يوميات متقاعد (55)

مفاتيح القوة في التفاوض الناجح

مفاتيح القوة في التفاوض الناجح

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.

الموافقة المجانية وأثرها في القرار

من الأساليب المؤثرة في عالم التفاوض أن تمنح الطرف الآخر فرصة تجربة الصفقة أو المنتج دون أن تطلب منه مقابلاً مادياً في البداية، هذه الطريقة تزيد من احتمالية قبول العرض؛ لأنها تزيل جانباً كبيراً من التردد والخوف لدى الطرف الآخر.

أذكر أنني في 14 أغسطس 2003م، كنت أبحث عن عاملة منزلية تساعد الأسرة في بعض الأعمال المنزلية، فتوجهت إلى أحد مكاتب استقدام العمالة المنزلية، وعرض عليَّ المسؤول عاملة كانت قد عادت من إحدى الأسر السابقة.

قال لي الموظف: خذها إلى منزلك وجربها لمدة يومين، وإذا لم تناسبكم فأعدها إلينا دون أي التزام، كان ذلك يوم الخميس، وطلب مني أن أجربها يومي الجمعة والسبت، ثم أعود إليه يوم الأحد لاتخاذ القرار النهائي.

وافقت على هذا العرض، وأخذت العاملة إلى المنزل، وخلال اليومين تعود أفراد الأسرة على وجودها، وبدؤوا يشعرون بالارتياح لفكرة الاستعانة بها، وعندما جاء موعد اتخاذ القرار، وجد الجميع أن قبولها أصبح أمراً طبيعياً، بل إن بعض أفراد الأسرة كانوا مستعدين للموافقة عليها حتى لو كانت لديها بعض الملاحظات البسيطة، وعندما عدت إلى المكتب يوم الأحد، وافقت على إتمام العقد ودفع الرسوم المطلوبة.

في هذه الحالة حقق المكتب نجاحاً تفاوضياً واضحاً؛ لأنه استخدم أسلوب التجربة المجانية، فلو اكتفى بعرض العاملة داخل المكتب وطلب منا اتخاذ القرار مباشرة، ربما كنا سنرفض أو نتردد، أما عندما أتاح لنا فرصة التجربة الفعلية، فقد أصبح اتخاذ القرار أسهل بكثير.

إن هذه الطريقة من أكثر الأساليب نجاحاً في التسويق والتفاوض؛ لأنها تجعل العميل يعيش التجربة بنفسه قبل أن يدفع أي مقابل.

أهمية إشعار الطرف الآخر بوجود تفاوض حقيقي

في موقف آخر، في 2 مايو 2006م، كنت أقود إحدى سيارات الأسرة متوجهاً إلى إحدى وكالات السيارات بهدف شراء سيارة جديدة مع الاحتفاظ بالسيارة الحالية، وعندما اقتربت من الوكالة، استوقفني أحد الأشخاص الذين يعملون في شراء السيارات المستعملة، سألني مباشرة إن كنت أرغب في بيع سيارتي، أجبته بأن الأمر ممكن، فسألني عن السعر الذي أريده، فقلت له على سبيل التجربة: إنني أرغب في بيعها مقابل 3000 دينار.

وما إن أنهيت كلامي حتى أدخل يده في جيبه وأخرج المبلغ كاملاً وقال: تفضل، وقّع الأوراق وسلمنا السيارة؛ تفاجأت من سرعة الموقف، ورفضت البيع رغم أن السعر كان مناسباً، استغرب الرجل وسألني عن السبب، فقلت له: إن ما حدث لا يشبه التفاوض الحقيقي، فأنت لم تفحص السيارة، ولم تعاين حالتها، ولم تسأل عن تاريخها أو عن أي ملاحظات فنية فيها، بل وافقت فوراً على السعر الذي ذكرته!

وأوضحت له أنني لو رأيته يفحص السيارة ثم يلاحظ بعض الخدوش أو العيوب البسيطة، ويطلب تخفيض السعر بمقدار 50 ديناراً مثلاً، لكنت وافقت على ذلك بكل ارتياح، لأنني سأشعر أن هناك عملية تفاوض حقيقية جرت بيننا.

إن كثيراً من الناس يحتاجون إلى الشعور بأن الاتفاق جاء نتيجة حوار وأخذ وعطاء، لا نتيجة موافقة فورية وسريعة، ولذلك فإن التفاوض الناجح يحتاج إلى قدر من التدرج والتأني، حتى يشعر كل طرف بأنه شارك في الوصول إلى النتيجة النهائية.

فن عرض السعر بطريقة مؤثرة

من العوامل المهمة في نجاح التفاوض طريقة عرض المنتج أو الخدمة أو الفكرة على الطرف الآخر، فلو عرضت سيارة بسعر 10 آلاف دينار، فإن المتلقي سيركز ذهنياً على رقم 10 آلاف، أما إذا عرضتها بسعر 9999 ديناراً، فإن كثيراً من الناس سيركزون على الرقم الأول ويشعرون أن السعر ما زال ضمن فئة 9 آلاف، ورغم أن الفرق بين السعرين لا يتجاوز ديناراً واحداً، فإن التأثير النفسي مختلف تماماً، وقد استخدمت الشركات والمؤسسات التجارية هذا الأسلوب منذ سنوات طويلة؛ لأنه يحقق نتائج إيجابية في المبيعات.

وأذكر أنني عندما اشتريت إحدى السيارات بهذا الأسلوب، وعدت إلى المنزل، سألني أفراد الأسرة عن سعرها، فكان الجواب الطبيعي في ذهني أنها كلفتني 9 آلاف دينار تقريباً، رغم أن السعر الحقيقي كان قريباً جداً من 10 آلاف دينار.

إن طريقة عرض السعر قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من قيمة السعر نفسه.

كيف تعرض فكرتك بالطريقة المناسبة؟

في إحدى المرات، أطلقنا منصة إلكترونية شرعية تعتمد على التقنيات الحديثة، وكنا نبحث عن جهة حكومية تتبنى رعايتها ودعمها، تقدمنا بطلب رسمي، لكن المشروع لم يحظ بالموافقة، فطلبت مقابلة المسؤول المعني بالأمر، واسمه الأستاذ ناصر، سألته عن أسباب الرفض، خصوصاً أن المشروع يحمل فوائد كثيرة للشباب والأسر والمجتمع بصورة عامة.

فأخبرني بأن الفكرة جيدة، لكن طريقة عرضها لم تكن مناسبة، وأوضح أن الخطأ الأول تمثل في إدراج مكافآت العاملين ضمن طلب التمويل نفسه، بينما كان ينبغي فصل هذه المكافآت عن المشروع الأساسي.

أما الخطأ الثاني، فكان دمج المنصة مع مشروعات أخرى داخل الملف نفسه، في حين أن المشروع كان يحتاج إلى ملف مستقل يبرز أهميته وقيمته، أما الخطأ الثالث فكان عدم تقديم المشروع بطريقة تتوافق مع اللوائح والإجراءات المعتمدة لدى الجهة الممولة.

ثم أخبرني أن الجهة التي حصلت على الموافقة قدمت مشروعاً مشابهاً، لكنها فصلت الجوانب المالية الداخلية، وقدمت المشروع بصورة مستقلة، وصاغته وفق المتطلبات الرسمية للجهة الراعية.

وقد تعلمت من هذه التجربة أن نجاح الفكرة لا يكفي وحده، بل يجب تقديمها بالطريقة التي تناسب الطرف الآخر وتنسجم مع احتياجاته ولوائحه وأسلوب عمله.

قوة وجود الخبير في المفاوضات

من عناصر القوة المهمة في أي عملية تفاوضية الاستعانة بخبير متخصص، فقد كان لدينا منتج تدريبي متميز تقدمه إحدى الشركات العاملة في مجال الاستثمار البشري، وعندما كنا نتوجه إلى القطاع النفطي لعرض هذا المنتج، كانت الشركة تحرص دائماً على اصطحابي معهم، وكانوا يقدمونني للمسؤولين بوصفي خبيراً عمل في هذا المجال لأكثر من 20 عاماً، وقدم عشرات البرامج والدورات المتخصصة.

وفي كثير من الأحيان، كان وجود الخبير عاملاً مؤثراً في اتخاذ القرار؛ لأن الطرف الآخر يشعر بدرجة أكبر من الثقة والاطمئنان.

ولا يقتصر الأمر على المجال التدريبي فقط، بل يمكن تطبيقه في مختلف المجالات، فإذا كنت تدخل في مفاوضات اقتصادية، فمن المفيد أن يصاحبك خبير اقتصادي، وإذا كانت المفاوضات تتعلق بالجوانب الاجتماعية أو النفسية أو القانونية، فإن وجود متخصص في المجال يمنح موقفك مزيداً من القوة والمصداقية.

ولا يعد ذلك نوعاً من الخداع أو المبالغة، ما دام الخبير يمتلك فعلاً المؤهلات والخبرات التي يتم تقديمه بها.

توضح هذه المواقف أن النجاح في التفاوض لا يعتمد على قوة الموقف وحدها، بل يعتمد أيضاً على فهم النفس البشرية وأساليب التأثير والإقناع، فقد رأينا كيف تؤدي التجربة المجانية إلى زيادة فرص قبول الصفقة، وكيف يحتاج كثير من الناس إلى الشعور بوجود حوار تفاوضي حقيقي قبل اتخاذ القرار، كما تبين أن طريقة عرض الأسعار والأفكار تؤثر أحياناً في النتائج أكثر من مضمونها ذاته، وأن تقديم المشروع بالصورة المناسبة قد يكون مفتاح النجاح أو سبب الإخفاق.

وأخيراً، فإن الاستعانة بالخبراء وأصحاب الاختصاص تضيف قدراً كبيراً من الثقة والمصداقية إلى أي عملية تفاوضية، ومن ثم فإن المفاوض الناجح هو الذي يعرف كيف يعرض فكرته، وكيف يبني الثقة، وكيف يوظف الأدوات المناسبة للوصول إلى اتفاق يحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة