أسرار البيان في آيات الحج (3)
كفارة الصيد بين الترتيب والتخيير.. السر في «أو»
المتأمل في فقه
الحج وأحكامه من خلال آيات الأحكام يجد كيف تتمازج الحروف بـالـمقاصد، وكيف يتجلّى
الإعجاز اللغوي في صياغة الأحكام الشرعية؛ ليرسم للمكلف أبهى صور الامتثال
واليقين.
ولأن ألفاظ
التنزيل صيغت بميزانٍ ربانيٍّ دقيق يتداخل فيه المبنى مع الـمعنى؛ فقد رأينا في
مطلع هذه السلسلة الـمباركة عبر موضوعنا الأول كيف تجلّى إعجاز
"أُحصرتم".. وكيف استوعب النظمُ القرآني نوازلَ الحج المعاصرة بمرونة
مذهلة، ثم تلا ذلك موضوعنا الثاني الذي تتبعنا فيه تجليات «مِنْ» التبعيضية في
تيسير هدي التمتع وكيف يرفع الحرف الواحد المشقة عن الـمكلفين.
واليوم، نستأنف
رحلتنا مع هذه السلسلة المباركة في محطتنا الثالثة مع آية كفارة الصيد في سورة
المائدة؛ لنستجلي أسراراً جديدة يدير فيها حرفٌ واحد وهو «أو» دفة الخلاف الفقهي
والأصولي بين التخيير والترتيب.
فقد اختلف
الفقهاء في كفارة قاتل الصيد عمداً وهو محرم بين القول بأنها على التخيير والقول
بأنها على الترتيب الذي جاءت عليه في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا
الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ
مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا
بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ
صِيَامًا لَّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) (المائدة: 95).
ومستندُ هذا
التوجيه الاختلافي بين الفقهاء راجع في أصله وأساسه إلى دلالة حرفِ العطف «أو»؛ هل
هو هنا على الترتيب أم التخيير.
وهذا على النحو
التالي:
مذهب جمهور الفقهاء.. التخيير ومطلق السعة
ذهب جمهور
الفقهاء من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة في المعتمد من مذهبهم إلى أن
قاتل الصيد في الإحرام مُخيّرٌ تخييراً مطلقاً في الجزاء بين أمورٍ ثلاثة، بأيِّها
شاء كفَّر وأبرأ ذمته، واستوى في هذا التخيير أن يكون الجاني موسراً (غنياً) أو
معسراً (فقيراً)(1).
وقد فصّل
الجمهور هذه الأمور الثلاثة على النحو الآتي:
1- ذبح النظير
من النعم: والمقصود به إخراج الـمثل من بهيمة الأنعام (الإبل، أو البقر، أو الغنم)
مما يشابه الصيد المقتول في الهيئة، ويُذبح في الحرم هديًا بالغ الكعبة.
2- تقويم النظير
بدراهم ثم بطعام: أن يُقوّم ذلك الـمثل بمثيله من النقد، ثم تُشترى به قيمة طعام
من غالب قوت البلد، ويُطعم مساكين الحرم، بحيث يُعطى لكل مسكين مُدٌّ من الطعام.
3- صيام يومٍ عن
كل مُد: إن عَدل عن الإطعام، فإنه يصوم يوماً واحداً في مقابل كل مُدٍّ كان يجب
عليه إخراجه للمساكين.
وحُجّتُهم
البلاغية واللغوية القاطعة في ذلك هي دلالة حرف «أو» الـمتكرر في الآية الكريمة؛
حيث إنّ مستقر الأحكام النحوية في لسان العرب ومواطن التشريع يقتضي أن «أو» وُضعت
لأصل التخيير والإباحة والـمساواة بين الـمعطوفات، ولا تفيد الترتيب بحالٍ إلا
بقرينةٍ خارجة، والقرينة هنا مفقودة، فبقي النص على ظاهره من التوسعة وسعة رحمة
الله بالعباد.
القول بالترتيب الإلزامي
وفي مقابل مذهب
الجمهور الواسع، هناك قولٌ آخر يقول بوجوب الترتيب الالتزامي؛ فقد رُويت عن الإمام
أحمد بن حنبل رواية ثانية تفيد الترتيب؛ ومعناها أنه يجب على الجاني إخراج الـمثل
أولاً من النعم إن كان واجداً له وموسراً، فإن لم يجد المثل أو عجز عنه انتقل إلى
الإطعام، فإن لم يجد الطعام أو عجز عن قيمته صام(2)، وهذا القول مرويٌّ
مأثورٌ كذلك عن الصحابي الجليل ابن عباس، وعن سفيان الثوري، والحسن البصري(3)،
كما رُوي أيضاً عن التابعين كالشعبي وإبراهيم النخعي(4).
وقد تعقّب
الأئمة مظان هذا القول؛ حيث ذكر الإمام الماوردي الشافعي أن هذا الرأي حكاه أبو
ثور عن الإمام الشافعي في مذهبه القديم، لكن الماوردي عقّب عليه مبيناً عدم ثبوته
استقراراً بقوله: «وليس بمشهور عنه؛ بل نصه في القديم والجديد والإملاء أنها على
التخيير»(5).
أدلة القائلين بالترتيب
لم يقف القائلون
بالترتيب عند ظاهر الحرف اللغوي، بل أعملوا ميزان القياس الأصولي؛ فاحتجّوا بأن
جزاء الصيد هو كفارةُ نفسٍ محظورة الإتلاف، وقاعدتهم أن كفارات النفوس في الشريعة
إنما جاءت مرتبة لا تخيير فيها؛ كفدية قتل الآدمي خطأً، فنزّلوا كفارة الصيد منزلة
كفارة قتل الآدمي بجامع إتلاف النفس الـمحترمة.
الموازنة البيانية بين الرأيين
حين نزن الرأيين
بميزان النقد اللغوي والنصي، يترجح لنا بوضوحٍ ما ذهب إليه جمهور الأمة؛ فالإمام
الشافعي رحمه الله في مدونته الكبرى ذكر الرأيين وناقشهما، ثم اختار بحزمٍ القول
بالتخيير مستنداً إلى ظواهر القرآن وروايات السنة النبوية؛ ومنها أمره صلى الله
عليه وسلم لكعب بن عجرة في فدية الأذى، ثم نقل الشافعي عن الإمام عطاء بن أبي رباح
قوله: «فإن أصاب إنسان نعامة كان عليه إن كان ذا يسار أن يهدى جزورا، أو عدلها
طعاما، أو عدلها صياما، أيتهن شاء من أجل قول الله عز وجل..»، ثم علّق الإمام
الشافعي مقعداً قاعدةً بيانيةً جليلة: «وكل شيء في القرآن «أو.. أو» فليختر منه
صاحبه ما شاء»(6).
وبناءً على هذا
المتكأ اللغوي المتين، ردّ فقهاء الجمهور قياس أصحاب الترتيب؛ إذ لا قياس مع وجود
النص. وفي هذا السياق ردّ ابن مفلح الحنبلي وجهة الترتيب بقوله: «بأنه قياس مع
وجود النص الذي تدل فيه «أو» على التخيير»(7)، كما رده الإمام ابن
قدامة المقدسي بقوله: «إنّ التخيير ظاهر النص فلا تعويل على من خالفه»(8).
وفي نهاية هذه
الحلقة ندرك سحر الحرف «أو» الذي فتحت دلالته باب التخيير؛ وهو ما لا يخلو من
مظاهر التيسير على الحاج.
وفي الحلقة القادمة -بإذن الله- سننتقل من سحر الحروف وعطفها إلى عمق الأسماء وإشاراتها، لنرى كيف أثرت "رتبة اسم الإشارة" في تحديد أيام الصيام لمن اختار كفارة الصيام، وكيف اشتبك النحو مع الفقه في آية كفارة الصيد..
الهوامش
- 1 ينظر: بدائع الصنائع: 2/199، وتبيين الحقائق: 2/64، وفتح القدير: 5/487، والاستذكار: 4/148، والذخيرة: 1/74، والفواكه الدواني: 1/52، والبيان والتحصيل: 4/65، والأم: 2/187، 188، والحاوي: 4/299، وكفاية الأخيار: 228، والمغني: 3/549، والمبدع شرح المقنع: 3/105، والكافي في فقه ابن حنبل: 1/500.
- 2 المغني: 3/549، والمبدع: 3/107، والكافي: 1/500.
- 3 الحاوي: 4/299، والمغني: 3/549.
- 4 اللباب في علوم الكتاب: 7/527.
- 5 الحاوي: 4/299.
- 6 الأم: 2/187.
- 7 المبدع: 3/107.
- 8 الكافي: 1/500.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً