سُنة الفتنة والتمحيص.. قراءة بيانية في فقه الابتلاء وصناعة اليقين
يفتتح الله
سبحانه سورة «العنكبوت» بقاعدة عقدية وقانون اجتماعي صارم، يكسر أوهام النفس
البشرية التي قد تظن أن طريق الجنة مفروش بالورود، أو أن مجرد النطق بكلمة التوحيد
كافٍ للنجاة والاصطفاء.
يقول تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن
يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ {2} وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت).
إن الابتلاء سُنة
الله الجارية في خلقه، فليس هو استثناءً طارئاً في حياة المؤمن، بل هو المقياس
الدقيق الذي به يتميز الصدق من الادعاء، ويُعرف به الخبيث من الطيب، فمجرد ادعاء
الإيمان لا يكفي، بل لا بد من اختبار يميز الصادق من المدّعي، وهذا الاختبار قد
يتخذ صوراً شتى؛ فقد يكون بالشر والشدائد كالأمراض والفقر والفقد، وقد يكون بالخير
والنعم كالصحة والسعة والجاه، كما قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء: 35).
فالمؤمن يُختبر
في شكر النعمة كما يُختبر في صبر المحنة، ويُمتحن ثباته على الطاعة في ظل التحديات
المعاصرة التي تكتنف واقعنا اليوم.
وقفات لغوية وبيانية
تتجلى عبقرية
البيان القرآني في هذه الآيات من خلال دقة اختيار الألفاظ وصيغ التعبير، على النحو
التالي:
1- الاستفهام
الإنكاري (أَحَسِبَ النَّاسُ): تبدأ الآية بالهمزة للاستفهام الإنكاري، وهو هنا لا
يراد به طلب الجواب، بل التوبيخ والتنبيه؛ ليوقظ القلوب إلى أن مجرد اللفظ لا
يكفي، وليقرر أن الامتحان واقع لا محالة، وأن الإيمان يمر بمراحل من التمحيص تكشف
عمقه أو سطحه.
2- حتمية
الاختبار (أن يتركوا): جاءت «أن» وما دخلت عليه في تأويل مصدر الترك، والآية تنفي
هذا الترك؛ إذ لا يُتصور في السُّنّة الإلهية أن يُترك من يدّعي الإيمان بلا
اختبار يصدّق قوله أو يكذبه.
3- فلسفة «الفتنة»
في اللغة: قوله تعالى: (يُفْتَنُونَ) جاء بصيغة الفعل المضارع المبني لم لما يسمَّ
فاعله؛ لأن الابتلاء في الحقيقة بتقدير الله، فتركيز السياق انصبّ على الحدث نفسه
(الابتلاء) لا على الفاعل، ولفظ «فتن» في أصل اللغة يعني وضع الذهب في النار
لتخليصه من الشوائب، وهذا من أبلغ التشبيهات؛ فالمحن للمؤمن كالنار للذهب، لا تزيد
الذهب إلا نقاءً وصفاءً، ولا تزيد المؤمن إلا صلابةً ويقيناً.
4- تأكيد الوقوع
(ولقد فَتَنَّا): استخدام «اللام» و«قد» والفعل الماضي يدل على التحقق والوقوع
التاريخي الفعلي، فهي سنة لا تتبدل بمرور الزمان.
5- تأكيد العلم
(فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ): اللام هنا موطئة للقسم، والفعل مؤكد بنون التوكيد
الثقيلة، والعلم هنا ليس علماً بجديد -فالله يعلم كل شيء أزلاً- ولكنه علم الظهور
والوقوع الذي يترتب عليه الجزاء والحساب، لتُقام الحجة على العباد بوقائع أفعالهم.
6- دقة التباين
بين (صَدَقُوا) و(الْكَاذِبِينَ): تأمل كيف جاء الفعل ماضياً مع الصادقين ليدل على
ثبات صدقهم واستقراره، كأن صدقهم صار حقيقة راسخة بعد اجتياز الامتحان، بينما عبّر
بصيغة اسم الفاعل مع «الْكَاذِبِينَ» ليدل على أن الكذب صار صفة لازمة ومتجددة
فيهم بعد رسوبهم في الابتلاء.
المقاصد التربوية والإيمانية ورسائل الثبات
1- الانتقال
النفسي من الظن إلى اليقين: ينتقل بنا النص من الاستفهام (لإعمال العقل)، ثم
التقرير التاريخي (للتأنيس والتثبيت)، وصولاً إلى القسم (لتحقيق اليقين)، هذا
التسلسل يمنح المؤمن طمأنينة نفسية بأن ما يمر به هو امتداد لمسيرة الأنبياء
والصالحين، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل
فالأمثل».
2- التدرج من
التدين الشكلي إلى العملي: إن الواقع الصعب الذي نعيشه اليوم ينقل المؤمن من حالة التدين
اللفظي إلى التدين التطبيقي؛ حيث يصبح الصبر على الفتن ومواجهة الاضطرابات الفكرية
والتمسك بأصول الدين هو البرهان العملي؛ فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.
3- الابتلاء
علامة اصطفاء لا غضب: التربية القرآنية تعلمنا أن المحنة ليست دليلاً على سخط
الله، بل هي أداة للتمييز والاختيار، لقوله تعالى: (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا
أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (آل عمران: 179)،
فالبلاء يطهر الصف المؤمن من الدخلاء والمذبذبين.
4- الترابط
الزمني والمواساة التاريخية: الربط بين الماضي (فتنَّا) والحاضر والمستقبل
(ليعلمَنَّ) يخبرنا أن المعركة بين الصدق والكذب قديمة ومستمرة، وأن العاقبة
دائماً لمن صدق وثبت على مبادئه رغم الأعاصير.
إن الواقع الصعب
الذي نعيشه الآن في ظل التحديات المعاصرة ينقل المؤمن من حالة التدين الشكلي إلى التدين
العملي التطبيقي؛ حيث يصبح الصبر على الفتن، ومواجهة الاضطرابات الفكرية، والتمسك
بأصول الدين هو البرهان العملي على صدق الكلمة التي نطق بها اللّسان؛ فالإيمان ما
وقر في القلب وصدقه العمل، والمؤمن يتعامل مع الفتن بوصفها مجالًا لإثبات صدق
الإيمان، لا سببًا لليأس أو الانكسار.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً