أسرار البيان في آيات الحج (4)
مرجع الإشارة في كفارة الصيد وأثره في تقدير الصيام
وقفنا في الحلقة
الماضية من هذه السلسلة البيانية «أسرار البيان في آيات الحج» -التي نتلمس فيها
مواطن الإعجاز ولطائف التوجيه النحوي في آيات الأحكام المتعلقة بالحج- مع قوله جل
شأنه: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ
مِنْكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ
ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعَامُ
مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) (المائدة: 95)، كيف فتح الحرف «أو»
آفاق التيسير والرحمة أمام الحاج إذا قتل الصيد وهو محرم، مرجحاً التخيير بين
البدائل بنص القرآن وسعة الشريعة (وهي: ذبح النظير من النعم، أو تقويم النظير
بدراهم ثم بطعام أو الصيام).
وفي هذه الحلقة
نواصل الرحلة مع الآية ذاتها؛ لنتجاوز حرف التخيير «أو» ونقف عند المفتاح البياني
الذي يضبط آلية الصيام وكيفية تقديره، ألا وهو اسم الإشارة في قوله تعالى: (عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا)، فعلامَ
يعود؟ هل يعود إلى أقرب المذكورات أم أبعدها؟ وكيف بنى علماء الأمة أحكامهم
الفقهية على هذا التوجيه اللغوي البديع؟
عود الإشارة بين القرب والبعد.. وقفة لغوية
يعد اسم الإشارة
في اللسان العربي من أدق الأدوات توجيهاً للمعاني، وحين استقرأ علماء العربية
مراتب الإشارة، انقسموا في مراتبها؛ فمنهم من جعلها مرتبتين (قربى وبعدى)، ومنهم
من جعلها ثلاثاً (قربى، ووسطى، وبعدى)، بيد أن الشاهد البياني يكمن في لفظة
(ذلِكَ) التي تتضمن «لام البعد»، وهو ما جعلها محوراً لتدبر المفسرين والفقهاء في
تحديد المراد بالإشارة في الآية الكريمة؛ حيث انقسمت أنظارهم في عود الإشارة إلى
اتجاهين رئيسين، ترتب على كل منهما أثر فقهي بالغ الأهمية.
الآراء والاتجاهات الفقهية في تفسير الآية
حينما نمعن
النظر في قوله تعالى: (فَجَزَاءٌ
مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا
بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ
صِيَامًا)، نجد أن العلماء والفقهاء قد اختلفوا في تقدير الصيام بناءً على
مرجع اسم الإشارة «ذلك»، وتتلخص آراؤهم في مسارين:
الاتجاه الأول: عودة الإشارة إلى «الطعام» (أقرب مذكور):
يرى جمهور من
معربي القرآن الكريم وأصحاب أحكام القرآن –منهم الإمامان ابن جزي الكلبي، وأبو
حيان في أحد قوليه– أن اسم الإشارة «ذلك» يعود على «طعام المساكين»؛ لكونه أقرب
المذكورات في سياق الآية.
الأثر الفقهي: ينبني
على هذا الرأي أن الصيام يُقدر بناءً على قيمة الطعام؛ فيُقوَّم الصيد أولاً
طعاماً، ثم يصوم الجاني يوماً مكان كل مُدٍّ أو نصف صاع من ذلك الطعام، وهو الوجه
المشهور عند الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء، ونقل الإمام الطحاوي إجماعاً على أن
قاتل الصيد يصوم مكان إطعام كل مسكين يوماً واحداً.
الاتجاه الثاني: عودة الإشارة إلى «الصيد المقتول» (أبعد مذكور):
وفي المقابل،
ذهب فريق آخر من العلماء إلى أن الإشارة بـ«ذلك» إنما تقع على «الصيد المقتول»،
وهو أبعد مذكور في نص الآية؛ مستندين إلى أن الأصل في صيغة «ذلك» المقترنة بلام
البعد أن تتجاوز القريب إلى البعيد.
الأثر الفقهي: ينبني
على هذا الرأي أن عدل الصيام يكون باعتبار ما يشبعه ذلك الصيد المقتول من الناس؛
فإذا كان الصيد يفرز لحماً يشبع عشرة أنفس، صام قاتله عشرة أيام، فجعلوا شبع يوم
في المقابل كجوع يوم في الصيام، وممن قال بهذا الرأي ابن حزم الظاهري وغيره.
مناقشة الآراء والترجيح البياني والفقهي
من الناحية
اللغوية والبيانية؛ فإن المتأمل في النظم القرآني يجد أن القول بعودة اسم الإشارة «ذلك»
إلى أبعد مذكور (وهو الصيد) يتسق تماماً مع المذهب النحوي المطرد؛ فدخول لام البعد
يوجه الذهن نحو المقصد الأول والمبتدأ في الآية وهو الصيد المقتول، وهو ما يجعل
القول بعودته إلى البعيد قوياً وظاهراً من حيث الصناعة اللغوية.
أما من الناحية
الفقهية والتطبيقية: بالرغم من قوة التوجيه اللغوي القائل بعودة الإشارة إلى الصيد
(أبعد مذكور)، فإن طريقة حساب الصيام القائمة على فكرة شبع الناس من الصيد تواجه
إشكالات تطبيقية وعملية حقيقية، وهو ما يرجح مسلك الجمهور في كيفية التقدير، وذلك
بناءً على حجتين عقليتين وفقهيتين ذكرهما الإمام الماوردي:
أولاً: غياب
الحد المنضبط للشبع: إن الشبع أمر نسبي يختلف اختلافاً عظيماً بين البشر باختلاف
طبائعهم وبنيتهم؛ فقد يشبع من الصيد الواحد عشرة من قاطني الحواضر لقلة أكلهم،
بينما لا يشبع منه خمسة من أهل البادية لكثرة أكلهم، والشريعة مبناها على الأحكام
المنضبطة والمقادير الثابتة، فلا يجوز تعليق الجزاء بأمر مضطرب لا حد له.
ثانياً: شمولية
الضمان لأجزاء الصيد: إن الشبع إنما يكون من اللحم المأكول فحسب، بينما الصيد في
حقيقته مضمون كله بجميع أجزائه من جلد وشعر وعظم؛ فلو علقنا الجزاء بالشبع وحده
لخرجت الأجزاء غير المأكولة من الضمان، وهو باطل؛ إذ لا يجوز أن يكون بعض الصيد
مضموناً وبعضه مهدراً.
وهكذا نجد أن
التوسع البياني في مرجع اسم الإشارة «ذَلِكَ» يعكس مرونة النص القرآني ورحابته؛
حيث تضافرت القواعد النحوية والأصول الفقهية لتوليد أحكام تبتغي العدل والتيسير.
فإذا كان الحرف «أو»
في اللقاء الماضي قد منح المحرم خيار الانتقال بين الهدي والإطعام والصيام، فإن
اسم الإشارة «ذلك» في حلقة اليوم قد فتح الآفاق لإدراك حكمة التقويم والعدل، ليبقى
القول الأعدل والأحوط تفعيلاً هو: أن الإشارة وإن جاز عودها لغوياً على الصيد، فإن
حفظ أموال المساكين والفقراء يقتضي تقويم هذا الصيد طعاماً مقدراً، ثم الصيام
بحسابه، تحقيقاً لمقصد الكفارة وجبراً لما فات من حُرمة شعائر الحج.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً