يوميات متقاعد (47)

الطريق إلى القمة يبدأ بالثقة والاجتهاد

الطريق إلى القمة يبدأ بالثقة والاجتهاد

في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.

في 14 يونيو 2025م، حدث موقف جميل مع أحد المصلين المحافظين على الصلوات الخمس في مسجد الحي الذي أسكن فيه، كان هذا الشاب قد حصل مؤخراً على درجة البكالوريوس في الهندسة، فباركت له هذا الإنجاز الطيب، خاصة أنه من الشباب المجتهدين الذين يجمعون بين المحافظة على الصلاة والحرص على مستقبلهم العلمي والمهني.

وبعد إحدى الصلوات، استوقفني وسألني سؤالاً مهماً يشغل بال كثير من الشباب الذين يحملون شهادات مشابهة لشهادته، قال لي: هل أستطيع أن أكمل دراسة الماجستير في الهندسة مع أن المسمى المكتوب في شهادتي هندسة تكنولوجيا؟

اختلاف المسميات لا يلغي الحقيقة

سألته مباشرة: هل اعتمدت وزارة التعليم العالي شهادتك بوصفك مهندساً؟ فقال: نعم، ثم سألته: وهل قبلتك جمعية المهندسين عضواً فيها؟ فقال: نعم كذلك.

فقلت له بكل وضوح: إذن أنت مهندس، ولا ينبغي أن تخاف من اختلاف المسمى، فما دامت وزارة التعليم العالي قد اعتمدت شهادتك، وما دامت جمعية المهندسين قد قبلتك عضواً فيها، فأنت تملك الصفة المهنية الكاملة، ويحق لك أن تكمل الدراسات العليا من ماجستير ودكتوراة.

إن بعض الناس يقلقون من مصطلح هندسة تكنولوجيا، ويظنون أنه أقل من بكالوريوس الهندسة التقليدي، بينما الحقيقة أن الطالب يدرس سنوات طويلة، ويجتاز مقررات هندسية معتمدة، ويحصل في النهاية على اعتماد رسمي من الجهات المختصة.

لا تدع المسميات تحطم طموحك

كثير من الشباب اليوم يخافون من بعض المسميات المستحدثة، ويظنون أنها قد تمنعهم من التقدم العلمي أو الوظيفي، مع أن الواقع يثبت غير ذلك، فالجهات الرسمية تعتمد هذه البرامج، والمؤسسات الحكومية تقبل خريجيها، وجمعيات المهندسين تمنحهم العضوية المهنية الكاملة.

لذلك، يجب على الإنسان ألا يسمح لبعض الكلمات أو التصنيفات الشكلية بأن تهدم ثقته بنفسه، المهم هو الاعتماد الرسمي، وجودة الدراسة، والقدرة على تطوير الذات، وليس مجرد اختلاف الاسم المكتوب في الشهادة.

إن الوصول إلى القمة يحتاج أحياناً إلى شجاعة نفسية قبل أي شيء آخر، فالإنسان إذا استسلم للخوف من المسميات أو لنظرة بعض الناس، فقد يضيع على نفسه فرصاً كبيرة.

التناغم اللفظي والتناغم العملي

وفي اليوم نفسه (14 يونيو 2025م)، كنت أواصل التحضير للجلسة رقم 12 من برنامج تدريبي مخصص لمجموعة من أصحاب المناصب العليا العاملين في الكويت، وكانت هذه الجلسة تحمل عنوان «التناغم اللفظي والتناغم العملي».

ويتناول هذا الموضوع كيفية تناغم الإنسان مع الآخرين في طريقة حديثه، وفي أسلوب تعامله، وفي قدرته على احتواء الخلافات والمشكلات، سواء داخل الأسرة، أو في بيئة العمل، أو في المجالس الاجتماعية.

فالإنسان الناجح ليس فقط من يملك المعرفة، بل من يعرف كيف يتحدث، وكيف يحتوي الآخرين، وكيف يخفف التوتر، ويقود الحوار بحكمة واتزان.

أما التناغم العملي، فهو قدرة الفرد على العمل ضمن الفريق، والتعاون مع أعضائه للوصول إلى الهدف الذي أُنشئ الفريق من أجله، وهذه من أهم المهارات القيادية التي تحتاجها المؤسسات اليوم.

وكان هذا البرنامج التدريبي يُعرف سابقاً باسم المدير المحصن، ثم تغير اسمه لاحقاً إلى المدير القيادي، وهو اسم يعكس أهمية القيادة القائمة على الحكمة والاتزان والتأثير الإيجابي.

طبيب يصنع الفرق

وفي 15 يونيو 2025م، أخبرني أحد الأصدقاء، وهو أستاذ جامعي، عن تجربة مميزة مر بها أثناء مراجعته لمستشفى العلاج الطبيعي في الكويت، قال لي: إن الطبيب الذي استقبله، واسمه د. مدحت، كان مختلفاً بصورة لافتة، فقد جلس معه مدة طويلة تقارب نصف ساعة، يشرح له بالتفصيل أسباب الآلام التي يعاني منها، سواء الصداع، أو آلام أسفل الظهر، أو مشكلات الكتف.

وكان هذا الطبيب يجيب عن كل سؤال بهدوء واهتمام، حتى جعل المريض يشعر بأنه يفهم حالته الصحية فهماً حقيقياً، وليس مجرد مراجع ينتهي دوره بأخذ وصفة علاجية سريعة، وفي نهاية الجلسة أوصاه بالعلاج بالإبر الصينية، وقال له: إنها قد تكون نافعة في حالته.

الدنيا ما زالت بخير

حين سمعت هذه القصة شعرت بسعادة حقيقية؛ لأن وجود مثل هؤلاء الناس يؤكد أن الدنيا ما زالت بخير، وأن هناك من يسعى فعلاً للوصول إلى القمة في أخلاقه وعمله وإتقانه.

فهذا الطبيب لم يكتف بأداء واجبه الوظيفي، بل كان حريصاً على أن يشرح للمريض حالته الصحية، وأن يجعله على وعي بما يعانيه، وهذا بحد ذاته جانب إنساني عظيم.

ولهذا بدأت أنقل هذه التجربة للناس، وأقول لهم: إذا ذهبتم إلى مستشفى العلاج الطبيعي فاحرصوا على مراجعة هذا الطبيب، لأنه يحترم المريض، ويمنحه الوقت الكافي، ويشرح له حالته بصورة ممتازة؛ حيث إن نقل التجارب الإيجابية بين الناس أمر مهم، لأنه يشجع أصحاب الإحسان على الاستمرار، ويحفز الآخرين على تطوير أنفسهم.

الصف الأول وأثره في الخشوع

وفي اليوم نفسه (15 يونيو 2025م)، كانت لديَّ معاملة انتهت قبيل إقامة صلاة المغرب بدقائق قليلة، فقررت أن أسرع إلى مسجد الحي حتى أدرك الصلاة هناك، ووصلت بالفعل مع بداية الصلاة تقريباً، لكن الصف الأول كان ممتلئاً بالكامل، وهذا أمر معتاد في مسجدنا؛ لأن كثيراً من المصلين يحرصون على الحضور المبكر من أجل الصف الأول.

فوقفت في الصف الثاني، وهناك بدأت ألاحظ الفارق الكبير بين من يأتي إلى الصلاة مبكراً بسكينة وهدوء، ومن يدخل مسرعاً في آخر اللحظات.

السكينة جزء من العبادة

فالذي يأتي مبكراً يكون قد توضأ بهدوء، وتعطر، وتهيأ للصلاة، وجلس ينتظرها بسكينة، ممتثلاً لقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31).

أما الذي يدخل في اللحظات الأخيرة، فقد يأتي مباشرة من العمل، أو بعد جهد وتعب، أو بثياب مبتلة من الوضوء السريع، أو بروائح مختلفة بسبب طبيعة المهنة التي يعمل بها، والصلاة صحيحة بإذن الله للجميع، لكن الإنسان يشعر فعلاً أن الصف الأول يساعد على مزيد من الخشوع والسكينة والتركيز.

ولهذا جاء الحديث النبوي الشريف مؤكداً عظمة الصف الأول بقوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عليه لاسْتَهَمُوا، ولو يَعْلَمُونَ ما في التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، ولو يَعْلَمُونَ ما في العَتَمَةِ والصُّبْحِ لَأَتَوْهُما ولو حَبْواً»؛ أي أنهم لو أدركوا عظيم الأجر والفضل، لاقترعوا فيما بينهم على من يحظى بمكان في الصف الأول.

العلاقات الجميلة في الصف الأول

ومن الأمور الجميلة التي لاحظتها أيضاً أن أهل الصف الأول غالباً يعرف بعضهم بعضاً، بحكم المواظبة اليومية، فتجد بينهم مودة وسؤالاً وتعاوناً وتعارفاً مستمراً.

أما الصفوف الخلفية، فكثير من المصلين يكون حضورهم متقطعاً أو سريعاً، فلا تتكون تلك العلاقة القريبة التي تنشأ بين المحافظين على الحضور المبكر؛ لذلك فإن الحرص على الصف الأول ليس مجرد بحث عن مكان متقدم، بل هو حرص على السكينة، والخشوع، والصحبة الطيبة، والاقتداء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ليلِني منكُم أولو الأحلامِ والنُّهى ثمَّ الَّذينَ يَلونَهُم، ثمَّ الَّذينَ يلونَهُم».

فالإنسان حين يحرص على هذه المعاني، فإنه لا يقترب فقط من الإمام في المكان، بل يقترب كذلك من معاني الطمأنينة والانضباط والارتقاء الروحي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة