يوميات متقاعد (49)
قيمة التأثير في بناء الإنسان
في هذه السلسلة
من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.
ونبدأ بهذه
الوقفة التي تعود إلى يوم 17 يونيو 2025م، في ذلك اليوم كان لديَّ لقاء مباشر مع
جمعية بشائر الخير، وذلك في صالة المعجل، وكانت الجمعية تعقد لقاءها الأسبوعي كل
يوم ثلاثاء، حيث يجتمع عدد من التائبين والمستفيدين من برامجها التربوية
والاجتماعية.
وتُعدّ جمعية
بشائر الخير من المؤسسات التي تركت بصمة واضحة في المجتمع الكويتي، لما تقوم به من
جهود في رعاية التائبين ومساعدتهم على بناء حياة جديدة قائمة على الاستقامة والعمل
النافع.
وقد حضر اللقاء
نحو 30 شخصاً، وطُلب مني أن أقدم لهم موضوعاً يستفيدون منه في حياتهم العملية
والدعوية، فاخترت أن أطرح 3 قصص واقعية، تدور جميعها حول فن الإقناع، وكيف يمكن
للإنسان أن يجعل من النبي صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة في التعامل والتأثير
والدعوة إلى الخير.
قيمة العناية في عرض الأفكار
بدأت بالقصة
الأولى، وهي قصة حدثت في أحد محلات الذهب المعروفة في شارع ابن خلدون بمنطقة حولي،
قلت للحاضرين: إذا أردتم أن تقنعوا الناس بالسنن النبوية، أو بأي فكرة نافعة،
فتعالوا نتأمل طريقة بيع الذهب.
فقد ذهبت يوماً
مع ابنتي لشراء قطعة ذهب تلبسها في العيد، وأثناء تجولنا في المحل، لفت انتباهها
قطعة ذهب معروضة داخل صندوق زجاجي محكم الإغلاق، فطلبنا من البائع أن يعرضها
علينا، فمشى إلى الصندوق بهدوء وعناية، ثم أخرج المفتاح من جيبه، وفتح الصندوق
بعناية، وأخرج قطعة الذهب برفق، ثم أخرج قطعة قماش خاصة وقام بتنظيفها وتلميعها،
قبل أن يضعها في يدي بكل احترام واهتمام.
فماذا تتوقعون
بعد كل هذه العناية؟ النتيجة الطبيعية أن قيمة القطعة ارتفعت في نظرنا، قبل أن
نعرف سعرها، فطريقة العرض والعناية أعطتها قيمة إضافية في نفوسنا.
ثم قالت ابنتي:
لماذا لا نزور محلاً آخر لعلنا نجد قطعة أجمل؟ فقال البائع بثقة كبيرة: خذوا هذه
القطعة معكم، وتجولوا بها في المحلات الأخرى، فإن وجدتم أفضل منها فردّوها عليَّ.
خرجنا بالفعل،
والقطعة في يدي، ودخلنا أكثر من محل، وكانت ابنتي تقارن بين ما تراه وبين القطعة
التي معنا، ثم انتهت إلى أن القطعة الأولى هي الأجمل.
عدنا إلى البائع
وقررنا شراءها، فسألته: هل تسمح لجميع العملاء بالخروج بقطع الذهب بهذه الطريقة؟ فقال:
لا، وإنما أفعل ذلك مع نسبة محدودة جداً من العملاء الذين أثق بهم، وأنت واحد منهم،
حينها أدركت أن الرجل لم يبع قطعة ذهب فقط، بل باع شعوراً بالثقة والتقدير
والاحترام.
ومن هنا قلت
للحاضرين: إذا أردتم أن تقنعوا الناس بأفكاركم، فتعاملوا مع أفكاركم كما يتعامل
هذا البائع مع الذهب، أعطوها العناية والاهتمام، وقدموها بطريقة راقية تجعل
الآخرين يرون قيمتها.
قيمة الإقناع بعيداً عن الإكراه
بعد ذلك انتقلت
إلى القصة الثانية؛ حيث كنت أتسوق في جمعية سلوى، فإذا بإحدى المروجات تقترب مني
فجأة، وتأخذ عبوة من مسحوق الغسيل وتضعها في عربة التسوق الخاصة بي، ثم تقول: هذا
أفضل مسحوق للتنظيف، شكرتها وقلت لها: نحن لا نستعمل هذا النوع في المنزل، فأخذت
العبوة وأعادتها إلى الرف، لكنها عادت مرة أخرى، وأخذت العبوة ووضعتها في العربة،
وبدأت تذكر مزاياه، أعدتها مرة أخرى إلى الرف، لكنها كررت المحاولة للمرة الثالثة.
عندها قلت لها:
إذا كنت تريدين إقناعي بهذا المنتج، فالأفضل أن تتحدثي مع زوجتي؛ لأنها صاحبة
القرار في شراء هذه المنتجات المنزلية، فرفضت الفكرة، وقالت: إن العملاء هم الذين
يأتون لشراء المنتج، وليس من مهمة الشركة الاتصال بهم، فقلت لها: ما زلت بحاجة إلى
تعلم الدرس الأول في التسويق، لقد كانت المشكلة أنها حاولت فرض المنتج بالقوة، لا
بالإقناع.
ومن هنا أوضحت
للحاضرين أن الإنسان لا يستطيع أن يبيع فكرة أو خدمة أو منتجاً بالإجبار، فالإقناع
الحقيقي يقوم على فهم احتياجات الناس، واحترام اختياراتهم، وتقديم المعلومة
المناسبة لهم في الوقت المناسب.
قيمة التخطيط للمستقبل
أما القصة
الثالثة فكانت في مكة المكرمة، أثناء عودتي بعد أداء العمرة؛ حيث ذهبت إلى موظف
الاستقبال في الفندق لأطلب سيارة تنقلني إلى المطار، فأعطاني رقم السائق، ثم قال
لي: إذا لم تجدني غداً فاتصل بهذا الرقم مباشرة.
سألته: ولماذا
لا أجدك؟ فقال: ربما أموت هذه الليلة، استغربت من كلامه، وسألته عن عمره، فقال:
عمري 56 سنة، فقلت له: ما زلت في سنٍّ تسمح لك بالتخطيط والعمل والعطاء سنوات
طويلة بإذن الله، ثم حدثته عن أهمية التخطيط للمستقبل، وعدم الاستسلام للتشاؤم أو
التفكير الدائم في النهاية، وقلت له: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطط
للمستقبل البعيد، ويأخذ بالأسباب، ويبني للأيام القادمة، وكان يعلم أصحابه أن
يعيشوا بروح الأمل والعمل، لا بروح اليأس والجمود.
إن الإنسان
الناجح لا يعيش أسيراً للحظة الحاضرة فقط، بل ينظر إلى المستقبل، ويضع أهدافاً
واضحة، ويسعى لتحقيقها بخطوات عملية مدروسة.
قيمة التأثير الإيجابي
إن القاسم
المشترك بين هذه القصص الثلاث القدرة على التأثير؛ فبائع الذهب نجح لأنه أحسن عرض
فكرته، والمروجة فشلت لأنها حاولت فرض فكرتها، وموظف الفندق احتاج إلى من يوقظ فيه
روح الأمل والتخطيط للمستقبل.
ومن هنا ندرك أن
النجاح لا يعتمد على امتلاك الأفكار فقط، بل يعتمد كذلك على طريقة عرضها، وأسلوب
تقديمها، والقدرة على ربطها باحتياجات الناس ومشاعرهم.
في هذا المقال،
تأملنا 3 قصص واقعية وقعت في أماكن مختلفة وأزمنة متباينة، لكنها اجتمعت حول معنى
واحد؛ هو فن التأثير والإقناع، تعلمنا أن العناية بالفكرة تزيد من قيمتها، وأن
الإقناع لا يتحقق بالإجبار، وأن التخطيط للمستقبل علامة من علامات النجاح، كما تعلمنا
أن الإنسان المؤثر هو الذي يحسن مخاطبة العقول والقلوب معاً، فيجعل من أفكاره
جسوراً للتواصل والبناء والتغيير الإيجابي؛ ولهذا، فإن طريق القمة يبدأ من تطوير
مهارات التأثير والإقناع والتخطيط، ثم تحويلها إلى سلوك عملي ينعكس على حياة
الإنسان وعلاقاته ومجتمعه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً