; نظام القضاء في الإسلام (الحلقة الرابعة) | مجلة المجتمع

العنوان نظام القضاء في الإسلام (الحلقة الرابعة)

الكاتب الشيخ أحمد عبد العزيز آل مبارك

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1976

مشاهدات 96

نشر في العدد 328

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 14-ديسمبر-1976

تأجيل الفصل في الدعوى «٣٦»:

للقاضي أن يجتهد في تحديد الأجل الذي يفصل فيه، وذلك بحسب النظر في حالة الخصمين.

وهناك حالات لها آجال محدودة بالنص ولا مجال للاجتهاد فيها، ومن أمثلتها:

1- أجل المعترض العاجز عن الجماع مع سلامة العضو، ومقداره سنة من تاريخ رفع القضية.

۲- أجل المجنون، فإنه يعزل عن زوجته سنة، فإن أفاق خلالها ظلت في عصمته، وإلا طلقت منه.

3- أجل الزوج المفقود، فإنه يؤجل أربعة أعوام من تاريخ انقطاع أخباره بعد البحث عنه، وقيل أكثر من ذلك، ويظهر لي رجحان الأول.

4- أجل المولي عن وطء زوجته، فإنه يؤجل أربعة أشهر من اليوم الذي حلف فيه، ومثله من امتنع عن الوطء بغير عذر ولا علة.

5- أجل المرتد؛ فإنه يؤجل ثلاثة أيام.

وينفذ حكم القضاء بصحة الدعوى أو بطلانها بعد انقضاء الأجل المضروب والإعذار إلى المدعى عليه.

التحكيم «37»:

يجوز أن يحكم خصمان رجلًا ويرتضيانه للحكم بينهما، على أن يكون ذلك في الأموال ونحوها؛ ولكن لا يباشر الحكم فيما يلي:

1- لا يقيم حدًّا.

2- لا يلاعن بين الزوجين.

۳- لا يحكم في قصاص أو قذف.

4- لا يحكم في طلاق، فلا تبقى البائنة بينونة كبرى في عصمة مطلقها نتيجة مصالحة.

5- لا يحكم في عتاق.

6- لا يحكم في نسب.

7- لا يحكم في ولاء.

وسبب استثناء هذه الأمور أنها تستلزم إثبات الحكم أو نفيه من غير المتخاصمين؛ كنسب الولد في اللعان. 

وينذر الحكم إن تجاوز مواطن التحكيم.

الحكم بالقرعة «۳۸»:

وإذا ثبت الحكم لجهة أو تعينت المصلحة لها، فلا تجوز القرعة لما فيها من ضياع الحق بعد ثبوته، أو مصلحة تعينت.

وإنما تجوز القرعة حيث تساوت المصالح والحقوق. ومن المواضع التي تجوز فيها القرعة:

1- أن يتساوى المرشحون للخلافة، أو إمامة الصلاة، أو الأذان.

۲- أن يرغب الزوج في اصطحاب إحدى زوجتيه أو زوجاته في السفر.

3- أن يعثر اثنان على لقيط ويتنازعا في أمره، ولم يتبين السابق منهما.

٤- وكذلك في القسمة للعقارات بعد تعديل السهام.

المسئولية والعقاب «۳۹»:

من المبادئ التي جاءت بها الشريعة الإسلامية المسئولية الفردية؛ أي أن الجاني مسئول وحده عما يرتكب من جرائم، بمعنى أن العقوبة تنزل به وحده دون قرابته، وهذا المبدأ عرف عند المعاصرين من فقهاء القانون الجنائي بمبدأ تخصيص العقوبة.

ومن أدلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ (الأنعام: ١١٤)، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يجني جان إلا على نفسه».

ويستثنى من هذا المبدأ ما أقرته الشريعة من مسئولية القبيلة مجتمعة عن دفع الدية في بعض الحالات، وما أقرته أيضًا من المسئولية عن فعل الغير.

العقوبة في الإسلام «٤٠»:

لما كان القضاء في الإسلام مرتبطًا بالدين، وفي الدين ذكر الآخرة وما أعده الله فيها من ثواب وعقاب للعاصين، اقتضى هذا الترابط أن تكون هناك نصوص تتوعد المجرمين بالعقاب الأخروي إذا استطاع بعضهم أن يفلت في بعض الحالات من العقوبة في الدنيا، من نحو قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا(النساء: ۹۳).

ووردت نصوص من آيات وأحاديث لتغرس في نفوس أفراد المجتمع الوازع النفسي الداخلي، وتربي الضمير الطاهر النقي الذي يحول بين صاحبه وبين ارتكاب المعاصي أو يحاسبه بعد ارتكابها ويوليه أي درجة تحمله على الاعتراف باقتراف الذنب أمام الحاكم رغبة في التطهير بالقصاص ولو كان القتل. ومن الذين اعترفوا وهم يعلمون أن الموت مصيرهم: ماعز والغامدية، وخبرهما مشهور.

وإن شذ عن طريق الفضيلة شواذ ووقعوا تحت طائلة القانون، قدموا للقضاء للفصل والحكم على المتهم بالبراءة أو الإدانة. وإن أدين المتهم، فلكل جريمة عقاب، فإن ثبت بالقرآن والسنة سمي حدًّا، وإن ترك لاجتهاد القاضي سمي تعزيرًا.

التعزير «٤١»

من العقوبات ما هو حد وما هو تعزير، والحد لا يكون إلا في الجرائم التي ورد النص عليها في القرآن أو السنة، مثل: قطع يد السارق، وجلد الزاني غير المحصن، أو رجمه إن كان محصنًا، حسب الشروط التي اشترطت للقطع أو الرجم.

ومن المعاصي والمخالفات ما لم يرد في الأصول حد معين في العقوبة المترتبة عليه، لذا فقد سمى الفقهاء العقوبة التي ينزلها الحاكم في غير مواطن الحدود تعزيرًا، وليس للتعزير حد معين، وإنما ترك تقديره للقاضي حسب ظروف الجريمة وظروف مرتكبها.

فللقاضي أن يحكم بما يراه من حبس، أو ضرب، أو نفي، أو تغريم، أو توبيخ. والفعل الموجب للتعزير لا يخلو من حالتين: إما أن يكون خاصًّا بشخص كضربه أو شتمه أو نحوهما، أو كان أمرًا يتعلق بحق الله أو الحق العام كما يعبر عنه المعاصرون.

فإن كان من النوع الأول فللقاضي أن يعفو عن مرتكبه إذا عفا الشخص المجني عليه، وليس للقاضي أن يعفو عن الجاني إذا كان ما جناه يتعلق بحق الله أو الحق العام وإن عفا المتضرر، بل يجب تعزير الفاعل، كجريمة التزوير، ويخالف الشافعي رضي الله عنه فأجاز العفو عن الجاني إذا عفا المتضرر وإن تعلق به حق الله.

وفي المذاهب الأربعة أقوال مختلفة حول مقدار التعزير، تجنبنا ذكرها خوف الإطالة.

أنواع العقوبات «٤٢»:

أشد العقوبات في الإسلام القتل، وقد يكون قصاصًا، وقد يكون حدًّا، وأخفها الجلد للزاني غير المحصن وشارب الخمر.

ومن العقوبات السجن، وهو في الشرع الحبس، وليس الوضع في مكان ضيق، وإنما هو تعويق السجين من الحركة والانتقال حيث شاء، ولذا رأى الفقهاء أن الحبس قد يكون في مسجد أو بيت، أو بلزوم شخص للسجين حيثما حل، وهذا هو المعروف في عصرنا الحاضر بتحديد الإقامة.

ولم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم دار خاصة بالسجن، ولا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وإنما اتخذها عمر رضي الله عنه. وممن سجنوا في هذه الدار في عهد عمر: الحطيئة الشاعر، وفي عهد عثمان: ضابئ بن الحارث أحد اللصوص وقطاع الطرق.

والتمس الفقهاء دليلًا على السجن من القرآن، فوجدوه في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ... (النساء: ١٥)، كما وجدوه في السنة، فقد قال عليه الصلاة والسلام في رجلين تعاونا على قتل ثالث، أحدهما أمسك به والآخر قتله: «اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر»، وفسروا عبارة: «اصبروا الصابر» بالحبس، وبهذا أفتى علي كرم الله وجهه في قضية واجهته.

والسجن قد يكون مؤقتًا، وقد يكون مؤبدًا، كما فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه مع ضابئ بن الحارث، فقد سجن حتى أدركته الوفاة في السجن؛ لأنه كان لصًّا فتاكًا خطرًا على أرواح الناس وأموالهم.

قضاة الصدر الأول «٤٣»:

كان النبي عليه الصلاة والسلام يتولى القضاء إلى جانب أعباء النبوة الأخرى، وعين عددًا من الصحابة ليتولوا القضاء في أنحاء متفرقة من الجزيرة العربية، منهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل.

فلما آل الأمر إلى أبي بكر رضي الله عنه وكل القضاء في المدينة إلى عمر رضي الله عنه، ولما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في عهد عمر رضي الله عنه بعث بعض الصحابة ليتولوا القضاء في الأقاليم؛ فقد ولى شريحًا قضاء الكوفة، وعبادة بن الصامت قضاء الشام، وكعب بن سور قضاء البصرة.

ومن أبرز قضاة الصحابة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وكان بعيد الغور، نفاذ البصيرة إلى حل المشكلات القضائية، إلى درجة جعلت عمر رضي الله عنه يتعوذ بالله من معضلة تعرض له وليس بجانبه أبو الحسنين.

عمر بن الخطاب والقضاء «٤٤»:

نظرًا لأن القضاء في عهد عمر رضي الله عنه تطور تطورًا كبيرًا بحكم اتساع رقعة الدولة، واختلاط الشعوب التي دخلت في الإسلام بعضها ببعض، وبرزت منازعات على نحو لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أبي بكر رضي الله عنه، فقد رأينا أن نذكر نبذة يسيرة عن قصصه مع القضاة ووصاياه لهم، نجعل مسك الختام كتابه المشهور الذي وجهه إلى أبي موسى الأشعري.

من قصص عمر مع القضاة:

فمن قصصه مع القضاة، ما رواه البيهقي عن الشعبي قال: كان بين عمر وأبي بن كعب رضي الله عنهما نزاع في شيء، فجعلا بينهما زيد بن ثابت، فأتياه في منزله، فلما دخلا عليه، قال له عمر: أتيناك لتحكم بيننا وفي بيته يؤتى الحكم. فوسع له زيد عن صدر فراشه وقال: «هاهنا يا أمير المؤمنين»، فقال له عمر: لقد جرت في حكمك، ولكن أجلس مع خصمي. فجلسا بين يديه، فادعى أبي، وأنكر عمر. فلما لزمت الخليفة اليمين، أكبر زيد ذلك، وسأل أبيًّا أن يعفي أمير المؤمنين من اليمين، وأردف قائلًا: وما كنت لأسألها لأحد غيره. فلما سمع عمر مقالة زيد أنكرها عليه، وأدى اليمين المطلوبة منه، ثم قال: «والله لا يدرك زيد بن ثابت القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء».

ومن وصاياه وصيته لأبي موسى الأشعري، وهي:

«اجعلوا الناس عندكم في الحق سواء، قريبهم كبعيدهم، وبعيدهم كقريبهم. إياكم والرشا والحكم بالهوى، وأن تأخذوا الناس عند الغضب، فقوموا بالحق ولو ساعة من نهار».

كتاب عمر إلى أبي موسى «٤٥»:

وفيما يلي كتاب عمر المشهور، كما رواه البيهقي في السنن الكبرى:

«إن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة».

«فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم حق لا نفاذ له».

«واس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع...».

«ولا يمنعك قضاء قضيته من عدلك».

«البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر».

«والصلح جائز بين المسلمين؛ إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرم حلالًا».

«ومن ادعى حقًّا غائبًا أو بينة، فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن جاء ببينة أعطيته بحقه، فإن أعجزه ذلك تحللت عليه القضية، فإن ذلك أبلغ في العذر وأجلى للعمى».

«ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم فرجعت فيه لرأيك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع الحق، فإن الحق قديم لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل».

«والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشهادة؛ إلا مجلودًا في حد، أو مجربًا عليه شهادة الزور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة، فإن الله عز وجل تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان».

«ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ليس في قرآن ولا سنة».

«ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرض الأمثال والأشياء، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى وأشبهها بالحق».

«وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس عند الخصومة والتنكر، فإن القضاء في مواطن الحق يوجب الله له الأجر، ويحسن به الذخر، فمن خلصت نيته في الحق ولو كان على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين لهم بما ليس في قلبه شانه الله».

«فإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصًا».

«وما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته».

                                                   أحمد بن عبد العزيز المبارك

رئيس القضاء بدولة الإمارات العربية المتحدة

                                                                      أبو ظبي ١٢ جمادى الآخرة ١٣٩٦هـ

                                                                 ۱۰ يونية «حزيران» ١٩٧٦م

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل