يوميات متقاعد (48)

بين الوفاء الأسري وفنون التعامل مع الناس

بين الوفاء الأسري وفنون التعامل مع الناس

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.

نبدأ بهذا الموقف الذي حدث يوم الأحد 15 يونيو 2025م، فهناك ديوانية يدعوني إليها صاحبها مرة كل شهر، وهو شخص عزيز عليَّ جداً، وله أفضال كثيرة لا يمكن أن أنساها، ولذلك لا أستطيع أن أرفض له طلباً أبداً، وإذا دعاني إلى حضور هذه الديوانية، فإنني أحرص على تلبية الدعوة بكل تقدير ومحبة.

وقد اعتدت أن أذهب مبكراً جداً، حتى أصبحت معروفاً بين الحضور بأنني أول من يصل دائماً، ولهذا كنت أحرص على أداء صلاة العشاء في أقرب مسجد من مكان الديوانية، ثم أتجه مباشرة إليها بعد الصلاة.

وفي هذا اليوم وصلت إلى الديوانية، لكنني فوجئت بأنني الشخص الثاني في الحضور، فقد سبقني شخص آخر بدقائق قليلة، وما إن رآني صاحب الديوانية حتى قال لي مبتسماً: أين الذي وعدني أن يكون أول الحاضرين دائماً؟ اليوم لست الأول.

قيمة الالتزام بالمواعيد

ضحكت وقلت له: لقد جئت مباشرة بعد صلاة العشاء، لكن يبدو أن الشخص الذي سبقني صلى في مسجد آخر أو صلى في منزله ثم حضر مبكراً، ثم قلت له: اسأله حتى تتأكد أنني ما زلت حريصاً على الوصول المبكر.

والحقيقة أن هذا الموقف البسيط جعلني أدرك كيف يعتاد الناس على سلوكيات الإنسان الإيجابية، حتى تصبح جزءاً من صورته في أذهانهم، فالالتزام بالمواعيد، والحرص على الحضور المبكر، والوفاء بالوعود، كلها أمور تجعل الإنسان محل تقدير واحترام.

كما أن الوصول المبكر يمنح صاحبه شعوراً بالراحة والسكينة، ويجعله أكثر قدرة على استقبال الناس والتفاعل معهم بهدوء وثقة.

فهم طبيعة المرأة

وفي 16 يونيو 2025م، حدثني أحد الأصدقاء المقربين عن موقف طريف مع زوجته، وقال لي: أريد أن أفهم كيف يتعامل الرجل مع النساء.

فسألته: ماذا حدث؟ فقال: اتفقت مع زوجتي أن نذهب إلى الجمعية التعاونية للتسوق، وأثناء الطريق، وقبل الوصول بدقائق قليلة، غيّرت رأيها فجأة وقالت: لا، دعنا نذهب إلى الخياط بدلاً من ذلك، فقال لها: لكننا اتفقنا على الذهاب إلى الجمعية، فقالت له: غيّرت رأيي، أريد أن نذهب إلى الخياط.

ثم أكمل حديثه قائلاً: وافقت على طلبها، وتحركت بالسيارة نحو الخياط، وقبل أن نصل بدقائق أيضاً، قالت: لا، دعنا نزور أهلي أولاً، فقد اشتقت إليهم منذ فترة طويلة.

المرونة داخل الأسرة

فقال لي متعجباً: لماذا يتغير رأيهن بهذه السرعة؟ ولماذا يصعب الالتزام بخطة واحدة؟ فقلت له: الحقيقة أن هذا ليس عيباً كما يظن بعض الرجال، بل هو جزء من طبيعة المرأة التي خلقها الله عليها، فالمرأة بطبيعتها أكثر عاطفة، وأكثر تأثراً بالمشاعر والمواقف اللحظية، وهذه المرونة العاطفية جزء من جمالها، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم النساء بأوصاف تدل على الرقة واللطف، فقال عنهن: «القوارير»: «ارفُقْ يا أنجَشَةُ ويحكَ بالقواريرِ»، كما قال: «إنما النساءُ شقائِقُ الرِّجال».

ثم قلت له: داخل البيت، لا ينبغي لك أن تتعامل بعقلية الأوامر العسكرية والخطط الجامدة، بل لا بد من مساحة من المرونة والتفهم، فإذا تغيرت بعض التفاصيل اليومية البسيطة، فلا تجعل الأمر يتحول إلى مشكلة أو نزاع.

أما في بيئة العمل، فالأمر مختلف، لأن المؤسسات تقوم على التخطيط والانضباط وتحقيق الأهداف، لكن الحياة الأسرية تقوم على الرحمة والمودة والتفاهم.

الحكمة في التعامل الزوجي

وقلت له أيضاً: إذا تعلم الرجل كيف يتكيف مع هذه الطبيعة، فإنه سيعيش حياة أكثر هدوءاً واستقراراً، أما إذا أراد أن يجعل كل شيء يسير وفق خطته وحده، فإنه سيتعب نفسه ويتعب من حوله، ثم ذكّرته بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «اسْتَوْصُوا بالنِّساءِ؛ فإنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِن ضِلَعٍ، وإنَّ أعْوَجَ شَيءٍ في الضِّلَعِ أعْلاهُ، فإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أعْوَجَ، فاسْتَوْصُوا بالنِّساءِ»؛ والمقصود من الحديث ليس الانتقاص من المرأة، بل دعوة الرجل إلى الحكمة والصبر وفهم طبيعتها النفسية والعاطفية.

اللقاءات الاجتماعية وتجديد العلاقات

وفي اليوم نفسه (16 يونيو 2025م)، دعيت إلى حضور حفل زفاف لإحدى العائلات الكريمة في الكويت، وكان الحفل في منطقة العقيلة، وحين دخلت قاعة الحفل، فوجئت بوجود عدد كبير من الزملاء والأصدقاء الذين لم أرهم منذ سنوات طويلة، فتبادلنا السلام والعناق، وجلسنا نستعيد ذكريات الماضي، ونتحدث عن أيام الدراسة والعمل والمواقف القديمة الجميلة.

إن المناسبات الاجتماعية تحمل قيمة كبيرة في حياة الإنسان، لأنها تعيد وصل العلاقات، وتجدد المودة، وتمنح الإنسان فرصة لرؤية أشخاص غابوا عنه طويلاً.

الدنيا صغيرة

وخلال العشاء جلست بجوار رجل مصري اسمه علاء، وهو من محافظة المنيا، فقلت له: إنني أعرف شيخاً مصرياً يصلي معنا في المسجد اسمه الشيخ قدري، وسألته إن كان يعرفه، فما إن سمع الاسم حتى قال بحماس شديد: هذا من أعز الناس عندي، وقد درست على يديه، وله فضل كبير عليَّ، ثم بدأ يثني عليه، ويذكر علمه وأخلاقه، وقال: إنه من أهل القرآن والقراءات، ويحفظ القرآن بطرق متعددة.

فقلت في نفسي: سبحان الله! الدنيا صغيرة فعلاً، مسافة لا تتجاوز نصف ساعة بالسيارة جمعت بين أناس تربطهم معرفة ومحبة قديمة، من غير ترتيب مسبق.

وحين عدت إلى المسجد بعد أيام، أخبرت الشيخ قدري بما قاله عنه هذا الرجل، فسرّ كثيراً، وأثنى عليه هو الآخر.

أهمية تلبية الدعوات

إن حضور الأفراح والمناسبات الاجتماعية ليس مجرد واجب اجتماعي فقط، بل هو فرصة للتعارف، وتقوية العلاقات، وتجديد الذكريات، ورؤية من غابت عنهم العين سنوات طويلة، فالإنسان حين يشارك الناس أفراحهم يشعر بقيمة الترابط الإنساني، ويكتشف أن كثيراً من العلاقات الجميلة تحتاج فقط إلى لقاء بسيط حتى تعود كما كانت.

أسرار النجاح في المقابلات الشخصية

وفي يوم الثلاثاء 17 يونيو 2025م، جلس معي شخص عزيز عليَّ يشغل منصباً رفيعاً في القطاع النفطي، وأخبرني أنه مقبل على مقابلة مهمة لاختيار شخصية لمنصب نائب رئيس في إحدى الإدارات العليا.

وقال لي: ماذا تنصحني أن أقول في المقابلة؟ فقلت له: أي لجنة مقابلات تركز عادة على أمرين أساسيين؛ الأول: طريقة الحوار والتواصل، فهم يريدون أن يروا كيف تتحدث، وكيف تعرض أفكارك، وكيف تستمع، وكيف تدير النقاش بهدوء وثقة، أما الثاني: فهو قدرتك على احتواء الأزمات والمواقف المحرجة، فهم لا يراقبون معلوماتك فقط، بل يراقبون ردود فعلك أيضاً.

الهدوء تحت الضغط

وقلت له: قد يتعمد بعض أعضاء اللجنة استفزازك أو مقاطعتك أو الضغط عليك نفسياً، لا لأنهم يكرهونك، بل لأنهم يريدون اختبار قدرتك على التحكم في نفسك، فإذا غضبت بسرعة، أو فقدت هدوءك، أو تعاملت بعصبية، فإن ذلك يترك انطباعاً سلبياً مهما كانت خبرتك قوية، أما إذا ابتسمت، وتحكمت في أعصابك، وفكرت قبل الإجابة، فإنك تعطيهم صورة القائد القادر على إدارة الأزمات.

وبعد أسبوعين تقريباً اتصل بي ذلك الصديق، وقال لي بفرح: بارك لي، لقد تم اختياري للمنصب الجديد، وقد استفدت كثيراً من النصائح التي قلتها لي، وهذا يؤكد أن النجاح في المقابلات لا يعتمد فقط على الشهادات والخبرات، بل يعتمد كذلك على الذكاء الاجتماعي، والهدوء، وحسن التصرف، والقدرة على التعامل مع الضغوط بثقة واتزان.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة