يوميات متقاعد (52)
التفاوض الناجح وبناء العلاقات المهنية
في هذه السلسلة
من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.
نبدأ بهذا
الموقف الذي يحمل في طياته عدداً من الدروس المهمة في فن التفاوض، والمحافظة على
العلاقات المهنية، وتحقيق المصالح المشتركة.
رحلة علمية إلى الولايات المتحدة
حدث هذا الموقف
عام 1997م، عندما قررت كلية الهندسة في جامعة الكويت إرسال مجموعة من الطلبة
المتفوقين إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفصل الصيفي، كان عدد المشاركين
10 طلاب وطالبات، منهم 6 طلاب و4 طالبات، وكان يرافق الطالبات محارمهن، فأصبح
العدد الإجمالي 14 مشاركاً، بينما كنت أنا المشرف المسؤول، فأصبح مجموع أفراد
الوفد 15 شخصاً.
كانت وجهتنا
مدينة بوزمان في ولاية مونتانا الأمريكية، وكان السفر يتطلب المرور بمرحلتين؛ الأولى
من الكويت إلى مدينة شيكاغو في ولاية إلينوي، ثم الثانية من شيكاغو إلى مدينة
بوزمان.
تمكنا بسهولة من
حجز التذاكر الدولية على الخطوط الجوية الكويتية من الكويت إلى شيكاغو، لكن بقيت
التذاكر الداخلية من شيكاغو إلى بوزمان، وهنا بدأت المشكلة.
أزمة اللحظات الأخيرة
كنا قد اتفقنا
مع إحدى وكالات السفر في الكويت على إنهاء جميع الحجوزات، إلا أن المسؤول عن
الوكالة تأخر في إصدار التذاكر الداخلية، ومع اقتراب موعد السفر بيومين فقط، لم
تكن التذاكر قد صدرت بعد.
ذهبت إليه
مستغرباً وقلت له: كيف نسافر بعد يومين وما زالت التذاكر الداخلية غير محجوزة؟ فأجاب
بأن هناك جهة متعاونة معهم في الولايات المتحدة لم تستكمل إجراءات الحجز حتى ذلك
الوقت، قلت له: هذا ليس ذنبنا، وكان من الواجب عليكم البحث عن بديل منذ وقت مبكر،
ثم أخبرته بأن هذه التجربة قد تكون آخر تعامل بيننا إذا استمر هذا المستوى من
التقصير، وغادرت الوكالة متجهاً إلى وكالة سفر أخرى أملاً في إيجاد حل سريع.
بداية التفاوض
وأثناء وجودي في
الوكالة الثانية، فوجئت بسهولة إنهاء الحجز وإصدار التذاكر المطلوبة، وبينما كنت
أستكمل الإجراءات، تلقيت اتصالاً من مسؤول الوكالة الأولى.
قال لي: أرجوك
لا تحذف اسمنا من قائمة الجهات التي تتعاملون معها مستقبلاً، فقلت له: وما الذي
ستقدمه لنا في المقابل؟ وهنا بدأت عملية تفاوضية حقيقية.
قال لي: أعلم
أنكم ستقضون ليلة في شيكاغو قبل متابعة الرحلة إلى بوزمان، فأجبته: نعم، قال: وعلى
نفقة من ستكون الإقامة؟ قلت: على نفقتنا الخاصة، وقد خصصنا ميزانية تقارب 2400
دولار لهذه الليلة، فقال مباشرة: ما رأيكم أن تتحمل وكالتنا كامل تكلفة الإقامة؟
وجدت أن العرض
مناسب، فسألته عن التفاصيل، أخبرني بأنه سيؤمن 8 غرف فندقية في أحد الفنادق
المناسبة بمدينة شيكاغو، كانت 4 غرف للطالبات ومحارمهن، و3 غرف للطلاب، وغرفة
مستقلة لي بصفتي المشرف على الوفد.
عندها رأيت أن
العرض عادل ومناسب للطرفين، فوافقت على إعادة اسم الوكالة إلى قائمة الجهات
المعتمدة لدينا، وتمت تسوية الموضوع بصورة مرضية للجميع.
درس في التفاوض
من هذه القصة
نتعلم مبدأ مهماً في التفاوض، وهو أنه عندما يطلب منك الطرف الآخر التنازل عن موقف
معين أو إعادة النظر في قرار اتخذته، فمن حقك أن تسأل: ماذا سأحصل في المقابل؟ لا
يوجد حرج في هذا السؤال، بل إنه جزء أساسي من أي عملية تفاوضية ناجحة.
وقد يكون
المقابل مادياً، كما حدث في هذه القصة، وقد يكون معنوياً، أو خدمة مستقبلية، أو
التزاماً معيناً، أو حتى أجراً من الله سبحانه وتعالى إذا كان التنازل في موضع
الإحسان والعفو.
لكن هناك مواقف
لا يكون التنازل فيها مناسباً، خاصة إذا كان سيؤدي إلى ضرر عليك أو على من تمثلهم
أو تتحمل مسؤوليتهم.
مبادئ التفاوض الفعّال
وأؤكد هنا أن
التفاوض الناجح لا يقوم على تنازل من طرف واحد فقط، بل يقوم على تبادل المصالح
بصورة عادلة؛ فعندما تتنازل عن بند أو مطلب أو موقف، فمن الطبيعي أن تبحث عن
المقابل المناسب، أما أن يتنازل طرف باستمرار دون مقابل، فإن ذلك لا يعد تفاوضاً
ناجحاً، وإنما تنازل غير متوازن.
5 أنواع من المديرين
ومن المناسب هنا
أن أشير إلى تصنيف مبسط للمديرين يعتمد على خمس كلمات تبدأ جميعها بحرف التاء:
أولاً: التفويض:
المدير الذي يفوض بعض صلاحياته ويمنح الفرصة للآخرين لتحمل المسؤولية هو المدير
الذي يصنع القادة، فالتفويض وسيلة لبناء الصف القيادي القادم.
ثانياً:
التفاوض: المدير الذي يحافظ على حقوق موظفيه ويدافع عن مصالحهم أمام الإدارة
العليا والجهات الخارجية مدير مفاوض، ويتميز بالقوة والقدرة على تحقيق المكاسب
لفريقه.
ثالثاً:
التنظيم: المدير الذي يستطيع بناء فرق عمل ناجحة، وتوزيع المهام بوضوح، وتحقيق
الانسجام بين أعضاء الفريق، هو المدير المنظم، وهو مدير ناجح في إدارة الموارد
البشرية.
رابعاً:
التحفيز: المدير الذي يلهم موظفيه ويشجعهم على الإنجاز ويمنحهم الطاقة الإيجابية
هو المدير المحفز، الذي يدرك أن الإنجاز الكبير يبدأ من الروح المعنوية العالية.
خامساً:
التخطيط: المدير الذي يحدد الأهداف، ويرسم المسارات، ويضع البدائل، ويتابع التنفيذ
وفق رؤية واضحة، هو المدير المخطط، وهو المدير القادر على تحقيق النتائج المطلوبة.
وهكذا نجد أن
المدير الناجح يجمع بين التفويض، والتفاوض، والتنظيم، والتحفيز، والتخطيط.
قصة أخرى في التفاوض
أنتقل الآن إلى
موقف آخر مع إحدى وكالات السفر؛ حيث كنت معتاداً على السفر مع الأسرة إلى دبي خلال
فصل الشتاء لحضور فعاليات مهرجان دبي للتسوق، وكان أحد مسؤولي وكالة السفر، واسمه
مصطفى، يعرف هذا الأمر جيداً.
وفي أحد الأعوام
بادر بحجز تذكرتين لي دون أن يتواصل معي أو يحصل على موافقتي المسبقة، ظناً منه
أنني سأرغب في السفر كما جرت العادة، لكن الظروف في ذلك العام لم تسمح لي بالسفر.
اتصلت به وقلت
له: لن أتمكن من السفر هذه المرة، فأجابني بأنه أصدر التذاكر بالفعل، قلت له: لكنك
لم تستأذن مني قبل إصدارها، فقال: وماذا أفعل الآن؟ قلت له: عليك إلغاء التذاكر، فأوضح
أن هناك غرامات مالية مترتبة على الإلغاء، وسأل من سيتحملها.
ثم اقترح عليَّ
أن أتحمل قيمة الغرامات، على أن يمنحني في المقابل أول عرض ترويجي مميز يحصل عليه
من أحد الفنادق.
وجدت أن
الاقتراح مناسب، فوافقت عليه؛ وبالفعل، بعد فترة قصيرة حصل على عرض ترويجي من فندق
فاخر في دبي، يشمل ليلتين مع جميع الوجبات، وقام بمنحي هذا العرض كما وعد.
المحافظة على العلاقات
ما نستفيده من
هذه القصة أن المحافظة على العلاقات المهنية أمر بالغ الأهمية، ففي كثير من
الأحيان تكون العلاقة طويلة الأمد أهم من المكسب الآني، وعندما تواجه موقفاً
تفاوضياً مع طرف تتوقع استمرار التعامل معه في المستقبل، فاحرص على أن يخرج
الطرفان راضيين قدر الإمكان.
قد تتنازل عن
أمر معين، لكن لا تنسَ أن تسأل عن المقابل المناسب، وفي الوقت نفسه، حافظ على
الاحترام المتبادل، والثقة، وحسن التواصل.
تضمنت هذه
المواقف عدداً من الدروس المهمة في فن التفاوض وإدارة العلاقات، فقد تعلمنا أن
التفاوض الناجح يقوم على مبدأ الأخذ والعطاء، وأن التنازل لا ينبغي أن يكون من طرف
واحد دون مقابل مناسب، كما تعلمنا أهمية المحافظة على العلاقات المهنية طويلة
الأمد، وأهمية البحث عن حلول تحقق المنفعة المشتركة لجميع الأطراف، وتعرفنا كذلك
على خمسة أدوار أساسية للمدير الناجح، وهي التفويض، والتفاوض، والتنظيم، والتحفيز،
والتخطيط.. وعندما يجمع الإنسان بين هذه المهارات، ويطبقها بحكمة واتزان، فإنه
يصبح أكثر قدرة على تحقيق أهدافه وبناء علاقات ناجحة في حياته العملية والشخصية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً