يوميات متقاعد (50)
قيمة الأهداف المشتركة في مقاومة الملل
في هذه السلسلة
من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.
ونبدأ بهذا
الموقف الذي حدث بتاريخ 18 يونيو 2025م؛ حيث كنت أقدم دورة تدريبية لأحد قطاعات
الصناعة النفطية، وكانت لدينا استراحة من الساعة 10 صباحاً إلى الساعة 10:30
صباحاً، وخلال الاستراحة اقترب مني أحد المتدربين، وقال لي: أشعر بالملل، فكيف
أدخل المرح والتجديد إلى حياتي، وأتخلص من الضجر والسأم؟
فأجبته قائلاً:
إن من أكبر أسباب الملل في الحياة غياب الأهداف المشتركة بين الإنسان ومن يحب،
فالإنسان حين يعيش بلا رسالة واضحة، أو بلا مشروع يتقاسمه مع الآخرين، يبدأ الشعور
بالفراغ بالتسلل إلى نفسه.
سألته: من أقرب
الناس إليك؟ هل هو ابنك، أم أخوك، أم زوجتك، أم أحد أصدقائك؟
وبعد أن حدد
الشخص الأقرب إليه، قلت له: ابدأ بوضع هدف مشترك بينك وبينه؛ فقد يكون هذا الهدف
متعلقاً بطاعة الله تعالى؛ كحفظ القرآن الكريم، أو المساهمة في توزيع الصدقات، أو
مساعدة المحتاجين، أو دعم مشروع خيري نافع.
وقد يكون الهدف
متعلقاً بالعائلة؛ كالتخطيط لرحلة أسرية، أو زيارة مكان ثقافي، أو حضور فعالية
تعليمية، أو أي نشاط يدخل السرور إلى قلوب أفراد الأسرة.
كما يمكن أن
يكون الهدف متعلقاً بخدمة المجتمع؛ كالمشاركة في تنظيف السواحل، أو إزالة المخلفات
من المناطق السكنية، أو الإسهام في أي عمل تطوعي يعود بالنفع على الناس، وقد يكون متعلقاً
بالذات؛ كتعلم لغة جديدة، أو قراءة عدد معين من الكتب، أو كتابة مؤلَّف يوثق
الخبرات والتجارب الشخصية.
قيمة التخطيط المرحلي
ثم قلت له: بعد
أن تحدد الهدف، قم بتجزئته إلى مراحل صغيرة، لا تجعل الهدف ضخماً إلى درجة تصيبك
بالإحباط، بل قسّمه إلى أجزاء عملية قابلة للتنفيذ، واحرص على ألا يمر شهر إلا وقد
أنجزت جزءاً من هذا الهدف، وعندما تحقق إنجازاً صغيراً؛ ستشعر بالتقدم، وسيدفعك
ذلك إلى مواصلة المسير.
إن كثيراً من
الناس لا يفشلون بسبب ضعف قدراتهم، وإنما بسبب غياب التخطيط المرحلي، فهم ينظرون
إلى الهدف الكبير، فيشعرون بصعوبته، ثم يتوقفون عن العمل قبل أن يبدؤوا، أما
الإنسان الناجح، فإنه يتعامل مع أهدافه خطوة خطوة، حتى يصل في النهاية إلى ما
يريد.
قيمة الدور الإيجابي في الحياة
ثم سألت المتدرب
سؤالاً مهماً: من أين يأتي الملل أصلاً؟ إن الملل يتسلل إلى الإنسان عندما يشعر
بأنه لا يؤدي دوراً مؤثراً في حياته، فعندما يظن أنه لا يضيف شيئاً لعائلته، ولا
يقدم نفعاً لمجتمعه، ولا يطور قدراته، ولا يحقق أهدافه، يبدأ الشعور بالفراغ في
السيطرة عليه، أما عندما يشعر الإنسان أن له رسالة ومهمة وأهدافاً يسعى إليها، فإن
حياته تمتلئ بالحيوية والنشاط.
العمل الخيري يمنح الإنسان شعوراً عميقاً
بالمعنى وأنه يترك أثراً طيباً يمتد إلى ما بعد حياته
ولهذا، فإن وجود
الأهداف المشتركة لا يساعد فقط على مقاومة الملل، بل يسهم أيضاً في تقوية العلاقات
الإنسانية، وتعزيز المحبة بين أفراد الأسرة، وترسيخ أواصر التعاون بين الأصدقاء.
إن كثيراً من
العلاقات تضعف بسبب غياب المشاريع المشتركة، بينما تزدهر العلاقات التي يجمع
أصحابها هدف واحد يعملون من أجله.
قيمة العمل الخيري المستدام
ومن النصائح
التي قدمتها لذلك المتدرب أن يجعل له مشروعاً خيرياً دائماً؛ فالجمعيات الخيرية
كثيرة، والمشروعات الإنسانية متنوعة، ويمكن للإنسان أن يشارك فيها بحسب قدرته
وإمكاناته، فقد يساهم في بناء مدرسة، أو مستشفى، أو مسجد، أو مشروعٍ مائي، أو
مزرعة إنتاجية، أو أي مشروع يعود بالنفع على الناس، وليس من الضروري أن يتحمل
تكلفة المشروع كاملة، بل يمكن أن يشارك مع غيره في تمويله وتنفيذه.
إن العمل الخيري
يمنح الإنسان شعوراً عميقاً بالمعنى، ويجعله يشعر بأنه يترك أثراً طيباً يمتد إلى
ما بعد حياته.
وقد اقتنع
المتدرب بهذه الفكرة، وقال: إنه سيبدأ بالبحث عن هدف مشترك مع أقرب الناس إليه.
قيمة الاستعداد للمستقبل
وننتقل الآن إلى
موقف آخر حدث في 19 يونيو 2025م، ففي ذلك اليوم قررت شراء جهاز راديو، وقد يبدو
الأمر غريباً في عصر الهواتف الذكية والإنترنت والتقنيات الحديثة، ولكنني رأيت أن
وجود الراديو ما زال مهماً.
ففي حال انقطاع
الكهرباء قد تتوقف كثير من الوسائل الإلكترونية عن العمل، كما قد تتعطل بعض وسائل
الاتصال الحديثة، بينما يستطيع الراديو العمل لفترات طويلة باستخدام البطاريات.
ومن هنا، جاءت
فكرة اقتناء جهاز راديو صغير للاستخدام عند الحاجة.
قيمة التفكير في البدائل
ذهبت إلى إحدى
الجمعيات التعاونية، وسألت عن أجهزة الراديو، فقيل لي: إن أرخص جهاز متوفر يبلغ
سعره 28 ديناراً، استغربت السعر، واعتقدت أنني سأجد أجهزة أبسط وأقل تكلفة في
أماكن أخرى.
بعض الوسائل التقليدية رغم التقدم التقني
الهائل ما زالت تحتفظ بأهميتها في أوقات الأزمات
وبالفعل ذهبت
إلى أكثر من جهة بحثاً عن جهاز أقل سعراً، لكنني فوجئت بأن معظم الأجهزة المتوفرة
قد بيعت، وأن المعروض أصبح محدوداً، عندها عدت إلى الجمعية الأولى، واشتريت
جهازين؛ أحدهما لي، والآخر هدية لإحدى أخواتي التي كانت تبحث كذلك عن جهاز راديو.
وقد علّمتني هذه
التجربة أن بعض الوسائل التقليدية، رغم التقدم التقني الهائل، ما زالت تحتفظ
بأهميتها في أوقات الطوارئ والأزمات.
قيمة نشر العلم والخبرة
وفي اليوم نفسه
(19 يونيو 2025م) تلقيت اتصالاً من مسؤولة في أحد مراكز التدريب التابعة لإحدى
الجمعيات التعاونية، وأخبرتني بأن الجمعية ترغب في تنظيم ثلاثة برامج تدريبية
لموظفيها، الذين يبلغ عددهم نحو 800 موظف.
وقد تم الاتفاق
على تقديم ثلاث دورات تدريبية، هي: «سيكولوجية التفاوض الناجح»، و«فن مخاطبة
الجمهور»، و«مهارات تحسين الكفاءة التشغيلية في بيئة العمل».
وكان من المقرر
أن تستغرق كل دورة يوماً تدريبياً واحداً، لمدة ثلاث ساعات يومياً، وقد سررت بهذه
المبادرة؛ لأنها تؤكد أهمية الاستثمار في تطوير الإنسان، ورفع كفاءته المهنية
والسلوكية، كما أنها تذكرنا بأهمية مشاركة المعرفة مع الآخرين، فإذا كان لدى
الإنسان علم أو خبرة أو مهارة نافعة، فلا ينبغي له أن يبخل بها على الناس.
العلم يزداد بالإنفاق والخبرة تنمو
بالمشاركة والمجتمع يستفيد عندما يتبادل أفراده المعرفة
إن العلم يزداد
بالإنفاق، والخبرة تنمو بالمشاركة، والمجتمع يستفيد عندما يتبادل أفراده المعرفة
والتجارب.
تناولنا في هذا
المقال مجموعة من المواقف الواقعية التي حملت دروساً مهمة في الحياة، فقد تعلمنا
أن وجود الأهداف المشتركة يساعد على مقاومة الملل، ويقوي العلاقات الإنسانية،
ويمنح الحياة معنى أعمق، كما تعلمنا أهمية التخطيط المرحلي في تحقيق الإنجازات،
وأهمية العمل الخيري في صناعة الأثر الإيجابي، وتوقفنا عند قيمة الاستعداد
للمستقبل من خلال التفكير في البدائل المناسبة، ثم أكدنا أهمية نشر العلم والخبرة
بين الناس..
وخلاصة الأمر أن
الإنسان كلما امتلك هدفاً واضحاً، ورسالة نافعةً، ومشروعاً يخدم به نفسه وأسرته
ومجتمعه، اقترب أكثر من القمة، وعاش حياة أكثر إنتاجاً وتأثيراً وسعادة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً