يوميات متقاعد (51)

من العطاء إلى الامتنان.. دروس من مواقف الحياة اليومية

من العطاء إلى الامتنان.. دروس من مواقف الحياة اليومية

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبر المستفادة منها.

نبدأ بموقف حدث في 20 يونيو 2025م، ففي ذلك اليوم قررت أن أكافئ شخصاً له فضل عليَّ، وهو الشخص الذي يتولى إدخال مقالاتي الإدارية في بوابة الاستشارات التابعة لمجلة «المجتمع».

وتُعدّ «المجتمع» من المجلات العريقة التابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي، ويمتد تاريخها إلى نحو عام 1970م، وكان أول رئيس تحرير لها المهندس الراحل مشاري البداح أبو أسامة، يرحمه الله، الذي كان متخصصاً في الهندسة الكهربائية، وهو التخصص نفسه الذي أنتمي إليه، وقد درس في جامعة ولاية بنسلفانيا الأمريكية، حيث حصل على درجة البكالوريوس نحو عام 1967م، بينما درست أنا في الجامعة نفسها مرحلتي الماجستير والدكتوراة خلال الفترة من عام 1976 إلى 1981م، ولذلك فإن هناك جانباً من التاريخ المشترك بيننا، يرحمه الله.

ومع إنشاء بوابة الاستشارات الخاصة بهذه المجلة العريقة، خُصصت لي نافذة إدارية تُنشر فيها مقالاتي، وكان المشرف على هذه المقالات شخصاً أكنّ له محبة وتقديراً كبيرين، رغم أننا لم نلتقِ وجهاً لوجه حتى الآن، إلا أن الأرواح تتآلف، والقلوب تميل بعضها إلى بعض، وقد وجدت منه محبة صادقة وتعاوناً كريماً.

لذلك رأيت أن هذا الشخص يستحق احتراماً وتقديراً يليقان بمكانته وجهوده، فأرسلت إليه رسالة تقدير لما يبذله من عمل ودعم، وقد لاحظت بعد ذلك أثر هذا التقدير عليه؛ إذ ازداد نشاطاً وحماساً واهتماماً بما يُنشر من مقالات، ومع ذلك، فإن الهدف من هذا التقدير لم يكن الحصول على مزيد من الجهد، بل كان التعبير عن الامتنان والوفاء لمن وقف إلى جانبي وساعدني في أداء رسالتي.

مساندة الباحثين وأهل العلم

وفي اليوم نفسه (الجمعة 20 يونيو 2025م)، دعوت إمام مسجدنا إلى العشاء في أحد المطاعم اللبنانية، وكان قد عاد لتوّه من رحلة علمية طويلة، فأحببت أن أطمئن عليه وأتعرف إلى أخبار سفره.

وخلال الحديث، أخبرني بأنه يواصل العمل في مشروعه العلمي المرتبط بالدكتوراة، وأن جزءاً مهماً من دراسته يدور حول الدولة الأموية، وما يتعلق بها من محاسن ومثالب وأحداث تاريخية متنوعة.

فذكرت له أن لدينا أحد الزملاء المتخصصين في التاريخ، وهو د. يوسف، ويعمل في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، وكانت رسالته العلمية تدور حول موضوع قريب من هذا المجال، فأشرت عليه بالتواصل معه والاستفادة من خبراته العلمية، خاصة أن الباحث كثيراً ما يواجه أسئلة تحتاج إلى مناقشة مع متخصصين سبق لهم التعمق في الموضوع نفسه.

وقد رحب الشيخ بالفكرة، وطلب رقم التواصل معه ليستفيد من تجربته العلمية وما قد يملكه من مراجع وإجابات عن بعض التساؤلات.

البحث العلمي بين التقنية والتحقق

وخلال الحديث، وجهت إليه نصيحة أرى أهميتها لكل باحث، وهي عدم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي اعتماداً كاملاً في إعداد الأطروحات العلمية، فالذكاء الاصطناعي أداة نافعة ومفيدة في تنظيم الأفكار وجمع المعلومات الأولية، لكنه لا يزال عرضة للأخطاء، ولا يمكن اعتباره مرجعاً علمياً موثقاً بالمعنى الأكاديمي الدقيق.

وقد لاحظت ذلك بنفسي عندما سألت أحد الأنظمة الذكية عن آية قرآنية تتعلق بتحريم الخمر، فكتب نص الآية بإضافة حرف لم يرد فيها، ورغم أن الخطأ كان بسيطاً في الظاهر، فإنه يظل خطأ غير مقبول عند التعامل مع النصوص الشرعية.

ومن هنا تأتي أهمية التحقق من المصادر الأصلية، والرجوع إلى المراجع المعتمدة، وعدم الاكتفاء بما تقدمه التقنيات الحديثة مهما بلغت درجة تطورها.

وقد تكفل الله تعالى بحفظ كتابه الكريم، فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9)؛ ولذلك ظل القرآن الكريم محفوظًا عبر القرون، تتناقله الأجيال كما أُنزل، دون زيادة أو نقصان.

التعاون طريق النجاح

وقبل الانتقال إلى الموقف التالي، يجدر بنا التأكيد أن مساعدة الآخرين في تحقيق أهدافهم من أعظم الأعمال أثراً في الحياة، فعندما أرشدت إمام مسجدنا إلى أحد المتخصصين في التاريخ، لم أقدم له معلومة فحسب، بل حاولت أن أختصر عليه وقتاً وجهداً، وأن أساعده في الوصول إلى المعرفة بصورة أسرع وأدق.

إن الإنسان لا ينجح وحده، بل يحتاج إلى شبكة من العلاقات الطيبة، والنصائح المخلصة، والخبرات المتبادلة، وكلما كان المرء معيناً للآخرين، وجد من يعينه عندما يحتاج إلى الدعم والمساندة.

رحلة غير متوقعة

أما الموقف الثالث، فقد وقع في 23 يونيو 2025م، عندما كانت منطقة الشرق الأوسط تعيش أجواء متوترة نتيجة الأحداث السياسية والعسكرية المتسارعة.

في ذلك اليوم، كانت رحلتي المقررة من الكويت إلى تركيا، وصلت إلى المطار قبل موعد الإقلاع بنحو ساعتين، وأنهيت مع أفراد أسرتي جميع الإجراءات المعتادة، من استلام بطاقات الصعود إلى الطائرة وختم الجوازات.

لكننا فوجئنا بعد ذلك بإعلان تأجيل الرحلة مدة 6 ساعات كاملة، ولم يكن أحد من أفراد الأسرة مستعداً لقضاء هذه المدة الطويلة داخل المطار، فاستفسرنا عن إمكانية العودة إلى المنزل مؤقتاً بسبب الظروف الاستثنائية، فتمت الموافقة على ذلك.

وبهذا أصبحت تلك الرحلة أغرب رحلة مررت بها؛ إذ إنني بعد ختم جواز السفر أصبحت رسمياً خارج البلاد من الناحية الإجرائية، ثم عدت بعد نحو ساعة واحدة إلى داخل الكويت مرة أخرى، رغم أنني لم أغادرها فعلياً.

عدنا إلى المنزل، واسترحنا لبعض الوقت، وتناولنا وجبة طعام، ثم حصل كل منا على قسط من الراحة، وقبل موعد الرحلة الجديد بساعتين تواصلت مع شركة الطيران للتأكد من الإقلاع، فأكدوا أن الرحلة ستنطلق في الساعة الرابعة عصراً.

وبالفعل توجهنا مرة أخرى إلى المطار، وأُعيد إصدار بطاقات دخول جديدة بسبب تغيير الطائرة، ثم أكملنا الإجراءات وغادرنا الكويت بحفظ الله ورعايته.

نعمة التيسير

وصلنا إلى تركيا في المساء، وكانت الأخبار في تلك الأثناء تشير إلى هدوء الأوضاع الإقليمية وانخفاض مستوى التوتر، وقد شعرنا براحة كبيرة بعد أن كنا نتابع التطورات بقلق قبل السفر.

ومنذ لحظة الوصول وجدنا مظاهر كثيرة من التيسير؛ فقد أنجزنا إجراءات الدخول إلى تركيا بسرعة، وتسلمنا الأمتعة بسهولة، واستأجرنا السيارة دون تعقيدات، ثم وصلنا إلى مقر إقامتنا بيسر وسلاسة.

وعندما يتأمل الإنسان مثل هذه المواقف يدرك حجم النعم التي تحيط به في كل لحظة، فكثير من الأمور التي نعدها عادية هي في حقيقتها نعم عظيمة تستحق الشكر والثناء.

تضمنت هذه المواقف مجموعة من الدروس المهمة؛ فالتقدير الصادق يبعث الحماس في النفوس، ومساندة الآخرين في مشاريعهم العلمية والمعرفية تختصر عليهم الطريق وتفتح لهم أبواب النجاح، كما أن الاستفادة من التقنيات الحديثة أمر مطلوب، لكن مع ضرورة التحقق من المعلومات وعدم الاعتماد عليها اعتماداً مطلقاً.

كذلك تعلمنا أن التعاون بين الناس من أهم أسباب التقدم، وأن نِعَم الله تحيط بنا في كل مكان، سواء في نجاح عمل، أو تيسير رحلة، أو لقاء نافع، أو كلمة طيبة.

ومن يتأمل تفاصيل حياته اليومية بعين الشكر والامتنان يدرك أن الخير من حوله أكثر مما يتصور، وأن التوفيق الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالفضل لله تعالى وشكره على نعمه الظاهرة والباطنة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة