كيف يحفظ الثبات المجتمع؟ أبو أمامة بن سهل يصلي بالناس وقت الفتنة
أورد الذهبي
عَنْ عُتْبَةَ بنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: اسْتوَى عُثْمَانُ عَلَى المِنْبَرِ،
فَحَصَبُوْهُ حَتَّى حِيْلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ، فصلَّى بِالنَّاسِ
يَوْمَئِذٍ أَبُو أُمَامَةَ بنُ سَهْلٍ(1).
يقف هذا الخبر
القصير من ترجمة أبي أمامة بن سهل بن حنيف أمام لحظة شديدة الحساسية من تاريخ
الأمة الإسلامية، حين اضطربت أحوال المدينة في أواخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ووصلت الفتنة إلى المسجد النبوي الشريف، ولا تكمن أهمية الموقف في مجرد
انتقال الإمامة في الصلاة، بل في المعنى العميق الذي يكشفه: كيف يتصرف الإنسان
الصالح عندما تضطرب الرموز، ويختلط الخوف بالغضب، ويصبح حفظ النظام الروحي
والاجتماعي مسؤولية عاجلة.
ثبات المحراب في مواجهة اضطرابات السياسة
كان المسجد
النبوي في عهد الصحابة مركزًا يجتمع فيه الدين والمجتمع وإدارة الشأن العام، وكان
المنبر رمزًا للبيان والقيادة، بينما كان المحراب رمزًا لاتصال الأمة بربها، ولذلك
فإن المشهد الذي يصفه الخبر يحمل دلالة بالغة؛ فقد تعطل الخليفة عن أداء الصلاة
بسبب الاعتداء، لكن الشعيرة نفسها لم تتعطل.
في مثل هذه
اللحظات لا تظهر قيمة الأشخاص في الظروف العادية فقط، بل تظهر عند اهتزاز الموازين،
فوجود رجل يتقدم ليقيم الصلاة يعني أن الفوضى لم تستطع أن تبتلع آخر معالم
الانتظام، وأن المجتمع المسلم كان يمتلك شخصيات قادرة على منع الفراغ حين تشتد
الأزمات، ومن هنا يظهر معنى عظيما في بناء الأمم، فقد تمر المؤسسات بلحظات ضعف أو
اضطراب، لكن بقاء المعاني الكبرى في نفوس أهلها هو الذي يحفظ استمرارها.
وقد ارتكزت قضية
الثبات على الصلاة في نفوس هذا الجيل المبارك من خلال ما عاش عليه النبي صلى الله
عليه وسلم، حيث استمر في صلاته عند الكعبة الشريفة رغم محاولة المشركين إفساد
صلاته والاعتداء عليه؛ حيث قام عقبة بن أبي معيط بإلقاء سلا الجزور على ظهره
الشريف وهو ساجد، فلم يقطع صلاته ولا زال عن محرابه حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها
وألقته عنه(2).
كيف يتحول الإنسان من شاهد على الأزمة إلى حامل للمسؤولية؟
لم يكن أبو
أمامة بن سهل في موقف يبحث فيه عن منزلة أو تقدم، وإنما وجد نفسه أمام حاجة عملية
عاجلة، فالصلاة لها وقتها، والناس مجتمعون، والإمام الذي كان متقدمًا لها قد مُنع
بسبب ظرف قاهر، فكان لا بد من شخص يسد الفراغ، وهنا تظهر إحدى خصائص النفوس
الراشدة؛ أنها لا تكتفي بتشخيص المشكلة، بل تنتقل إلى تحمل المسؤولية، كثير من
الناس يستطيعون رؤية الخلل، لكن القليل منهم يمتلك الجرأة الأخلاقية التي تدفعه
إلى القيام بالواجب في اللحظة الحرجة.
ومن المواقف
الخالدة في ذلك ما فعله سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين رأى المشركون
يخنقون النبي صلى الله عليه وسلم عند الكعبة، فلم يقف موقف المتفرج العاجز، بل
اندفع بقوة ودفع المعتدي، فعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «سَأَلْتُ
عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي
مُعَيْطٍ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ
يُصَلِّي، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا،
فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ، فَقَالَ: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ
وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) (غافر: 28)»(3).
الثبات النفسي في مواجهة عدوى الفوضى
المواقف العاصفة
تكشف مقدار السيطرة التي يمتلكها الإنسان على نفسه، ففي لحظات الاضطراب الجماعي
تنتقل الانفعالات بسرعة، وقد يتحول الخوف أو الغضب إلى سلوك جماعي يصعب ضبطه.
كان الموقف
مهيئًا لانتشار الخوف والغضب والذهول، فالناس يرون خليفتهم يُحصب على منبر رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ويشاهدون انقلاب الاعتراض إلى اعتداء، وهي لحظة كفيلة
بأن تصيب الجماعة بالشلل أو التدافع أو الانفجار.
وفي مثل هذه
المواقف تعمل العدوى الانفعالية بسرعة، ينتقل الخوف من شخص إلى آخر، ويتضخم الغضب،
وتضعف القدرة على التفكير المنظم، ويتحول الناس من أفراد يملكون إرادة مستقلة إلى
كتلة تستجيب للمثير الأقوى.
لكن أبا أمامة
لم يسمح للمشهد المضطرب أن يعطل فعله، بل اتجه إلى الفعل المنظم بدل الانجراف مع
الاضطراب، لقد أعاد ترتيب الأولويات؛ الأزمة موجودة، لكن العبادة لا تتوقف،
والاضطراب لا ينبغي أن يلغي الثوابت.
إن الإنسان في
وقت الأزمات يحتاج إلى قدرة على إعادة ترتيب المشهد الداخلي؛ فلا يسمح للخوف أن
يحدد أفعاله، ولا للغضب أن يسلبه الحكمة، وهذا من أعظم مقومات القيادة الرشيدة.
الصلاة فوق ضجيج الفتنة
أبرز ما في
الخبر أن الصلاة لم تُترك، الخليفة ممنوع، والمنبر محاط بالمعتدين، والناس يشهدون
مشهدًا صادمًا، ومع ذلك بقيت الصلاة هي الحقيقة التي ينبغي أن تنتظم حولها الجماعة،
وهذه المكانة للصلاة راسخة في التصور الإسلامي، قال الله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة: 45)،
فالصلاة ليست عبادة تؤدى بعد انتهاء الأزمات فحسب، بل هي من أعظم ما يُستعان به
داخل الأزمة، إنها تعيد ترتيب الداخل حين تضطرب المؤثرات الخارجية، وتعيد للإنسان
نسبته الصحيحة إلى ربه حين تتضخم أمامه قوى البشر.
إن الصلاة ليست
مجرد وسيلة للإعانة على المصاعب، بل أمارة على التمكين للصالحين، قال تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي
الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ
وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) (الحج: 41)، فإقامة الصلاة من أبرز مظاهر
التمكين الصالح، كما أن المحافظة عليها في وقت الاضطراب من أبرز صور مقاومة
الانهيار، فالفتنة لا تنتصر فقط عندما تسقط قيادة أو يحتل متمردون مكانًا، بل
تنتصر كذلك عندما تنجح في تعطيل عبادة الناس، وقطع صلتهم بالله، وإحلال الفزع
والغضب محل السكينة والانقياد.
كان حصب عثمان
رضي الله عنه محاولة فوضوية لفرض منطق القوة على المكان، فجاءت الصلاة لتعيد إعلان
منطق العبودية، فمهما طغى المعتدون، بقي التكبير إعلانًا أن الله أكبر من خوف
الناس، ومن قوة الغوغاء، ومن اضطراب السياسة، ومن ضيق اللحظة.
وليس المراد من
ذلك أن الصلاة تلغي واجب مواجهة الظلم، أو أنها بديل عن معالجة أسبابه، وإنما
المراد أن الأمة لا تعالج انحرافها بالتخلي عن مركزها الروحي، فالصلاة تحفظ القلب
من أن يتشبه في فوضاه بالفوضى المحيطة به، وفي هذا تأكيد على أن الثوابت التعبدية
لا تؤجل حتى تنتهي العواصف؛ بل هي مما يعين على اجتيازها.
الفرق بين قيادة المنصب والرصيد الأخلاقي للمبادرة
لم تكن قيادة
أبي أمامة قيادة منصب، بل قيادة موقف، لم يتقدم لأنه صاحب سلطة سياسية، وإنما لأنه
أدرك حاجة الجماعة إلى من يحفظ انتظامها، وهذا نموذج مهم في مفهوم القيادة؛
فالقيادة ليست دائمًا قرارًا رسميًا أو منصبًا إداريًا، بل قد تكون استجابة
أخلاقية لمسؤولية طارئة، وقد عرف التاريخ الإسلامي صورًا متعددة لاستمرار العمل
عند عجز القائد أو غيابه، ومن أشهرها إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالناس في
مرض النبي صلى الله عليه وسلم، حيث بقيت الجماعة مرتبطة بالشعيرة والنظام.
وفي المؤسسات
المعاصرة، يحتاج القادة إلى بناء صفوف ثانية قادرة على تحمل المسؤولية؛ لأن
المؤسسة التي تعتمد على فرد واحد تكون أكثر عرضة للاضطراب عند غيابه.
القيادة الموقفية التي لا تطمع في المنصب
تكشف الحادثة عن
صورة دقيقة من صور القيادة الموقفية، حيث لم يتقدم أبو أمامة ليعلن نفسه صاحب
سلطان سياسي، ولم ينازع الخليفة مكانته، ولم يستثمر ضعفه ليصنع لنفسه مجدًا شخصيًا،
وإنما سد فراغًا وظيفيًا مؤقتًا فرضته الضرورة؛ أن الإمام الراتب قد حيل بينه وبين
الصلاة، والجماعة تحتاج إلى من يصلي بها، من هنا كان سلوك أبي أمامة قريبًا مما
يسمى اليوم بالقيادة الخادمة؛ أي القيادة التي لا تجعل منصبها غاية، وإنما تجعل
خدمة الجماعة وحماية وظيفتها الأصلية مقدمة على الحظ الشخصي.
وقد تطلب هذا
التقدم قدرًا من الحسم، فالمعتدون الذين حصبوا الخليفة كانوا حاضرين، والجو لم يكن
آمنًا، والتقدم إلى موضع الإمامة قد يجعل صاحبه عرضة للضغط أو الاعتداء، ومع ذلك
لم يؤد الخوف من الاحتمالات إلى ترك الواقع بلا معالجة.
إن اتخاذ القرار
تحت الضغط لا يعني دائمًا امتلاك معلومات كاملة؛ فقد تضيق اللحظة عن المشاورة
المطولة، ويصبح التأخر نفسه قرارًا له كلفته، والقائد الناضج يميز بين التهور الذي
يقفز بلا بصيرة، والحسم الذي يقدّر الضرورة ويتحمل تبعتها.
ويبدو أن أبا
أمامة اختار أقل الأفعال ضجيجًا وأكثرها قدرة على إعادة الانتظام، لم يدخل في جدال
مع المتمردين، ولم يواجه الفوضى بخطاب طويل، بل تقدم إلى وظيفة يعرفها الناس،
وتستجيب لها فطرتهم الدينية، وتجتمع عندها أجسادهم في صفوف منتظمة، فالقائد
الحقيقي لا يملأ الفراغ بالكلام عن نفسه، بل بالفعل الذي تحتاج إليه الجماعة.
الفصل بين معالجة النزاع السياسي واستمرار الشعائر
أحد أعمق معاني
هذا الموقف أن الأحداث الكبرى لا ينبغي أن تدفع المجتمع إلى فقدان ركائزه الأساسية،
فقد وقع اضطراب سياسي شديد، لكن الصلاة بقيت قائمة، وهذا يبين الفرق بين التعامل
الحكيم مع الأزمات والاستسلام لها؛ فالحكيم لا ينكر حجم المشكلة، لكنه يمنع
المشكلة من تدمير كل شيء آخر.
وهذا المعنى
حاضر في حياة الناس اليوم؛ فالأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الإعلامية قد
تضغط على الأفراد والمؤسسات، لكن المحافظة على المبادئ الأساسية هي التي تمنح
القدرة على تجاوز العواصف.
لماذا تعلو القدوة التطبيقية على الخطاب النظري؟
لم يكن موقف أبي
أمامة درسًا بالكلمات، بل كان درسًا بالفعل، وفي أوقات الاضطراب تصبح الأفعال أكثر
تأثيرًا من الخطب، لأن الناس يبحثون عن نموذج يرون فيه معنى الثبات مجسدًا أمامهم،
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجسد لنا معنى القدوة التي أمرنا الله باتباعه،
في قوله عز وجل: (لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21)، يقدم
صلى الله عليه وسلم مثالاً يحتذى في الثبات، فعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ:
«لَمَّا حَضَرَ الْبَأْسُ يَوْمَ بَدْرٍ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ، مَا كَانَ -أَوْ: لَمْ
يَكُنْ- أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْهُ»(4)؛ ولهذا كانت
مواقف السلف تحمل قوة تربوية كبيرة؛ لأنها تحول القيم المجردة إلى صور حية، فالشجاعة
تصبح فعلًا، والصبر يصبح حركة، وتحمل المسؤولية يصبح موقفًا مشاهدًا.
تطبيق درس المبادرة على إدارة الأزمات المعاصرة
إن الرسالة التي يحملها هذا الموقف تتجاوز زمنه؛
- فكل مجتمع يحتاج في أوقات الاضطراب إلى أشخاص
يحفظون المعاني الكبرى، ويمنعون الفوضى من التحول إلى انهيار شامل.
- وفي الأسرة، يظهر ذلك في وجود من يحفظ الحكمة عند النزاع،
- وفي التعليم يظهر في المعلم الذي يثبت القيم عند تغير الظروف،
- وفي الدعوة يظهر في الداعية الذي يقدم الاتزان قبل
الانفعال، وفي العمل يظهر في القائد الذي يحافظ على اتجاه المؤسسة عند الأزمات.
فالنجاح في
الأوقات المستقرة يحتاج إلى مهارة، أما الثبات في الأوقات المضطربة فيحتاج إلى
بناء داخلي عميق.
من خلال ما سبق يتبين أن الأمم لا تُحفظ فقط بقوة مؤسساتها، بل أيضًا برجال يحملون روح المسؤولية، ويعرفون متى يتقدمون، وكيف يحولون لحظة الاضطراب إلى لحظة ثبات.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً