قراءة شرعية ونفسية وقيادية في قرارات الإنسان زمن الفتن الكبرى
متى يصبح الحماس طريقًا إلى الهاوية؟
يروي الإمام الذهبي في ترجمة محمد بن أبي
بكر: وكان قد ولاه عثمان إمرة مصر كما هو مبين في سيرة عثمان، ثم سار لحصار عثمان،
وفعل أمراً كبيراً، فكان أحد من توثب على عثمان حتى قُتل، ثم انضم إلى عليّ، فكان
من أمرائه، فسيّره على إمرة مصر سنة سبع وثلاثين في رمضانها، فالتقى هو وعسكر
معاوية، فانهزم جمع محمد، واختفى هو في بيت مصرية، فدلت عليه، فقال: احفظوني في
أبي بكر؛ فقال معاوية بن حديج: قتلت ثمانين من قومي في دم الشهيد عثمان، وأتركك،
وأنت صاحبه! فقتله، ودسه في بطن حمار ميت، وأحرقه،
محمد بن أبي بكر والفتنة الكبرى: حين تتحول القرارات السياسية إلى اختبارات للإنسان
ليست
أخبار الفتن الكبرى في التاريخ مجرد سرد لأحداث مضت، بل هي مرايا تكشف طبيعة
الإنسان حين يشتد الصراع، وتتداخل النيات، وتضطرب الموازين، وقصة محمد بن أبي بكر
رضي الله عنهما تقع في واحدة من أكثر مراحل التاريخ الإسلامي حساسية، وهي مرحلة ما
بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، حين انقسمت الأمة بين
اتجاهات متباينة في فهم إدارة الأزمة ومحاسبة المتسببين في الدماء.
ويذكر
المؤرخون أن مصر كانت من أهم ميادين الصراع في تلك المرحلة؛ لما لها من وزن سياسي
واقتصادي، وأن انتقال الولاة إليها كان جزءًا من التنافس بين معسكري علي بن أبي
طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهما، غير أن قراءة هذا الحدث تحتاج إلى
تجاوز مجرد الاصطفاف السياسي؛ لتبحث في الأسئلة الأعمق: كيف يتشكل القرار تحت ضغط
الجماعة؟ وكيف يفشل الإنسان في تقدير المآلات؟ وكيف يمكن للحماس في لحظة تاريخية
أن يقود صاحبه إلى نتائج لم يكن يتوقعها؟
مصر في قلب الفتنة الكبرى
كان
مقتل عثمان رضي الله عنه سنة 35هـ نقطة تحول كبرى في التاريخ الإسلامي، إذ انتقلت
الأزمة من مستوى الاعتراض السياسي إلى مستوى الصراع المسلح، وبعد بيعة عليّ رضي
الله عنه بالخلافة، ظهرت قضية القصاص من قتلة عثمان باعتبارها محور الخلاف السياسي
بين الأطراف المختلفة.
وقد
كان محمد بن أبي بكر من الشخصيات المرتبطة بأحداث تلك المرحلة؛ فهو ابن أبي بكر
الصديق رضي الله عنه، وقد تربى في بيت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بعد وفاة
أبيه، ثم أصبح من رجال عليّ وأمرائه.
وتشير
المصادر التاريخية إلى أن عليًا رضي الله عنه ولاه مصر سنة 37هـ، لكن مصر كانت
آنذاك منطقة شديدة الاضطراب، وفيها أنصار لعثمان ومعارضون لعليّ، فكان الوالي
يحتاج إلى قدر كبير من الحنكة السياسية والقدرة على إدارة التوازنات.
وقد
انتهى الأمر بوصول جيش عمرو بن العاص، ومعاوية بن حديج إلى مصر، فانهزم أصحاب محمد
بن أبي بكر، وقُتل بعد ذلك.
إن
المناصب في أوقات الأزمات ليست مجرد تشريف، وإنما امتحان لقدرة الإنسان على إدارة
واقع معقد، والقائد قد يملك النسب والمكانة، لكنه يحتاج إلى أدوات أخرى؛ الخبرة،
والصبر، وقراءة النفوس.
لقد
كان سقوط محمد بن أبي بكر جزءًا من انهيار أكبر لمنظومة الاستقرار السياسي بعد
انتقال الخلافة من مرحلة الوحدة إلى مرحلة الصراع.
عندما تتحول الدماء إلى دائرة من الانتقام
من
أعظم الدروس التي تبرزها أحداث الفتنة الكبرى أن الدماء إذا خرجت من إطار العدل
والقضاء أصبحت بابًا واسعًا للثأر المتبادل، والثأر سبيل إلى إراقة الدماء بلا
وازع أو رقيب، وهنا تهون النفوس على البشر وهي الغالية عند الله، قال الله
تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا
فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ
وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: 93)، فالآية تضع حرمة الدم
في أعلى درجات التحذير، لأن انهيار حرمة الدم يؤدي إلى انهيار المجتمع نفسه.
وفي
الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من
القائم، والقائم فيها خير من الماشي..»(1).
وقد
فهم جماعة من الصحابة خطر الدخول في الفتن، فاعتزلها بعضهم كعبدالله بن عمر، ومحمد
بن مسلمة، خشية أن يكون دخول الإنسان في الصراع سببًا في سفك دماء لا يستطيع
تداركها.
لكن
التعامل مع أحداث الفتنة لا يعني إصدار أحكام مبسطة على الأشخاص؛ فالصحابة ومن
بعدهم كانوا في ظرف تاريخي بالغ التعقيد، وقد وقع بينهم اجتهاد وتأويل، ويبقى
الميزان الشرعي هو تعظيم حرمة الدماء والنظر في المآلات.
ولا
شك أن أكبر خسائر الفتن ليست فقط سقوط الأشخاص، بل سقوط قيمة الدم حين يصبح
الإنسان أسير الغضب السياسي.
لحظة الانكسار حين يسقط المشروع ويبقى الإنسان
تكشف
اللحظة الأخيرة في قصة محمد بن أبي بكر جانبًا إنسانيًا شديد التأثير؛ فقد ورد أنه
لما اختبأ واستدل عليه، قال: «احفظوني في أبي بكر»، وهذه العبارة -بصرف النظر عن
اختلاف الروايات في تفاصيلها- تكشف حالة نفسية عامة يعيشها الإنسان عند الانهيار؛
العودة إلى الرموز الكبرى التي تمنحه شعورًا بالأمان.
فالإنسان
حين يفقد قوته الخارجية قد يبحث عن قوة رمزية؛ اسم العائلة، مكانة الأب، التاريخ
السابق، أو الانتماء الاجتماعي، وهذا معنى تربوي مهم؛ فالنسب شرف، لكنه لا يغني عن
العمل والمسؤولية، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه قول الله
تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)
(الشعراء: 214) على تأكيد هذا المبدأ، فدعا قريشاً
فعمّ وخصّ، منادياً إياهم بضرورة المسؤولية الشخصية والعمل الذاتي بعيداً عن
اتكالهم على شرف النسب والرموز الاجتماعية عند الأزمات والمآلات.
فقال
صلى الله عليه وسلم: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ
مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لاَ
أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا»(2)،
فالنسب قد يكون باب تكريم في الدنيا، لكنه لا يكون بديلاً عن المسؤولية الشخصية.
وفي
الحياة الحديثة، قد يعتمد بعض الناس على اسم العائلة، أو الشهرة، أو المنصب، ثم
يكتشفون عند الأزمات أن الرصيد الحقيقي هو القدرة على الصمود، وحسن القرار، وبناء
الثقة، إن هذا الموقف يرشدنا إلى أن الإنسان لا يُختبر حين تكون له القوة، بل حين
تزول عنه أسباب القوة.
الحماس وحده لا يصنع قائدًا
تكشف
القصة فرقًا مهمًا بين نوعين من القيادة؛ قيادة تستطيع إشعال الحماس، وقيادة
تستطيع إدارة الأزمات.
فالأولى
تحتاج إلى الجرأة والقدرة على التأثير، أما الثانية فتحتاج إلى التقدير، والصبر،
وبناء التحالفات، وإدارة الأخطار، ولقد رأينا هذا متمثلاً في حكمة النبي صلى الله
عليه وسلم وبصيرته القيادية في إدارة الأزمات وحماية الأتباع عند اشتداد البلاء،
حيث آثر عدم الاندفاع في مواجهة غير متكافئة ووجّه أصحابه للهجرة إلى الحبشة لوجود
حاكم عادل يملك أدوات رجل الدولة: «إنَّ بأرض الحبشةِ ملِكًا لا يُظلَمُ أحدٌ
عنده، فالْحقوا ببلادِه حتى يجعل اللهُ لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتُم فيه»(3).
لقد
كانت مصر في ذلك الوقت تحتاج إلى قائد يستطيع التعامل مع مجتمع منقسم، وخصوم
سياسيين أقوياء، واحتمالات عسكرية متغيرة.
ومن
قواعد القيادة التي قررها العلماء أهمية النظر في العواقب؛ قال الإمام الشاطبي في
«الموافقات»: النَّظَرُ فِي مَآلَاتِ الْأَفْعَالِ مُعْتَبَرٌ مَقْصُودٌ شَرْعًا..
وَذَلِكَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَحْكُمُ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ
الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِالْإِقْدَامِ أَوْ بِالْإِحْجَامِ إِلَّا
بَعْدَ نَظَرِهِ إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ»(4).
وهذه
قاعدة لا تخص الفقه فقط، بل تشمل كل قرار قيادي، وفي واقعنا المعاصر قد ينجح شخص
في قيادة حملة أو مشروع شبابي، لكنه يفشل عندما ينتقل إلى إدارة مؤسسة؛ لأن إدارة
البشر والموارد والأزمات تحتاج إلى مهارات مختلفة، فالشجاعة وحدها لا تصنع قائدًا؛
فالقيادة تحتاج إلى البصيرة مع الشجاعة.
وقد
لخص المتنبي هذه الحقيقة حين قال:
الرَأيُ
قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ
الثاني
فَإِذا
هُما اِجتَمَعا لِنَفسٍ حُرّةٍ بَلَغَت مِنَ العَلياءِ
كُلَّ مَكانِ(5)
كيف يؤثر ضغط الجماعة في قرارات الإنسان؟
كان
جو الفتنة الكبرى بيئة مثالية لانتشار ضغط الجماعة؛ فالأحداث السياسية الكبرى
غالبًا لا يتحرك فيها الأفراد فقط وفق التفكير الفردي، بل تحت تأثير الجماعات
والانقسامات والشعارات.
وقد
أشار القرآن إلى خطورة اتباع الجماعة بلا بصيرة: (وَإِذَا
قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا
عَلَيْهِ آبَاءَنَا) (البقرة: 170)، وقديماً رأينا كيف
استطاعت قريش باستخدام هذه الوسيلة في الضغط على أبي طالب عند وفاته، حيث كان لضغط
حشد المشركين المحيطين بسريره عند الوفاة (أبو جهل، وعبدالله بن أبي أمية) الأثر
في صياغة قراره الأخير ومنعه من الاستجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ
ظلوا يضغطون عليه قائلين: «أترغب عن ملة عبد المطلب!»، حتى مات عليها، وكان قد
صرّح سابقاً بخوفه من ملامة الحشد وسبّته بقوله: «لولا أن تعيِّرني قريشٌ إنَّما
حملَه عَليهِ الجزعُ لأقرَرتُ بِها عينَك»(6).
فالإنسان
قد يفقد استقلاله العقلي حين يتحول الانتماء إلى بديل عن التفكير، وفي عصرنا تظهر
الظاهرة نفسها عبر الإعلام والمنصات الرقمية؛ حيث قد تتحول القضية العامة إلى موجة
عاطفية، ويصبح الحكم على الأشخاص قائمًا على الانتماء لا على الإنصاف، فالعقل
المستقل ليس رفضًا للجماعة، بل قدرة على مراجعة النفس حتى داخل الجماعة.
التربية لا تمنع الخطأ إذا غاب فقه المآلات
محمد
بن أبي بكر نشأ قريبًا من كبار الصحابة، ومع ذلك دخل في أحداث سياسية انتهت إلى
مأساة.
وهذا
يذكر المربون بأن التربية ليست مجرد قرب من الصالحين، بل تحتاج إلى بناء أدوات
التفكير، وفقه الاختلاف، ومعرفة حدود القدرة البشرية.
فحتى
البيئة الصالحة تحتاج إلى تعليم الإنسان:
- كيف يزن الأخبار.
- كيف يتعامل مع الغضب.
- كيف يفرق بين النية الحسنة
والطريقة الصحيحة.
- كيف يقدم المصلحة العامة على الانفعال
الشخصي.
قال
تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا
السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (فصلت: 34).
ومن
هنا يظهر لنا أن التربية الناجحة لا تصنع أتباعًا فقط، بل تصنع أصحاب بصيرة.
سقوط الدولة يبدأ حين تتحول الخلافات إلى ثارات
أخطر
ما تكشفه هذه المرحلة التاريخية أن ضعف المؤسسات يجعل المجتمع يعود إلى منطق القوة
الشخصية، فحين يضعف القضاء، وتغيب المرجعية الجامعة، تتحول القضايا الكبرى إلى
صراعات أفراد وجماعات، وهذا درس يتجاوز التاريخ الإسلامي إلى كل المجتمعات:
- المؤسسات تحمي الناس من نزوات
الأفراد.
- القانون يمنع تحول الغضب إلى
انتقام.
- العدالة المؤسسية تحفظ المجتمع
من دوامة الثأر.
وهنا
يظهر بوضوح أن الدول لا تسقط فقط بسبب ضعف الاقتصاد أو الجيوش، بل حين تفقد قدرتها
على إدارة الاختلاف.
التاريخ لا يعيد نفسه.. لكنه يكشف الإنسان
قصة
محمد بن أبي بكر ليست مجرد قصة رجل انتهى في زمن مضطرب، بل هي نافذة على طبيعة
الإنسان حين تختلط السياسة بالعاطفة، وحين يصبح الحماس أكبر من القدرة على
التقدير.
وفي
هذه القصة تتجمع دروس كثيرة؛ أن الدماء إذا أُطلقت جرّت وراءها دماء، وأن القيادة
تحتاج إلى بصيرة لا إلى اندفاع فقط، وأن الإنسان مهما كان شريف النسب يحتاج إلى
عمله، وأن الفتن لا ينجو منها إلا من جمع بين العلم والحلم والنظر في العواقب.
ويبقى أعظم درس؛ أن قوة الإنسان ليست في اللحظة التي ينتصر فيها، بل في قدرته على أن يزن خطواته قبل أن يدخل الطريق الذي قد لا يستطيع الرجوع منه.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً