حين ينطق السلوك بالحقيقة..
كيف تكشف القرائن السلوكية الحقيقة؟ شريح القاضي نموذجاً
أورد الذهبي
عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيْحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: اخْتُصِمَ إِلَى شُرَيْحٍ فِي
وَلَدِ هِرَّةٍ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: هُوَ وَلَدُ هِرَّتِي، وَقَالَتِ الأُخْرَى:
بَلْ هُوَ وَلَدُ هِرَّتِي، فَقَالَ شُرَيْحٌ: أَلْقِهَا مَعَ هَذِهِ، فَإِنْ هِيَ
قَرَّتْ وَدَرَّتْ وَاسْبَطَرَّتْ فَهِيَ لَهَا، وَإِنْ هِيَ هَرَّتْ وَفَرَّتْ
وَاقْشَعَرَّتْ، فَلَيْسَ لَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: وَازْبَأَرَّتْ، أَيِ:
انْتَفَشَتْ، وَقَوْلُهُ: اسْبَطَرَّتْ، أَيِ: امْتَدَّتْ لِلرَّضَاعِ(1).
تظهر هذه
الواقعة في ترجمة القاضي شريح بن الحارث الكندي ضمن أخبار القضاء عند السلف، وهي
تكشف جانبًا من طبيعة العقل القضائي الذي لا يكتفي بالنظر إلى ظاهر الأقوال، بل
يبحث عن العلامات التي تهدي إلى الحقيقة، ومهما كانت تفاصيل الرواية في كتب
الأخبار، فإن دلالتها العامة تدور حول قيمة الفهم، وحسن تنزيل المعرفة على
الوقائع، واستثمار القرائن في الوصول إلى الحكم.
كان شريح القاضي من
أشهر قضاة الكوفة، وقد عُرف بطول التجربة ودقة النظر في الخصومات، وفي هذه النازلة
لم يكن أمام القاضي إقرار ولا شهادة ولا وثيقة، بل كان أمام دعويين متعارضتين،
فانتقل من مجرد سماع الأقوال إلى اختبار الواقع نفسه.
كيف تكشف القرائن السلوكية الحقيقة في القضاء؟
تكمن عبقرية
شريح القاضي في أنه لم يعالج القضية باعتبارها مجرد نزاع لفظي، بل أعاد صياغة السؤال: من
هي الأم الحقيقية؟ فبدل أن يبحث عن قوة الدعوى في الكلام، بحث عن أثر العلاقة
الفطرية في السلوك.
فالأمومة ليست
مجرد ادعاء، وإنما رابطة تظهر آثارها في الرعاية والطمأنينة والاستجابة، ولهذا جعل
شريح القاضي الاختبار قائمًا على ملاحظة تصرف الحيوان؛ فإن اطمأنت الهرة للصغير وأظهرت
علامات الرضا والرعاية، كان ذلك قرينة على الارتباط الطبيعي، وإن أظهرت النفور
والهرب، كان ذلك علامة مخالفة.
وهذا المنهج
يبرز أصلًا مهمًا في التفكير القضائي؛ وهو أن الحقيقة قد تظهر أحيانًا في القرائن
المحيطة بالواقعة أكثر مما تظهر في الكلمات المجردة، فالإنسان قد يحسن صياغة
دعواه، لكن السلوك العملي يكشف في كثير من الأحيان ما تخفيه الألسنة.
ومن هنا يظهر أن
الفقه في جوهره ليس حفظًا للنصوص فقط، بل قدرة على فهم دلالاتها وتنزيلها على
الواقع، وهو المعنى الذي أشار إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالته المشهورة
إلى أبي موسى الأشعري حين قال: «الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي
صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ،
ثُمَّ اعْرِفِ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ، وَقِسْ الْأُمُورَ بِنَظَائِرِهَا»(2).
وقد حملت لنا
السيرة النبوية الشريفة موقفا كشفت من خلاله عن عدم الاستسلام للأقوال والأوصاف في
التعرف على الحقيقة، واللجوء إلى الدلائل الأخرى الكاشفة عنها، وذلك في اختبار أم
المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها لحقيقة الوحي الذي نزل على النبي صلى الله
عليه وسلم في غار حراء، حيث لم تكتفِ بالاستماع للكلمات والوصف، بل انتقلت إلى
دليل وقرينة عملية لاختبار الواقع، فأجلست النبي صلى الله عليه وسلم في حجرها ثم
تحسرت عن رأسها وشالت خمارها، فلما ذهب جبريل عليه السلام استدلت بهذا السلوك وتلك
القرينة على الحقيقة فقالت: مَا هَذَا بِشَيْطَانٍ إِنَّ هَذَا لَمَلَكٌ يَا
ابْنَ عَمِّ فَاثْبُتْ وَأَبْشِرْ، ثُمَّ آمَنَتْ بِهِ وَشَهِدَتْ أَنَّ مَا جَاءَ
بِهِ هُوَ الْحَقُّ(3).
التكامل بين النص والواقع في بناء أحكام القضاء
لا يعني استعمال
القرائن تجاوز القواعد، بل يعني توسيع دائرة النظر للوصول إلى العدل، فالقاضي لا
يحكم بالهوى، وإنما يجمع بين الدليل والفهم، وبين النص والواقع.
ولهذا ورد عن
شريح القاضي، في قوله تعالى: (وَدَاوُودَ
وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ
الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) (الأنبياء: 78)، قال: كان
النفْش ليلاً وكان الحرث كرماً، قال: فجعل داود الغنم لصاحب الكرم، قال: فقال
سليمان: إن صاحب الكرم قد بقي له أصل أرضه وأصل كرمه، فاجعل له أصوافها وألبانها!
قال: فهو قول الله: (فَفَهَّمْنَاهَا
سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) (الأنبياء: 79)(4).
وقد جاءت
الشريعة باعتبار القرائن في مواضع كثيرة؛ ففي قصة يوسف عليه السلام قال الله
تعالى: (وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ
{16} قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ
عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ
كُنَّا صَادِقِينَ {17} وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) (يوسف)، فقد دلّ سياق الحال على كذب دعواهم، ولم يكن الأمر
قائمًا على مجرد الكلمات.
وهذا يقود إلى
إدراك أن القاضي الناجح ليس من يحفظ القواعد فقط، بل من يمتلك القدرة على رؤية
العلاقات الخفية بين الأحداث، وفهم النفس البشرية، ومعرفة الطريق الذي يقربه من
العدل.
كيف يكشف السلوك ما تعجز عنه الادعاءات؟
في هذه الحادثة
جانب نفسي عميق؛ فقد تعامل شريح القاضي مع غريزة الأمومة بوصفها علامة لا يمكن تقليدها
بسهولة، فالأم الحقيقية لا تحتاج إلى خطاب طويل لتثبت تعلقها، بل يظهر ذلك في
استجابتها الطبيعية.
ونظير ذلك ما
جاء في السُّنة النبوية الشريفة عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله
عليه وسلم، قال: «بينما امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ
فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ
بِابْنِكِ أَنْتِ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا
إِلَى دَاوُدَ عليه السلام، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى
سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَام، فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ:
ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا، يَرْحَمُكَ
اللَّهُ! هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى»(5).
قال ابن القيم:
ولم يكن سليمان ليفعل، ولكن أوهمهما ذلك، فطابت نفسُ الكبرى بذلك؛ استرواحًا منها
إلى راحة التأسّي والتسلّي بذهاب ابن الأخرى كما ذهب ابنها، ولم يَطِبْ قلب الصغرى
بذلك، بل أدركتها شَفَقَةُ الأم ورحمتها، فناشدَتْه ألا يفعل؛ استرواحًا إلى بقاء
الولد، ومشاهدته حيًّا، وإن اتصل إلى الأخرى(6).
وهذا قريب من
مبدأ معروف في فهم الإنسان؛ أن السلوك المتكرر والعفوي يكشف أحيانًا ما لا تكشفه
الأقوال الرسمية، ولذلك تهتم العلوم الحديثة بمراقبة الأنماط السلوكية عند تحليل
الشخصيات واتخاذ القرارات، لأن الأفعال تمثل بيانات واقعية عن الدوافع.
وفي واقع الناس
اليوم، يحتاج المربون والقادة وأصحاب المسؤولية إلى هذا النوع من الفهم؛ فلا يكفي
أن يسمع المدير تقريرًا عن أداء موظف، ولا أن يكتفي المربي بوعود الطالب، بل لا بد
من ملاحظة السلوك العملي والنتائج الفعلية، فالقول يمكن تحسينه، أما الأثر المتكرر
فيصعب تزويره.
كيف صنع شريح القاضي حلاً مبتكراً وقت الأزمات؟
يمثل موقف شريح القاضي نموذجًا للقيادة الذكية في لحظات الغموض، فالقيادي حين يواجه مشكلة غير واضحة لا
يقف عند حدود الأدوات المعتادة، بل يبحث عن مدخل جديد يزيل الالتباس.
لقد كان بإمكان
القاضي أن يجعل القضية تدور في حلقة من الادعاءات المتعارضة، لكنه اختار اختبارًا
عمليًا ينقل النزاع من مجال الكلام إلى مجال المشاهدة، وهذه هي إحدى سمات القيادة
الرشيدة؛ تحويل المشكلة من سؤال معقد إلى مؤشر واضح يمكن قياسه.
وقد تجلت عبقرية
القيادة في صناعة الحل حين تتعطل الوسائل المعتادة في طرح النبي صلى الله عليه
وسلم الأمر للشورى، فهي تستخرج الآراء والتجارب القديمة للجميع، وينتج عنها الخير
والحكمة، ومن ذلك ما كان في غزوة «الأحزاب» التي تجمعت فيها أحزاب المشركين من
قريش وغطفان في 10 آلاف مقاتل لاستئصال المدينة، وتعطلت أساليب المواجهة الميدانية
التقليدية لعدم التكافؤ، وسارع النبي صلى الله عليه وسلم إلى عقد مجلس استشاري
أعلى، تناول فيه موضوع خطة الدفاع عن كيان المدينة، وبعد مناقشات جرت بين القادة
وأهل الشورى، اتفقوا على قرار قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال
سلمان: يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، وكانت خطة
حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك، وأسرع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تنفيذ هذه
الخطة، فوكل إلى كل 10 رجال أن يحفروا من الخندق 40 ذراعاً.
وقام المسلمون
بجد ونشاط يحفرون الخندق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم ويساهمهم في عملهم
هذا(7).
وفي المؤسسات
المعاصرة تظهر الحاجة إلى هذا المنهج عند تقييم المشاريع أو الأشخاص؛ وهو صناعة
الحل حين تتعطل الوسائل المعتادة، فالأحكام لا ينبغي أن تبنى على الانطباعات
وحدها، بل على مؤشرات واقعية تجمع بين المعلومات والتحليل والملاحظة.
ومن هنا يظهر أن
الإبداع في القيادة ليس خروجًا عن الأصول، بل هو حسن استخدام الوسائل المشروعة
للوصول إلى الغاية الصحيحة.
البعد الحضاري للعدالة في رفق الإسلام بالحيوان
قد يبدو موضوع
الخصومة بسيطًا، لكن العناية القضائية به تحمل معنى حضاريًا مهمًا؛ فالمجتمعات
الراقية لا تقيس قيمة العدل بحجم المال المتنازع عليه، بل بمبدأ صيانة الحقوق.
إن وصول القضاء
إلى قضية تتعلق بحيوان أليف يدل على أن مفهوم المسؤولية لم يكن محصورًا في القضايا
الكبرى، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، وهذا يعكس جانبًا من التصور الإسلامي
الذي يجعل الرحمة والعدل قيمتين شاملتين.
وقد جاءت السُّنة
النبوية بالتنبيه إلى شأن الحيوان، ففي الأحاديث الصحيحة عن المرأة التي دخلت
النار في هرة حبستها، وعن الرجل الذي غفر الله له بسبب سقيه كلبًا، واستجابة النبي
صلى الله عليه وسلم لشكوى الجمل، دلالة على أن التعامل مع المخلوقات جزء من أخلاق
الإنسان ومسؤوليته.
فعَنِ ابْنِ
عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا
وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ»(8).
وعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ
بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ
الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ
الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ،
ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»،
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: «فِي
كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»(9).
وعَنْ عَبْدِاللَّهِ
بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ
أَحَدًا النَّاسِ، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا، أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ، قَالَ:
فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ،
فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ
فَسَكَتَ، فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟»،
فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:
«أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ
إِيَّاهَا؟، فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ»(10).
وهذا المعنى
حاضر اليوم في قضايا الرفق بالحيوان، والوعي البيئي، وأخلاقيات التعامل مع
الكائنات الضعيفة، حيث تكشف طريقة تعامل المجتمع مع المستضعفين عن مستوى حضارته.
أثر البلاغة القضائية في ترسيخ أحكام العدل
لم يكن الوصف
الوارد في الرواية مجرد نقل لحركة الحيوان، بل يحمل جمالًا بيانيًا لافتًا؛ فقوله:
«قرّت ودرّت واسبطرت» يقابله «هرّت وفرّت واقشعرّت»، فجاءت الألفاظ متناسقة مع
المعاني التي تصورها.
فالألفاظ الأولى
تحمل معنى السكون والقرب والرضا، والثانية تحمل معنى النفور والاضطراب، وهذه
الطريقة في التعبير تجعل المشهد القضائي حيًا في ذهن القارئ، وكأن الحكم لم يكن
قرارًا مجردًا، بل صورة متحركة تختصر معاني الخير والفضل والجمال.
وفي القرآن
الكريم جاء قول يوسف عليه السلام لإخوته: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف: 92).
وفي «فتح مكة»
جاءت عبارة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة حكماً جميلاً يفيض بالخير والفضل،
حين قال لهم: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟»،
قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ
الطُّلَقَاءُ»(11).
وكذلك خطبة
النبي صلى الله عليه وسلم البليغة للأنصار بعد غزوة «حنين» حين وجدوا في أنفسهم من
قسمة الغنائم، فجمعهم وحكم في الأمر بعبارة جميلة خالدة استولت على القلوب وأبكت
العيون، حين قال: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا إِلَى
بُيُوتِهِمْ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ لَوْ سَلَكَ
النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا، وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا،
لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَ الْأَنْصَارِ»(12).
معالم البصيرة عند العلماء والقضاة
تكشف هذه
الواقعة عن مبدأ متكرر في سير العلماء والقضاة؛ أن المعرفة الحقيقية لا تقف عند
المعلومات، بل تتحول إلى بصيرة في التعامل مع الوقائع.
فالقاضي يحتاج
إلى علم النص، لكنه يحتاج كذلك إلى فهم الإنسان، وإدراك طبيعة الحياة، والقدرة على
التمييز بين الظاهر والحقيقة، وهذا ما جعل شريح مثالًا للقاضي الذي لا يحكم بمجرد
الانطباع ولا بمجرد الشكل، بل يسعى إلى الوصول إلى العدل بوسائل معتبرة.
ومن نماذج العلم
والفهم في تاريخنا الإسلامي العظيم الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله
عنهما، الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»(13)،
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجلسه مع أشياخ «بدر»، وسألهم يوماً عن تفسير
سورة «النصر»، فأجابوا بظاهر النص، بينما غاص ابن عباس بفهمه واستنبط الدلالة
الخفية قائلاً: «هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَعْلَمَهُ اللهُ لَهُ»، فوافقه عمر قائلاً:
ما أعلم منها إلا ما تعلم(14)، وأراد بذلك أن يقرر عندهم جلالة قدره
وكبير منزلته في العلم والفهم.
وفي زمن تتكاثر
فيه التقارير والصور والانطباعات السريعة، يبقى هذا المعنى بالغ الأهمية؛ فالمجتمع
يحتاج إلى من يقرأ ما وراء الكلمات، ويميز بين الادعاء والواقع، ويجعل غايته
الوصول إلى الحق لا مجرد إصدار الأحكام.
إن قصة ولد الهرة ليست قصة صغيرة في ميزان المعاني، بل نافذة تكشف عن منهج كامل في التفكير؛ البحث عن الحقيقة، واحترام القرائن، وفهم النفس، وتحقيق العدل.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 52).
- 2 الأحكام السلطانية: الماوردي، ص 122.
- 3 البداية والنهاية (3/ 22).
- 4 تفسير الطبري (18/ 477).
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (3244)، ومسلم (1720).
- 6 إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (2/ 758).
- 7 الرحيق المختوم، ص 277.
- 8 متفق عليه، أخرجه البخاري (3318)، ومسلم (2242).
- 9 متفق عليه، أخرجه البخاري (6009)، ومسلم (2244).
- 10 سنن أبي داود بسند صحيح (2549).
- 11 سيرة ابن هشام (2/ 412).
- 12 صحيح مسلم (1059).
- 13 صحيح البخاري (143).
- 14 حلية الأولياء (1/ 317).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً