أسرار البيان في آيات الحج (2)
تجليات «مِنْ» التبعيضية في تيسير هدي التمتع
وقفنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة المباركة عند قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)، وكيف استوعب النظم القرآني المعجز بنية الإحصار المعاصرة وعمومها، ونمضي اليوم مستعينين بالله في الكشف عن سر جديد من أسرار البيان القرآني في آيات الحج، متأملين في قوله سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (البقرة: 196).
إن المتأمل في هذه الآية الكريمة -خاصة في دلالة حرف الجر "مِنْ" في قوله "مِنَ الْهَدْيِ"- يلحظ إعجازًا بيانيًا وتشريعيًا فريدًا يفتح آفاق التيسير على ضيوف الرحمن، ويوضح كيف اتسع النظم القرآني لصور الشراكة والتعاون في الهدي –حسب رأي بعض العلماء- وهو ما يمثل ركيزة جوهرية تراعيها مؤسسات الهدي والأضاحي المعاصرة في الحرم المكي الشريف.
أسرار الحرف القرآني ودلالة "مِنْ" في النظم البديع
تتميز اللغة العربية بدقة روابطها وحروفها، إذ تؤدي الحروف معانيَ أكثر من مجرد الوصل أو الربط اللفظي؛ فحين نقف أمام التوجيه البياني لقوله تعالى: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)، نجد أن لعلماء العربية والتفسير توجيهين عظيمين في دلالة حرف الجر "مِنْ"، على النحو التالي:
أولاً: القول بالتبعيض (مِنْ التبعيضية):
يرى فريق من كبار أئمة التفسير واللغة أن "مِنْ" هنا تفيد التبعيض؛ أي: فما استيسر من بعض الهدي. وبناءً على هذا المعنى، فإن النص القرآني يتسع دلالةً للاشتراك والتشريك في الهدي؛ لأن مَن اشترك في بدنة أو بقرة مع غيره، فقد قدم "بعضًا" من الهدي يصدق عليه أنه هديٌ مستيسر.
وممن ذهب إلى أن "من" هنا للتبعيض: الإمام أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (1/339)، والإمام أبو حيان الأندلسي في "البحر المحيط" (2/40)، والعلامة الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (2/220).
ثانياً: القول بأنها لبيان الجنس (مِنْ البيانية):
ويرى فريق آخر من المفسرين أن "مِنْ" هنا لبيان الجنس، والتقدير: فما استيسر من هذا الجنس الذي هو الهدي. وقد حرر هذا الفرق بدقة الإمامان أبو حيان وابن عاشور؛ إذ ذكرا أنه إذا كان "الهدي" في الآية يُراد به الجمع، فإن "مِنْ" تكون تبعيضية بلا ريب؛ أما إذا كان المراد بـ"الهدي" اسم الجنس والألف واللام لتعريف العهد أو الجنس؛ فتكون "مِنْ" لبيان الجنس والنوع.
إن هذا الاختلاف البياني المتسق بين "التبعيض" و"بيان الجنس" يمنح النص مرونة فقهية، تتيح للفقهاء استنباط وجوه التيسير استنادًا إلى ظاهر النظم الإلهي.
الآراء الفقهية في الاشتراك في الهدي
انعكس هذا الاتساع البياني لهذه الآية الكريمة على آراء الفقهاء ومذاهبهم في قضية "الاشتراك في الهدي"، وهي مسألة لصيقة النفع بحجاج بيت الله الحرام قديمًا وحديثًا. وللفقهاء في هذه المسألة أربعة آراء مدونة في أمهات كتب الأثر:
الرأي الأول (رأي الجمهور): وهو ما ذهب إليه الإمام الشافعي وجمهور العلماء، ومفاده جواز الاشتراك في الهدي مطلقًا، سواء كان هذا الهدي هدي تطوع أم هديًا واجبًا (كهدي المتعة والقران)، وسواء كان جميع المشتركين متقربين إلى الله (أي يريدون النسك) أم كان بعضهم يريد القربة وبعضهم يريد اللحم فحسب (ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي: 9/66-67، والمغني لابن قدامة: 7/410).
الرأي الثاني: وهو ما ذهب إليه الإمام داود الظاهري وبعض المالكية؛ إذ جوّزوا الاشتراك في هدي التطوع والنفل دون الهدي الواجب.
الرأي الثالث: وهو ما ذهب إليه الإمام مالك بن أنس، حيث منع الاشتراك في الهدي مطلقًا.
الرأي الرابع: وهو مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، وصورته جواز الاشتراك بشرط أن يكون جميع الشركاء متقربين إلى الله بعبادة وقاصدين النسك؛ فإن أراد أحدهم بنصيبه من الذبيحة اللحم المحض دون التقرب، فسد الاشتراك وامتنع الإجزاء عن الباقين (ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم: 9/67).
بالإضافة إلى الدليل اللغوي السابق في القول بجواز الاشتراك في الهدي استند الأئمة القائلون بجوازه إلى بعض الأحاديث والآثار النبوية الصحيحة التي تترجم سعة الآية الكريمة، وتقوي هذا الرأي، من ذلك:
ما رواه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" [أخرجه مسلم في صحيحه، باب الاشتراك في الهدي: 4/87، وأبو داود في سننه: 3/56].
وفي رواية أخرى عنه رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُهلِّين بالحج، فأمرَنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة" [أخرجه مسلم في صحيحه: 4/87].
وفي لفظ ثالث جامع: "اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة، كل سبعة في بدنة". [أخرجه مسلم: 4/87].
بينما نجد آثاراً أخرى تعضد التيسير والتوسعة وتدفع بالاشتراك إلى حدود العشرة في الإبل، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضر النحر؛ فنحرنا البعير عن عشرة والبقرة عن سبعة". [أخرجه النسائي في سننه، باب ما تجزئ عنه البدنة في الضحايا: 7/222].
وقد وجد بعض المحققين من الفقهاء وأهل الظاهر أن الأحاديث التي حددت السبعة لم تأتِ بصيغة تمنع الزيادة أو الاشتراك الأوسع عند الحاجة، بل جاءت مبينة لأدنى المجزئ أو للواقع الفعلي، مما يؤيد القول بجواز الاشتراك الموسع؛ لكون "مِنْ" في الآية تفيد التبعيض المطلق الذي يصدق بالهدي القليل والكثير، يقول ابن حزم: "والبقر يقع على العشرة وأقل وأكثر؛ فنظرنا في الآية فوجدنا الله -تعالى- أيضا يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ). و(من) للتبعيض؛ فجاز الاشتراك في الهدي بظاهر الآية" (المحلى لابن حزم: 7/197).
مظاهر التيسير في التطبيقات المعاصرة
إذا انطلقنا من هذ الجدل الفقهي إلى روح العصر الحديث متسلحين بتلكم التوجيهات البيانية؛ فكيف نرى أثر إعجاز "التبعيض" و"الاشتراك" يتجلى في زماننا؟
إننا نعيش اليوم في زمن يفد فيه إلى مكة المكرمة ملايين الحجاج في آن واحد، ومكان واحد، وضمن رقعة زمنية ضيقة جدًا (أيام النحر والتشريق). فلو أخذ المسلمون برأي من يمنع الاشتراك مطلقًا، لضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ولكانت هناك معضلات بيئية وصحية واقتصادية هائلة لا تُحتمل في مشعر منى وحول الحرم.
هنا يتجلى "إعجاز التيسير القرآني"؛ فقوله تعالى (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ممهدًا بدلالة "التبعيض" فتح الباب شرعيًا لتأسيس المؤسسات والمنظمات الإسلامية الكبرى لإدارة الهدي والأضاحي (مثل مشروع المملكة العربية السعودية للإفادة من الهدي والأضاحي).
بفضل هذا الفقه القائم على جواز الاشتراك، تتمثل مظاهر التيسير فيما يلي:
1- يستطيع الحاج اليوم شراء "سهم" أو "شِرك" يمثل سبع بدنة أو سبع بقرة أو رأسًا من الغنم، بطريقة رقمية ميسرة وعبر تطبيقات الهواتف الذكية.
2- يحقق الاشتراك أعلى درجات الحفاظ على البيئة والصحة العامة داخل المشاعر المقدسة؛ حيث تُذبح الهدايا في مسالخ مجهزة بأحدث التقنيات، وتُحفظ وتُبرد، ثم تُوزع على مستحقيها من فقراء الحرم وعبر العالم الإسلامي.
3- يرتفع عن كاهل الحاج مشقة البحث، والشراء، والذبح، والتعرض للاستغلال، مما يتيح له التفرغ للذكر والدعاء ومناسك الحج العظام.
وفي النهاية، فإن دلالة حرف واحد في كتاب الله -كحرف "مِنْ" في آية متعة الحج- كفيل بفتح مسارات من التيسير والسعة والرحمة للأمة بأسرها.
ولقد تجلى في هذا النظم البديع إعجاز تنزيهي تشريعي لا يبلى مع الزمن؛ إذ أضاءت دلالة التبعيض للفقهاء دروب التيسير، وجعلت من شريعة الهدي عبادة حية مرنة، تتوافق مع النظم التنظيمية الحديثة، وترسم صورة مشرقة للإسلام في رعاية مصالح الخلق وضمان تيسير مناسكهم بكل يسر وأمان.
فسبحان من أنزل هذا الكتاب تبيانًا لكل شيء، وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً