يوميات متقاعد (53)
التفاوض الناجح.. بين الثبات على المبادئ وتحقيق المكاسب
في هذه السلسلة
من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.
في أثناء وجودنا
في الولايات المتحدة الأمريكية بمدينة دنفر في ولاية كولورادو، في 19 يونيو 1999م،
كنا على وشك توقيع عقد مع شركة أمريكية متخصصة في التدريب لتقديم برنامج في علم
الإدارة يعرف باسم «المدير المحصن»، وأثناء مراجعة بنود الاتفاقية بدقة، وجدنا أن
أحد البنود يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، إذ كان ينص على فرض غرامة مالية
تُحتسب بنسبة مئوية عند وقوع بعض المخالفات التعاقدية، وهو ما لا يتوافق مع
الضوابط الشرعية التي نلتزم بها.
لذلك طلبنا من
المسؤول عن الشركة، وكان اسمه السيد هال، حذف هذا البند قبل التوقيع على الاتفاقية،
أوضحنا له أن التزامنا الديني لا يسمح لنا بالموافقة على مثل هذا الشرط، وأن
استمرار الاتفاق يتطلب إزالة هذا النص، وبعد أن استمع إلينا قال: إذا ألغيت هذا
البند، فماذا ستقدمون لي بالمقابل؟
كان السؤال
منطقياً، فالتفاوض الناجح يقوم على الأخذ والعطاء، وليس على مطالبة طرف بالتنازل
دون أن يحصل على مقابل مناسب، لذلك أجبناه بأن الشركة كانت قد طلبت منا التركيز في
تسويق البرنامج على القطاع النفطي فقط، فتعهدنا له بأن نوسع نطاق التسويق ليشمل
القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع المصرفي، إضافة إلى القطاع النفطي.
وافق السيد هال
مباشرة على هذا المقترح، وحذف البند المخالف للشريعة الإسلامية من الاتفاقية، بل
أضاف نصاً جديداً يؤكد أن التسويق سيشمل القطاعات الأربعة جميعها داخل الكويت، وهكذا
تحقق للطرفين ما يريدان؛ فقد حافظنا على التزامنا الشرعي، بينما حصلت الشركة على
فرصة أوسع لتسويق برنامجها.
التنازل الواعي وسيلة لتحقيق المصالح
ومن المواقف
المشابهة ما حدث مع إحدى الطالبات في الجامعة، فقد تزوجت في سنتها الدراسية
الثالثة، لكن الزواج لم يستمر، فطلبت الطلاق، غير أن زوجها رفض الاستجابة لطلبها،
فلجأت إلى الخلع.
وعندما بدأت
الإجراءات، أعلن الزوج أنه لا يمانع في إنهاء العلاقة الزوجية، لكنه اشترط أن تدفع
له مبلغ 4000 دينار إضافة إلى ما سبق أن قدمه من مهر وهدايا، ورغم أن المبلغ كان
كبيراً، فإن الطالبة وافقت عليه لأنها كانت ترى أن إنهاء العلاقة واستعادة حريتها
في اختيار مستقبلها أهم بالنسبة إليها من الاحتفاظ بذلك المال.
في هذه الحالة،
تنازلت الطالبة عن مبلغ مالي، لكنها حصلت بالمقابل على حقها في إنهاء العلاقة
الزوجية والبدء بحياة جديدة، وهكذا نجد أن التفاوض ليس دائماً صراعاً بين منتصر
ومهزوم، بل قد يكون عملية تبادل للمصالح يخرج منها الطرفان وقد حقق كل منهما جزءاً
مما يريد.
«صلح الحديبية» نموذج للتفاوض الناجح
هذه الفكرة ليست
جديدة، بل نجد لها تطبيقات عظيمة في السيرة النبوية، ففي العام 6هـ خرج النبي صلى
الله عليه وسلم مع نحو 1400 من أصحابه قاصدين مكة لأداء العمرة، ولم يكن الهدف
القتال أو الحرب، ومع ذلك منعتهم قريش من دخول مكة، وبعد سلسلة من الاتصالات
والمباحثات أرسلت قريش سهيل بن عمرو للتفاوض مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأسفرت
المفاوضات عن اتفاق عرف في التاريخ الإسلامي باسم «صلح الحديبية».
وعند كتابة
الاتفاق طلب ممثلو قريش ألا تكتب عبارة «بسم الله الرحمن الرحيم»، وقالوا: لا نعرف
الرحمن، واكتبوا «باسمك اللهم»، فوافق النبي صلى الله عليه وسلم، ثم طلبوا ألا
يكتب في مقدمة الاتفاق «محمد رسول الله»، وقالوا: لو كنا نؤمن بأنك رسول الله لما
منعناك من دخول مكة، فاكتب «محمد بن عبد الله»، فوافق النبي صلى الله عليه وسلم
كذلك.
كما اشترطت قريش
أن يعود المسلمون إلى المدينة في ذلك العام من دون أداء العمرة، على أن يعودوا في
العام التالي لأدائها، فوافق النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الشرط أيضاً.
لكن هذه
التنازلات لم تكن تنازلات مجانية، فقد حصل المسلمون في المقابل على مكاسب إستراتيجية
مهمة، أبرزها إيقاف الحرب بين الطرفين لمدة 10 سنوات؛ ما أتاح للمجتمع أن يعيش
فترة من الأمن والاستقرار، وهيأت الظروف لانتشار الدعوة الإسلامية بصورة أكبر.
لقد نظر بعض
الصحابة إلى تلك الشروط في البداية على أنها قاسية، لكن الأحداث أثبتت لاحقاً أن
صلح الحديبية كان من أعظم الانتصارات السياسية والتفاوضية في التاريخ الإسلامي،
لأنه حقق مصالح كبيرة للمسلمين من خلال رؤية بعيدة المدى.
مفهوم الكسب المتبادل
إن جوهر التفاوض
الناجح يتمثل في تحقيق ما يسمى بالكسب المتبادل، والمقصود بذلك أن يخرج كل طرف من
المفاوضات وهو يشعر بأنه حقق منفعة حقيقية، أما إذا خرج أحد الطرفين رابحاً
بالكامل بينما خرج الآخر خاسراً بالكامل، فإن الاتفاق غالباً لا يكون مستقراً، وقد
ينهار عند أول اختبار.
ولهذا، فإن
المفاوض المحترف لا يبحث فقط عن مصلحته الشخصية، بل يسعى إلى فهم احتياجات الطرف
الآخر أيضاً، وعندما يتمكن من إيجاد مساحة مشتركة تحقق المصالح المتبادلة، تصبح
فرص نجاح الاتفاق واستمراره أكبر بكثير.
صحيح أن هناك
بعض الحالات الخاصة التي يسعى فيها أحد الأطراف إلى تحقيق النصر الكامل وإلحاق
الخسارة بالطرف الآخر، لكنها حالات محدودة ونادرة، ولا يصح أن نبني عليها قواعد
العمل التفاوضي، فالأصل في التفاوض البحث عن حلول تحقق التوازن وتضمن استمرار
العلاقات بين الأطراف المختلفة.
قصة من العمل التطوعي
ومن المواقف
التي تؤكد أهمية الوضوح في التفاوض ما حدث مع اللجنة النسائية التابعة لإحدى
جمعيات النفع العام في الكويت، فقد تواصلت معي اللجنة لإلقاء محاضرة مدتها ساعتان،
وسألتهم منذ البداية ما إذا كانت المحاضرة ستكون بمقابل مالي أم أنها ضمن العمل
التطوعي؟ فأجابوا بأنها محاضرة تطوعية، وعندها اشترطت عليهم شرطاً واضحاً، وهو ألا
يتم تحصيل أي رسوم مالية من المشاركات.
وافقت المسؤولة
عن اللجنة، وكانت السيدة سميرة، على هذا الشرط، لكن عندما وصلت إلى مكان المحاضرة
وسألت الحاضرات عن الأمر، أخبرتني بعضهن بأن اللجنة حصلت من كل مشاركة مبلغ 5
دنانير، عندها توقفت عن بدء المحاضرة، وطلبت استدعاء المسؤولة، وعندما حضرت ذكرتها
بالاتفاق الذي تم بيننا، فأوضحت أن المبلغ لم يكن أجراً للمحاضرة، وإنما لتغطية
تكاليف الأوراق والتسجيل والتجهيزات.
ومع ذلك أكدت
لها أن الاتفاق كان واضحاً بعدم تحصيل أي رسوم من المشاركات، وعندئذ عرضت على
الحاضرات استرداد المبلغ لمن ترغب منهن في ذلك، لكن أياً منهن لم تطلب استرجاع
المال، وبعد أن اتضحت الصورة ورضيت المشاركات بالوضع، استأنفنا البرنامج وألقيت
المحاضرة كما كان مخططاً لها.
متى يكون الانسحاب أداة تفاوضية فعالة؟
من أهم المبادئ
في علم التفاوض مبدأ الانسحاب، وهو من أقوى الأدوات التفاوضية وأكثرها خطورة في
الوقت نفسه، فالانسحاب من المفاوضات أو التهديد به قد يضغط على الطرف الآخر ويدفعه
إلى إعادة النظر في موقفه، لكن استخدام هذا الأسلوب بصورة غير مدروسة قد يؤدي إلى
خسارة العلاقات، وإغلاق أبواب التعاون مستقبلاً، وربما ضياع فرص مهمة كان من
الممكن تحقيقها لو استمرت المفاوضات.
ولهذا لا ينبغي
اللجوء إلى الانسحاب إلا بعد دراسة دقيقة للموقف، وعندما يكون لدى المفاوض قناعة
قوية بأن الطرف الآخر سيعود لاستئناف الحوار بسبب حاجته إلى استمرار التفاوض أو
رغبته في الوصول إلى اتفاق.
تؤكد المواقف
السابقة أن التفاوض ليس معركة يسعى فيها طرف إلى هزيمة الطرف الآخر، بل هو فن يقوم
على تحقيق المصالح المشتركة مع المحافظة على المبادئ والقيم، فقد رأينا كيف أمكن
إزالة بند مخالف للشريعة من خلال تقديم بديل يحقق مصلحة للطرف الآخر، وكيف قبلت
إحدى الطالبات التنازل عن مال مقابل الحصول على حريتها في اختيار مستقبلها.
وكذلك كيف قدم
النبي صلى الله عليه وسلم نموذجاً راقياً في «صلح الحديبية» حين قبل بعض الشروط
لتحقيق مصالح أعظم للأمة، كما أظهرت المواقف العملية أهمية الوضوح والالتزام
بالاتفاقات، وخطورة استخدام الانسحاب التفاوضي دون تقدير لعواقبه، ومن ثم، فإن
التفاوض الناجح هو الذي يحقق الكسب المتبادل، ويحافظ على العلاقات، ويوازن بين
الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل، وهو ما يجعل الاتفاقات أكثر استقراراً
وقدرة على الاستمرار.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً