أسرار البيان في آيات الحج (1)
إعجاز "أُحصرتم".. هكذا استوعب النظمُ القرآني نوازلَ الحج المعاصرة
تُعدّ آية
الإحصار عن الحج في قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ
مِنَ الْهَدْيِ) (البقرة: 196) من المواطن البيانية التي تتجلّى فيها سعة التعبير
القرآني، ومرونته في استيعاب أحوال المكلّفين عبر الأزمنة، وقد أثار لفظ الإحصار
خلافاً بين الفقهاء واللغويين، من حيث دلالته: هل يختصّ بالمنع بسبب العدو، أم
يشمل كل مانع يعوق إتمام النسك؟ وهو خلاف له أثر مباشر في تنزيل الأحكام على
الوقائع، قديمًا وحديثًا.
وهنا يبرز
التساؤل: هل «الإحصار» كان مجرد واقعة تاريخية حدثت في «الحديبية» وانتهت، أم هو
قانونٌ شرعي دائم، وبوابة رحمة فُتحت لكل من حبسه العذر عن بلوغ المقصد؟ فهل
الإحصار يقتصر فقط على عدو يمنعك بالسلاح، أم أن البيروقراطية المعاصرة، والأزمات
الطارئة كالحروب والأوبئة، وتعثر النفقة في ظل تقلبات الاقتصاد، كلها تدخل تحت
ظلال هذه الآية؟
في هذه الحلقة
من سلسلة أسرار البيان في آيات الحج، سنبحر في دلالات كلمة «أُحْصِرْتُمْ»، لنكشف
كيف استوعب اللفظ القرآني بإعجازه اللغوي كل أنواع الموانع، وكيف اختلف الفقهاء
واللغويون في تفسيرها، محاولين إنزال تلك المعاني على واقعنا المعاصر، لنعلم
يقينًا أن الشريعة التي شرعت النسك، هي ذاتها التي شرعت مخارج الطوارئ عند العجز،
إعذارًا للعباد وإتمامًا للأجر.
اختلف العلماء
في «الإحصار» الذي يبيح للمحرم التحلل من إحرامه؛ فذهب جماعة إلى أن كل مانع يمنعه
عن الوصول إلى البيت الحرام في إحرامه من عدو أو مرض أو جرح أو ذهاب نفقة أو ضلال
راحلة، يبيح له التحلل، وبه قال ابن مسعود، وهو قول إبراهيم النخعي، والحسن،
ومجاهد، وعطاء، وقتادة، وعروة بن الزبير، وإليه ذهب سفيان الثوري وأهل العراق وابن
حزم الظاهري.
وقد اتخذ ابن
حزم من وحدة الدلالة اللغوية مرتكزاً لرأيه؛ إذ يرى عدم التفريق بين صيغتي حصر وأحصر،
ويرى أنهما بمعنى واحد، وأن كل من مُنع من إتمام حجه أو عمرته بأي سبب -عدو أو مرض
أو غير ذلك- فهو مُحصَر، يقول: «فصح أن الإحصار والحصر بمعنى واحد، وأنهما اسمان
يقعان على كل مانع من عدو، أو مرض، أو غير ذلك أي شيء كان» (المحلى، 7/ 262-263)، واستدل
بأن الآية نزلت في الحديبية، حيث مُنع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قِبَل
العدو، ومع ذلك استُعمل لفظ «الإحصار»، مما يدل على عمومه.
في المقابل،
قيّد فريق آخر الإحصار بمنع العدو فقط، وهو مرويٌّ عن عبدالله بن عباس، وبه قال
محمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، واحتجّوا بأن سبب نزول الآية كان في «صلح
الحديبية»، حيث تحقق المنع من جهة العدو، وأن السياق يؤيده بقوله تعالى: (فَإِذَا أَمِنتُمْ) (البقرة: 196)؛ ما يدل على أن الخوف -لا المرض- هو المقصود ابتداءً.
بين حصر وأحصر.. وقفات لغوية
أما من جهة
اللغة، فقد نقلت المعاجم وأقوال اللغويين تفريقًا مشهورًا بين الصيغتين؛ إذ يرى
الكسائي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، أن أُحصِر تُستعمل في المرض ونحوه، وحُصِر في
الحبس والعدو، غير أن هذا التفريق، وإن كان له وجه في الاستعمال، لا يرقى -كما يرى
بعض المحققين- إلى أن يكون فارقًا حاكمًا في الدلالة الشرعية.
وقد جاء في لسان
العرب: «وأحصره المرض منعه من السفر.. وحصره وأحصره: حبسه» (لسان العرب، مادة
حصر)، وهو ما يدل على تداخل الدلالتين.
وقال أبو هلال
العسكري: قالوا: الإحصار في اللغة منع بغير حبس، والحصر المنع بالحبس، قال
الكسائي: ما كان من المرض قيل فيه: أحصر، وقال أبو عبيدة: ما كان من مرض أو ذهاب
نفقة قيل فيه: أحصر، وما كان من سجن أو حبس قيل فيه: حصر فهو محصور. (الفروق
اللغوية (1/ 24)، أبو هلال العسكري، تحقيق محمد إبراهيم سليم).
ونقل عن المبرد:
وإذا حبس الرجلُ الرجلَ قيل: حبسه، وإذا فعل به فعلاً عرضه به لأن يحبس قيل:
أحبسه، وإذا عرضه للقتل قيل: أقتله، وسقاه إذا أعطاه إناء يشرب منه وأسقاه إذا جعل
له سقياً، وقبره إذا تولى دفنه، وأقبره جعل له قبراً.
فمعنى قوله
تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ): عرض لكم شيء يكون سبباً لفوات الحج. (السابق نفسه).
رؤية توفيقية
ومن هنا، يمكن
التوفيق بين الأقوال بالنظر إلى البعد الصرفي والدلالي؛ فيمكن أن يكون هناك فرق في
المعنى المعجمي للصيغتين على النحو الذي مر منذ قليل، ولكن هذا الفرق لا يؤثر في
الحكم الفقهي؛ ذلك أن صيغة «حصر» بمعناها المعجمي الذي يعني المنع بسبب المرض، إذا
أُلحقت بها الهمزة فصارت «أحصر» تحتفظ بالمعنى نفسه عن طريق التحول الدلالي أو
العدول عن الأصل؛ فيكون المعنى: أحصره؛ أي عرضه للحصر بكل ما يحتمله الحصر من
معان.
ويؤد هذا ما
أشار إليه الكيا الهراسي بقوله: فإذا كان كذلك، فالعدو إذا كان بعيداً منه على
الطريق؛ فهذا هو التعريض للحصر، وهو متعرض به لأن ينحصر، وليس بمحصور في الحال ولا
محبوساً، ولكنه معرض لذلك.
أما المريض فقد
احتبس عليه المضي في الحال، فليس هو معرضاً، بل هو محصور في الحال، وقد حصره المرض.
(أحكام القرآن، 1/90).
ويؤكد هذا أيضاً
ما نقله صاحب «مرعاة المفاتيح» (9/ 428) من أن اللفظ قد يشتهر في نوع من الجنس ثم
يرِدُ استعماله في نوع آخر من ذلك الجنس أو في الجنس بعينه؛ فيجعله الناس مقابلًا؛
كالإحصار فإنه عام للمرض والعدو، إلا أنه اشتهر الإحصار في المرض، والحصر في
العدو، حتى ذهبت أوهام العامة أنهما متقابلان؛ فجعلوا الإحصار مختصًا بالمرض
والحصر بالعدو، وليس كذلك؛ وإنما أخذ القرآن في النظم اللفظ العام لئلا يختص الحكم
بالعدو، ويعم المرض والعدو كليهما، وبذلك يجتمع المعنيان في دائرة واحدة، دون
تعارض حقيقي.
التنزيل المعاصر ومقتضيات التحلل اليوم
إذا انتقلنا من
دائرة الخلاف النظري إلى الواقع المعاصر، اتّضح أن القول بعموم الإحصار أليق
بمقاصد الشريعة، وأقدر على استيعاب النوازل؛ فالحاج اليوم قد يُمنع من إتمام نسكه
لأسباب لم تكن معروفة من قبل، مثل:
- إغلاق الحدود
أو إلغاء الرحلات الجوية.
- الأوبئة
العالمية كما حدث في جائحة كورونا.
- الأعطال
التقنية في أنظمة التصاريح والتنقل.
- الحوادث
المرورية أو فقدان الرفقة.
- القرارات
التنظيمية المفاجئة التي تمنع الدخول إلى المشاعر.
فهذه الصور -وإن
لم تكن عدواً بالمعنى التقليدي المشهور- تحقق معنى المنع الكامل أو الجزئي من
إتمام النسك، وهو جوهر الإحصار.
وعليه، فإن
الأخذ بمذهب من عمّم الإحصار، مع مراعاة الضوابط الشرعية، يحقق رفع الحرج عن
الناس، ويُجسّد قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، كما أنه ينسجم مع روح النص القرآني
الذي عبّر بلفظ مرن شامل، لا بلفظ ضيق مقيد.
ومع ذلك، لا
يُغفل القول الآخر، بل يُستفاد منه في ضبط المفهوم، بحيث لا يُتوسّع في دعوى
الإحصار دون تحقق حقيقي للمنع؛ فليس كل تأخير أو مشقة يُعدّ إحصارًا، بل لا بد من
عجز معتبر عن الوصول أو الإتمام.
في النهاية،
تكشف «آية الإحصار» عن دقة التعبير القرآني في اختيار لفظ يحتمل التوسعة، مع
انضباطه بالسياق؛ فسواء قيل بالترادف التام أم بالتفريق اللغوي مع التقارب
الدلالي، فإن النتيجة الفقهية تميل إلى اعتبار المنع مناط الحكم، لا نوعه.
وهذا من أسرار
البيان؛ إذ جاء اللفظ القرآني جامعاً، يفتح باب الاجتهاد المنضبط، ويتيح تنزيل
الحكم على مستجدات الزمان، دون إخلال بالأصول في صورة تجمع بين أصالة النص، ومرونة
التطبيق.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً