; نظام القضاء في الإسلام (الحلقة الثانية) | مجلة المجتمع

العنوان نظام القضاء في الإسلام (الحلقة الثانية)

الكاتب الشيخ أحمد عبد العزيز آل مبارك

تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1976

مشاهدات 92

نشر في العدد 326

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 23-نوفمبر-1976

مكان نظر الدعوى: «14»:

اختلف فقهاء المذهب المالكي في مكان نظر الدعوى، حين يكون المدعى عليه في بلد والمدعى فيه في بلد آخر. ومثاله أن يدعي شخص بمكة ملكية منزل بها، وواضع يده عليه بالمدينة المنورة، ذهب فريق منهم إلى أن الدعوى تنظر حيث يكون المدعى عليه، ولا عبرة بمكان المدعي أو المدعى فيه، ومن حق المدعي البداءة بقاضي بلده وإبراز وثائقه ليكتب قاضي بلده إلى بلد المدعى عليه. وله بعد ذلك أن يذهب أو يوكل من يترافع نيابة عنه. ولا يرى هؤلاء أن يلزم المدعى عليه بالحضور إلى حيث رفعت الدعوى.

ومنهم من ذهب إلى أن الدعوى تنظر حيث يكون المدعى فيه، وعلى رأيهم يلزم المدعى عليه بالمثول أمام المحكمة التي رُفعت إليها الدعوى.

والذي نرجحه الرأي القائل بأن تُنظر الدعوى، حيث يقيم المدعى عليه؛ إذ الأصل براءة الذمة فلا يكلف بالانتقال إلى حيث أقيمت الدعوى ضده، وإذا تنازع الطرفان فصل القاضي في هذا النزاع بما يراه أقرب للعدل.

الوكالة في الدعوى «15»:

الأصل أن يرفع المدعي دعواه بنفسه. وله توكيل غيره، واحدًا كان أو أكثر. ما لم تكن الوكالة متضمنة نصًّا على الإقرار أو الإنكار فعندئذ يشترط أن يكون الوكيل واحدًا، وإذا جلس الخصم مع الآخر ثلاث جلسات فلا يجوز التخلي إلا بعذر.

والوكالة إذا كانت بعوض تسمى إجارة، تلزم المتعاقدين بإبرام العقد وليس لواحد منهما التخلي بعد ذلك.

المحاماة «16»:

من طبيعة الخصومة أن يكون فيها طرفان، المدعي والمدعى عليه وقد يكون أحد الطرفين أبلغ عبارة وأعرف بأساليب التقاضي، وقد يكون على باطل؛ لذا قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: «لعل أحدكم أن يكون الحن بحجته»... إلخ كما سيجيء في الفقرة «34».

وقد أجاز الفقهاء التوكيل في رفع الدعوى أو الدفاع عنها، بدون أجر أو بأجرة، والمحامي في وقتنا هذا يترافع في أكثر القضايا بأجر، وقد يترافع متبرعًا، ولا نرى بأسًا من وجود المحاماة، وإن وجود محامين أو أكثر وكيلين عن طرفي الدعوى، يعين القاضي على رؤية أبعاد القضية والوقوف على النصوص المتعلقة بها، تأييدًا للاتهام أو دفعًا له، وبدهي أن القاضي لا يستطيع أن يتفحص شخصية المدعي تارة، وشخصية المدعى عليه تارة أخرى، يسعى في الأولى ليثبت الدعوى، ويسعى في الأخرى لينفيها؛ فالمحاميان يعينانه على ذلك. غير أن النظام القضائي في الإسلام يمنع المحامي من الدفاع عن باطل يعلم أنه باطل. رغبة في -المبلغ- الذي سيتقاضاه من موكله نظير دفاعه عنه.

طرق الإثبات «17»:

الحجة التي يصدر القاضي حكمه بناء عليها لا تعدو أربعة أشياء؛ لذا سارت مسار الأمثال بين الفقهاء العبارة القائلة: «القضاء بأربع» 

وهذه الأربعة هي:

1- الإقرار من المدعى عليه.

2- البيئة من شهادة ونحوها.

3- اليمين ممن لزمته أو نكوله عنها.

4- قرائن الأحوال.

وفي الفقرات التالية، نذكر في إيجاز ما يتعلق بكل واحدة من هذه الوسائل. ولما كان في كل نزاع خصمان، مدع ومدعى عليه، الأول يدعي خلاف الأصل، أو عدم البراءة، والثاني يتمسك بالأصل وهو براءة الذمة.

ولما كان المدعي يدّعي خلاف الأصل، فإن عبء الإثبات يقع عليه في حالة إنكار المدعى عليه. فإن عجز كان الفصل لليمين من المدعى  عليه، أداء أو نكولا.

الإقرار «18»:

والإقرار كما عرفه الشيخ شرف الدين الحجاوي -رحمه الله- في كتابه الإقناع.

«هو إظهار مكلف مختار ما عليه لفظًا أو كتابةً، أو إشارة أخرس، بما يمكن صدقه. وهناك أشخاص لا عبرة بإقرارهم، منهم المجنون إلا في حال إفاقته، والمغمى عليه والمكره والنائم»..

الشهادة والعدالة «19»:

ونظرا لأن الشهادة إحدى الوسائل التي تعين القاضي على إصابة الحق. فقد وردت نصوص في القرآن والسنة، تنهى عن الكذب في الشهادة وتحذر عن كتمانها فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج: 30).. 

﴿... ولَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: 283).

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(البقرة: 42).

وجمهرة فقهاء الإسلام، يشترطون شروطًا إذا توافرت في الشاهد وصف بالعدالة، وإذا اختل شرط منها، وصف بعدم العدالة؛ فالمحدود في جريمة ليس عدلاً، والمجاهر بفعل كل مخل بالشرف والمروءة ليس عدلا، وفي عصرنا هذا يندر أن تلقى شاهدًا عدلاً على النحو الذي تحدث عنه السابقون من الأئمة والفقهاء، ولكن لكل عصر أحكامه التي ترد بحسب ما جد في المجتمع من ظواهر وأحوال.

وفي قضايا معينة يكون نصاب الشهادة اثنين عدلين، منها الوصية والطلاق، وذلك اعتمادًا على نصوص القرآن، كقوله تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ..﴾ (المائدة: 106)، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (الطلاق: 2).

وقد تقبل شهادة العدل الواحد في مواضع مستثناة. وأباح الفقهاء للقاضي أن يحكم استنادًا على شهادة الرجل الواحد العدل -إذا عرف بالصدق- وذلك في غير الحدود، ولكننا في عصرنا هذا لا نرى الاكتفاء بالشاهد الواحد وإن كان ظاهر العدالة، بل إن الإكثار من الشهود أفضل لما نشاهده من فساد الأخلاق وخراب الذمم.

الشهادة واليمين:

ذهب فريق من الفقهاء إلى أنه لا يحلف الشاهد -وهو ظاهر الرواية عند الأحناف- لأن الشهادة متضمنة معنى اليمين.

وذهب فريق آخر -منهم ابن قيم الجوزية الحنبلي، وابن نجيم الحنفي، وبعض فقهاء المذهب المالكي- إلى أنه يجوز للقاضي أن يحلف الشهود إذا ارتاب فيهم.

الشهادات المختلف فيها: «20»:

هناك شهادات مختلف فيها، بين قبولها أو ردها، نذكر فيما يلي أربعًا منها:

1- الشهادة على الخط:

في مذهب مالك رحمه الله، خلاف حول الشهادة على الخط، على قولين، أحدهما الجواز، وهو ما رواه مطرف عن مالك في «الواضحة»، وبناء عليه أجازوا الشهادة على خط الميت والغائب إذا لم يستذكر الشاهد شيئًا. واختلف في بعد المسافة التي إذا سافر إليها الشخص اعتبر غائبًا، فقال ابن الماجشون: إنها مسافة القصر. وقال سحنون: الغيبة البعيدة من دون تحديد، ومثل بمكة والعراق، ومصر وأفريقيا «المغرب الأقصى الآن».

والقول الآخر عدم الجواز، ومن القائلین به ابن مزين، فقد نقل عنه قوله: «الذي أراه عدم جواز الشهادة على الخط، إلا المقر على نفسه، بأن هذا خطه، فهو كالإقرار وإن الخطوط تتشابه، ويمكن تزويرها كما يمكن تزوير الأختام كما يقول فقهاء المذهب الحنبلي، ومن علماء المذهب المالكي من قصر الشهادة على الخط على الوقف بخاصة.

2- شهادة الأعمى «21»:

في شهادة الأعمى اختلاف بين فقهاء مذهب مالك، بين مجيز ومانع ولكنهم متفقون على جواز قبول شهادته على ما أدركه قبل العمى، ومتفقون أيضا على قبول شهادته في المشمومات والمذوقات والملموسات والمعروف عن مذهب أبي حنيفة «رضي الله عنه» أنه قصر شهادة الأعمى، على النسب والنكاح والوفاة ويوافقه الشافعي -رضى الله عنه- في النسب والنكاح، ويضيف أمرًا آخر هو الترجمة من لغة إلى لغة، وهو رأي نراه جديرًا بالاعتبار، والقضايا في المحاكم تحتاج أحيانا إلى مترجم، غير أنا نضيف أن يثبت أنه يجيد اللغتين، لغة القاضي ولغة الخصم المترجمة، بحيث ينقل حجته على الوجه الصحيح الذي هي عليه في لغة صاحبها. ونری وجوب وجود مترجمين ليكون أحدهما شاهدًا وموافقًا على صحة ترجمة الآخر.  وقد قال بهذا بعض الفقهاء وعند مالك «رضي الله عنه» تقبل شهادته على من لازمه كثيرًا حتى يوقن بأن ما يسمعه هو صوته.

 3- شهادة أهل البدع والأهواء «22»:

وفي قبول شهادة أهل البدع والأهواء اختلاف بين الفقهاء؛ فالشافعي -رحمه الله- يرى- كما نقله الغزالي، رحمه الله، في كتابه «الوجيز- قبول شهادة المبتدعة؛ لأنهم لا يكفرون».

ويرى فقهاء مذهب مالك رحمه الله أنه لا تقبل شهادة ذي بدعة عرف بها وصار يدافع عنها. وتقبل شهادة أهل البدع والأهواء بعضهم على بعض.

اليمين «23»:

وصفتها المعتبرة أن يقول: بالله الذي لا إله إلا هو ثم يذكر ما يحلف عليه، والحلف على المصحف أمر لم يكن عليه العمل عند السابقين، وأجازه بعض الأئمة.

وفي تغليط اليمين بإيقاعها في المسجد خلاف بين فقهاء مذهب مالك وبين القائلين بالتغليط والقائلين بعدمه. وأبو حنيفة- رضى الله عنه- يرى عدم تغليطها بالمكان. والقائلون بتغليطها بإيقاعها بالمكان قالوا: إذا كان الحالف بمكة، يحلف بين الركن والمقام، وإذا كان بالمدينة المنورة يحلف عند منبره عليه الصلاة والسلام. ويكون التحليف بعد صلاة العصر، ويكون الحلف مستقبلا القبلة.

وفي غير الحرمين الشريفين، يحلف عند محراب مسجد المصر. 

والمرأة تحلف في منزلها إن كانت ممن لا يخرجن، وتحلف بالمسجد القريب من دارها إن كانت ممن يخرجن لقضاء شئونهن.

وإذا كان التحليف في اللعان، أو الدماء، أو المال الكثير، يندب أن يكون التحليف في الأوقات التي يجتمع فيها الناس للصلاة. ويحلف من لزمته اليمين في غير هذه الأحوال في أي وقت.

ويحلف غير المسلمين في معابدهم وفي الأيام التي يفضلونها أو يوقعون فيها أهم شعائرهم الأسبوعية؛ فالنصارى يحلفون يوم الأحد، واليهود يحلفون يوم السبت والهندوس يوم الإثنين، وهلم جرا. 

ولا يحلف المجوس بغير الله، مما يعبدون من حيوان أو جماد ونحوهما، ومثلهم الذين لا يؤمنون بمطلق إله، في أنهم يحلفون بالله وحده.

اللعان «24»:

«اللعان يمين الزوج على زوجته بزنى أو نفي حملها أو ولدها منه».

«ويمين الزوجة على تكذيبه». 

وسميت إيمانها لعانًا، لما فيها من ذكر اللعنة.

وصفة الملاعنة أن يقول الرجل أربع مرات: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أني لمن الصادقين وأنه رآها تزني زنا كالمرود في المكحلة. ويقول في المرة الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.

وتقول المرأة بعده أربع مرات: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو، أنه لمن الكاذبين، وما رآها تزني.

وتقول في الخامسة: إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. 

فإن كان لنفي الحمل واعتمد على رؤيته وحدها، زاد في كل مرة من المرات الأربع: وما هذا الحمل مني- وتزيد هي: وأن هذا الحمل منه.

وإن كان الملاعن معتمدًا على الاستبراء وحده زاد بعد عبارة: أني لمن الصادقين: لقد استبرأتها من وقت كذا. فإن اعتمد على الرؤية والاستبراء معا ذكرهما معًا.

قرائن الأحوال «25»:

ومن وسائل الإثبات قرينة الحال، فإذا لم يكن إقرار أو بينة أو يمين ولكن وجدت قرائن أحوال، فللقاضي أن يصدر حكمه استنادًا عليها كحكمه بالحد أو التعزير على من وجدت رائحة الخمر بفيه وحكمه بالرجم على ثيب تحمل ولا زوج لها وهكذا.

فإن كلا من رائحة الخمر بفم المخمور، وظهور الحمل على ثيب لا زوج لها، قرينة دالة على شرب الخمر في الأولى، وعلى الزنا في الثانية.

ومثلهما البكر يعرض عليها الزواج بمن يسمى لها فتسكت، فإن صمتها قرينة على الرضا. 

الصفات الواجب توافرها فيمن يتولى القضاء «26»:

على خليفة المسلمين أو من يقوم مقامه أن يتحرى في تعيين القضاة رضا الله، فإن حابى وولى القضاء من لا يستحق، كان كبير الإثم وشريكًا لمن ولّاه في كل ذنب جناه بأحكامه. أو في الأجر يناله من الإنصاف يتحراه في كل خصومة تعرض عليه.

روى أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: ما من أمير أمّر أميرًا أو استقضى قاضيَا محاباة إلا كان عليه نصف ما اكتسب من الإثم. وإن أمره أو استقصاه نصيحة للمسلمين، كان شريكه فيما عمل من طاعة الله تعالى.

وينبغي أن تتوافر الشروط الآتية فيمن يولى القضاء:

1- الإسلام، فلا يصح القضاء من الكافر.

2- العقل، فلا يولى مجنون. 

3- الذكورة، اشترطها الجمهور وخالف أبو حنيفة -رضي الله عنه- فأجاز تولية المرأة القضاء في الأموال بخاصة، قياسًا على شهادتها فيها والذين ذهبوا إلى منع المرأة من تولي القضاء، شبهوه بالإمامة الكبرى وقاسوا المرأة بالرقيق في نقصان الحرية، وأضافوا إلى ذلك قولهم:

إن وجوه بعض النساء وكلامهن فتنة وقوله-صلى الله عليه وسلم- «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، والقضاء من أهم الأمور.

4- الحرية، كانوا يشترطونها عندما كانت ظاهرة الرقيق منتشرة في تلك العصور؛ لذا رأوا ألا يتولى القضاء رقيق، ولا من فيه شائبة رق. ويرى سحنون من المالكية: ولا معتوق خوفًا من أن تستحق رقبته فتبطل عندئذ الأحكام التي أصدرها.

5- البلوغ، فلا يولى صبي لأنه ناقص التمييز.

هذا- وإذا انعدم واحد من هذه الشروط، كان الحكم باطلا ويعزل القاضي الذي لم تكن متوافرة فيه أو فقد بعد توليه واحدًا منها، كالعقل والإسلام.

وفيما يلي ستة شروط أخرى في القاضي، ولا تأثير لها في الحكم بعد صدوره إذا كان متفقًا مع الحق، وهي:

6- العدالة:

فلا تصح ولاية غير العدل، والعدل عندهم من تصح شهادته، لذا قالوا: من لا تصح شهادته لا تصح ولايته.

واختلفوا في فاسق أصدر حكمًا وافق الحق، فمنهم من قال برده.

سرد المراجع:

1. الإقناع في الفقة الحنبلي للشيخ شرف الدين المقدسي.

2. البحر المحيط في التفسير لأبي حيان الغرناطي الأندلسي.

3. بداية المجتهد ونهاية المقتصد ابن رشد.

4. تبصرة الحكام ابن فرحون المالكي.

5. حياة الصحابة محمد يوسف الكاندهلوي.

6. الدعائم الخلقية للقوانين الشرعية د.صبحي محمصاني.

7. سنن ابن ماجة بتحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي.

8. السنن الكبرى البيهقي.

9. الشرح الصغير في الفقة المالكي للشيخ أحمد الدردير.

10. العقد الفريد ابن عبد ربه.

11. القضاء والقضاة محمد شهير أرسلان.

12. قوانين الأحكام الشرعية ابن جزي.

13. الكافي في الفقة الحنبلي ابن قدامة.

14. المرقبة العليا أبو الحسن النباهي الأندلسي.

15. نظرية الدعوى د. محمد نعيم عبد السلام.

 

 

الرابط المختصر :