فالسِيَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ أَنْ تَكُونَ «مَلْجَأً» لِلنَّاسِ لَا سَيِّدًا عَلَيْهِمْ، وَأَنْ تَمْلِكَ سُلْطَانًا خَفِيًّا أَقْوَى مِنَ الذَّهَبِ؛ بِلِسَانٍ يَعِفُّ عَنِ السُّوءِ، وَنَفْسٍ تَتَرَفَّعُ عَنِ الدَّنَايَا. 

كُنْ «أَحْنَفَ الزَّمَانِ» بِصِدْقِكَ؛ يَنْحَنِ لَكَ الوَاقِعُ وَيُخَلِّدْكَ الأَثَرُ؛ فَالْمَظَاهِرُ تَزُولُ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا نُبْلُ الْمَخْبَرِ.


الرابط المختصر :

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة