يوميات متقاعد (54)
دروس تفاوضية من مواقف الحياة اليومية
في هذه السلسلة
من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.
ضغط الوقت عدو المفاوض
أبدأ بهذا
الموقف الذي حدث لي في مدينة مسقط بسلطنة عُمان، في 20 يناير 2005م، كنت في رحلة
مع الأبناء والبنات، وقمنا باستئجار سيارة من إحدى شركات تأجير السيارات، وسأسميها
هنا وكالة «إكس».
استلمنا السيارة
ووقعنا عقد الإيجار الذي كان يتكون من عدة صفحات مكتوبة بخط صغير يصعب قراءته،
وبعد التوقيع نبهني الموظف المسؤول قائلاً: إذا وقع حادث مروري لا قدر الله، فلا
تنس إحضار تقرير من الشرطة.
وقد أضفت اسم
ابني في العقد بوصفه أحد الأشخاص المسموح لهم بقيادة السيارة، وفي أحد الأيام كان
ابني يركن السيارة إلى الخلف في أحد المواقف، فاصطدمت السيارة بعمود ونتج عن ذلك
خدش بسيط جداً، وكان تقديري أن إصلاح هذا الخدش في أي ورشة متخصصة لن يكلف أكثر من
بضعة دنانير.
وعندما حان موعد
العودة إلى الكويت، سلمت السيارة إلى وكالة التأجير، وبدأ الموظفون بفحصها، ثم
لاحظوا الخدش وسألوني عن تقرير الشرطة، قلت لهم: إن الأمر لا يتجاوز خدشاً بسيطاً
يمكن إصلاحه بسهولة وبتكلفة محدودة، لكنهم أصروا على وجود التقرير، ثم قالوا: إن
عليَّ دفع مبلغ 25 ديناراً مقابل إصلاح الضرر.
استغربت من هذا
التقدير! وأوضحت لهم أن الوقت لا يسمح لي بمناقشة الأمر طويلاً لأن موعد إقلاع
الطائرة بعد أقل من ساعة، وهنا وقعت في خطأ تفاوضي مهم، إذ كشفت للطرف الآخر أنني
تحت ضغط الوقت.
وافقت على دفع
المبلغ، ظناً مني أن المسألة انتهت، لكن المفاجأة كانت أنهم أبلغوني بأن السيارة
ستبقى في الورشة لمدة 3 أيام، وأن عليَّ دفع 12 ديناراً عن كل يوم باعتبار أن
الشركة لن تتمكن من تأجير السيارة خلال تلك الفترة، وهكذا أضافوا 36 ديناراً أخرى
إلى المبلغ المطلوب.
طلبت مقابلة
المسؤول، فقيل لي: إنه غير موجود، فطلبت عنوان بريده الإلكتروني، ثم دفعت المبلغ
وسافرت.
وبعد عودتي إلى
الكويت مباشرة، كتبت رسالة شديدة اللهجة إلى المسؤول أوضحت فيها أن ما حدث يمثل
استغلالاً غير مقبول للعميل، وأن العملية التفاوضية جرت في ظروف غير عادلة.
ولم تمض فترة
طويلة حتى تلقيت رداً منه يعتذر فيه اعتذاراً صريحاً، وأكد أنه لو كان موجوداً لما
تم تحصيل تلك المبالغ بهذه الصورة، كما أوضح أنهم سيراعون تلك المبالغ في أي تعامل
مستقبلي، بحيث أحصل على خصم يعادل ما دفعته زيادة.
هذه التجربة
علمتني درساً مهماً، وهو أن ضغط الوقت يضعف موقف المفاوض، فعندما يعلم الطرف الآخر
أنك مضطر إلى إنهاء الأمر بسرعة، فإنه يكتسب أفضلية كبيرة في التفاوض.
ولهذا، فإن من
أهم قواعد التفاوض ألا ترسل للطرف الآخر أي إشارة تدل على أنك واقع تحت ضغط الوقت؛
لأن ذلك قد يجعلك الطرف الأضعف في العملية التفاوضية.
قوة التفاوض من خلال المكانة والعلاقات
الموقف الثاني
يتعلق ببيع سيارة كنت أمتلكها من نوع «غالنت»، ففي 15 أبريل 2003م، وبعد سنوات من
الاستخدام وقطع ما يقارب 190 ألف كيلومتر، قررت بيعها.
وكان لديَّ صديق
عزيز يعمل في قسم تمويل السيارات بأحد البنوك، فاتصلت به وقلت: معك الدكتور موسى، قد
يبدو هذا التفصيل بسيطاً، لكنه يوضح أهمية ما يسمى بشرعية اللقب، فالألقاب المهنية
والاجتماعية تمنح صاحبها قدراً من المصداقية والاحترام إذا استخدمت بصورة طبيعية
وصادقة.
رحب بي صديقي
وحدد موعداً لزيارة البنك يوم الخميس صباحاً، وقبل الذهاب حرصت على استبدال بطارية
السيارة رغم أن البطارية القديمة كانت لا تزال تعمل بصورة جيدة، كما قمت بغسل
السيارة وتنظيفها بشكل كامل.
وعندما وصلت إلى
قسم بيع السيارات في البنك، طلب مني الموظفون تسليم المفاتيح حتى يفحص الفريق
الفني السيارة، وبعد انتهاء الفحص أخبروني أن السيارة صالحة للشراء.
وهنا تجدر
الإشارة إلى معلومة مهمة، فقد كنت قبل ذلك قد استشرت أحد الأصدقاء ذوي الخبرة في
سوق السيارات، وسألته عن القيمة المتوقعة للسيارة، فأخبرني بأنها لن تتجاوز 1000
دينار تقريباً، وبعد الفحص عرض البنك مبلغ 1250 ديناراً مقابل السيارة.
وافقت مباشرة،
وهنا ارتكبتُ خطأ تفاوضياً واضحاً، فالمفاوض الجيد لا يقبل العرض الأول فوراً، حتى
لو كان العرض جيداً، كان بإمكاني أن أسأل عن إمكانية رفع السعر قليلاً، أو أن أفتح
باب النقاش حول قيمة السيارة وحالتها الممتازة، لكنني وافقت مباشرة.
ثم أبلغوني
بوجود قطعة تحتاج إلى استبدال، وأن تكلفة الإصلاح تبلغ 50 ديناراً، واقترحوا خصم
هذا المبلغ من قيمة السيارة، ومرة أخرى وافقت مباشرة من دون أي نقاش، صحيح أنني
كنت رابحاً في النهاية؛ لأن السعر النهائي بلغ 1200 دينار، وهو أعلى من التقدير
الذي حصلت عليه مسبقاً، لكن ذلك لا ينفي أنني لم أستثمر الفرصة التفاوضية بالشكل
الأمثل.
أخطاء تفاوضية شائعة
هذه التجربة
كشفت لي عدداً من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس أثناء التفاوض، أولها: القبول
الفوري بالعرض الأول من دون محاولة تحسينه، وثانيها: تحمل نفقات لا تضيف قيمة
حقيقية إلى الصفقة، فالبطارية الجديدة التي اشتريتها لم تؤثر في سعر البيع، كما أن
غسل السيارة وتنظيفها لم يكن له أثر ملموس في تقييمها، وفي كثير من الأحيان ينفق
الناس أموالاً وجهوداً إضافية قبل التفاوض، بينما لا يكون لذلك أي انعكاس حقيقي
على النتيجة النهائية، أما الخطأ الثالث فهو عدم الاستفادة الكاملة من عناصر القوة
المتاحة للمفاوض.
ففي هذه الحالة
استفدت من عنصرين مهمين، أولهما المكانة المهنية المرتبطة بلقب الدكتور، وثانيهما
العلاقة الإيجابية التي بنيتها مع صديقي على مدى سنوات طويلة.
إن العلاقات
الإنسانية الجيدة تمثل رصيداً مهماً في عالم التفاوض؛ لأنها تسهم في بناء الثقة
وتسهيل التواصل وتحقيق نتائج أفضل للطرفين.
التفاوض مهارة تحتاج إلى وعي
كثير من الناس
يظنون أن التفاوض يقتصر على التجار أو رجال الأعمال، لكن الحقيقة أن الإنسان يمارس
التفاوض بصورة يومية في أسرته وعمله ومعاملاته المختلفة.
فكلما حاول
شخصان الوصول إلى اتفاق يحقق مصالحهما المشتركة، فإنهما يمارسان نوعاً من التفاوض؛
ولهذا، فإن فهم قواعد التفاوض يساعد الإنسان على حماية مصالحه واتخاذ قرارات أكثر
حكمة، كما يساعده على تجنب الوقوع تحت تأثير الضغوط النفسية أو الزمنية التي قد
تدفعه إلى تقديم تنازلات غير ضرورية.
تكشف المواقف
السابقة أن النجاح في التفاوض لا يعتمد فقط على قوة الموقف أو حجم المكاسب
المتوقعة، بل يعتمد أيضاً على حسن إدارة الحوار وفهم العوامل المؤثرة فيه، فقد
تعلمنا من تجربة استئجار السيارة أن ضغط الوقت قد يحول المفاوض إلى طرف ضعيف يسهل
استغلاله، وتعلمنا من تجربة بيع السيارة أن القبول السريع بالعروض الأولى قد يحرم
الإنسان من مكاسب إضافية كان يمكن تحقيقها، كما تبين لنا أن المكانة المهنية
والعلاقات الإنسانية الإيجابية تمثل عناصر قوة مهمة عند استخدامها بصورة صحيحة.
ومن ثم، فإن
المفاوض الناجح هو الذي يحافظ على هدوئه، ويخفي ضغوطه، ويستثمر نقاط قوته، ويمنح
نفسه الوقت الكافي للتفكير قبل اتخاذ أي قرار؛ لأن التفاوض في النهاية ليس مجرد
حديث بين طرفين، بل هو فن يحتاج إلى وعي وخبرة وحسن تقدير للمواقف.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً