يوميات متقاعد (46)
المحبة الصادقة وأثرها في الحياة
في هذه السلسلة
من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.
في 13 يونيو
2025م، وقع موقف جميل ترك أثراً عميقاً في نفسي، وأعاد إلى ذهني معنى المحبة
الصادقة بين الناس، ففي مسجد الحي الذي أسكن فيه يوجد أحد المصلين ممن أحبهم
ويحبونني، وقد قذف الله محبته في قلبي، كما أرجو أن يكون قد قذف محبتي في قلبه
كذلك، وهذا الرجل، كلما رآني أدخل المسجد، سارع إلى مطالبة بعض المصلين بإفساح
مكان لي في الصف الأول خلف الإمام مباشرة.
وكان يفعل ذلك
من باب حرصه على تطبيق الحديث النبوي الشريف الذي يدعو إلى أن يقف خلف الإمام أولو
الأحلام والنهى، ومع ذلك، كنت أشعر بشيء من الحرج من هذه الطريقة؛ لأن هناك حديثاً
نبوياً آخر عظيم المعنى: «لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ
الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عليه لاسْتَهَمُوا» (صحيح
البخاري)، وهذا يدل على أن الأسبق إلى المسجد هو الأحق بالمكان المتقدم، وأن الصف
الأول ينبغي أن يكون لمن بادر وجاء مبكراً.
اهتمام يتجاوز الكلمات
هذا الأخ الكريم
لم يكن اهتمامه مقتصراً على موضوع الصف الأول فقط، بل كان يلاحظ أدق التفاصيل
المتعلقة بي، ففي أحد الأيام رآني أقرأ من غير مصحف ورقي، فبادر إلى شراء مصحف لي
من الطبعة الأميرية القديمة، وهي الطبعة التي حفظت القرآن الكريم عليها منذ سنوات
طويلة.
وهذه الطبعة
بالتحديد أرتبط بها ارتباطاً وثيقاً؛ لأن حافظ القرآن غالباً ما يربط الحفظ بمكان
الآيات في الصفحات، فيتذكر موضع الآية في الجهة اليمنى أو اليسرى، أو في أعلى
الصفحة أو أسفلها، ولهذا فإن تغيير المصحف قد يربك الحفظ عند كثير من الحفّاظ،
وهذه مسألة يعرفها أهل القرآن جيداً.
النفوس الطيبة تنجذب إلى بعضها بعضاً ولأن
الإنسان بطبيعته يميل إلى من يقدره ويحسن إليه
وقد طلب هذا
الأخ من أحد أصدقائه في دمشق، في الجمهورية العربية السورية، أن يشتري هذا المصحف
من معرض الكتاب العربي، ثم أرسله إلى الكويت خصيصاً من أجلي، ولم يتوقف الأمر عند
هذا الحد، بل لاحظ أخ ثانٍ أيضاً أنني لا أملك حاملاً مناسباً للمصحف، فذهب واشترى
لي حاملاً من إحدى الأسواق الشعبية.
صور من الوفاء النادر
ثم رأى أن مصحفي
لا يوجد له غلاف قماشي يحفظه، فذهب إلى أحد الخياطين، وخاط لي جيباً قماشياً خاصاً
بالمصحف حتى يبقى محفوظاً ونظيفاً، وبعد ذلك لاحظ الأخ الأول أنني أضع قطعة صغيرة
تحت المصحف أثناء القراءة حفاظاً عليه، فاشترى لي سجادة صغيرة مخصصة لذلك.
كانت هذه
التصرفات البسيطة تحمل في داخلها معاني كبيرة من المحبة والوفاء والاهتمام،
والحقيقة أنني كنت أبادلهما المحبة والاهتمام كذلك؛ لأن النفوس الطيبة تنجذب إلى
بعضها بعضاً، ولأن الإنسان بطبيعته يميل إلى من يقدره ويحسن إليه.
كيف نحل الإشكالات بلطف؟
لكن بقي السؤال
في ذهني: هل ما يفعله هذا الأخ صحيح تماماً أم لا؟ وهل من المناسب أن يُزاح بعض
المصلين من أماكنهم من أجل شخص آخر؟
لذلك ذهبت إلى
إمام مسجدنا، وشرحت له الموقف بالتفصيل، فأعطاني نصيحة جميلة جداً قال فيها: عليك
أن تأتي إلى المسجد مبكراً حتى تتجنب هذا السلوك.
وكانت نصيحة
حكيمة بالفعل، فمنذ ذلك اليوم أصبحت أحرص على الحضور إلى المسجد قبل الأذان بوقت
كافٍ، حتى أجد مكاناً لي في الصف الأول بصورة طبيعية، ومن غير أن أسبب أي حرج
لأحد.
أما في صلاة
الفجر، فأصبحت أذهب مع الأذان الأول تقريباً؛ لأن مسجدنا من المساجد التي تمتلئ
سريعاً بالمصلين، ومن يتأخر قليلاً قد لا يجد له مكاناً في الصف الأول.
مشهد يبعث على التفاؤل
ومن الأمور التي
تبعث على السرور أن المسجد الذي نصلي فيه يشهد إقبالاً كبيراً من الناس على جميع
الصلوات، ففي صلاة الفجر تمتد الصفوف إلى أربعة صفوف تقريباً، وكذلك في الظهر
والعصر والمغرب والعشاء.
الإقبال على الصلاة يبعث في النفس الأمل وأن
الخير لا يزال موجوداً وأن المساجد ما زالت عامرة
وإذا نظرت إلى
عدد المصلين وجدت أن كل صف يضم قرابة مائة وعشرين مصلٍّ؛ أي أن المسجد يحتضن في
المتوسط نحو 500 مصلٍّ في كل فرض، أما صلاة الجمعة، فهي قصة أخرى؛ إذ يصعب على
الإنسان أن يجد مكاناً داخل المسجد إذا تأخر قليلاً.
وأذكر أنني دخلت
مرة قبل صعود الخطيب إلى المنبر بعشر دقائق، فلم أجد مكاناً مناسباً داخل المسجد،
واضطررت للصلاة في الساحة الخارجية، أما من أراد الصف الأول يوم الجمعة، فعليه أن
يأتي قبل الصلاة بوقت طويل قد يصل إلى 45 دقيقة أو أكثر.
وهذا الإقبال
الكبير على الصلاة يبعث في النفس الأمل، ويؤكد أن الخير لا يزال موجوداً في الناس،
وأن المساجد ما زالت عامرة بذكر الله.
الحرص على العلم دون إطالة الطريق
وفي 14 يونيو
2025م، جاءني أحد الطلاب الذين أنهوا دراسة الماجستير في المحاسبة، وكان قد تقدم
إلى بعثة دراسية لدراسة الدكتوراة، وقد تم قبوله بالفعل، لكن الجهة المسؤولة طلبت
منه أن يحول تخصصه إلى التسويق بدلاً من المحاسبة.
وكانت المشكلة
أنهم اشترطوا عليه إعادة دراسة الماجستير مرة أخرى في التسويق قبل السماح له
بدراسة الدكتوراة، فسألني عن رأيي، وهل يعيد الماجستير أم يبحث عن حل آخر؟
فقلت له بصراحة:
لو كنت مكانك لما أعدت الماجستير من جديد؛ لأن ذلك سيستهلك سنوات طويلة من عمرك،
بينما يمكنك أن تحاول إقناعهم بقبولك في الدكتوراة مباشرة، أو تبحث عن جهة أخرى
تسمح لك بإكمال دراستك من غير إعادة الماجستير.
وقد اقتنع
بالفكرة، وبدأ بالفعل في التقديم على جهات حكومية أخرى، على أمل أن يجد فرصة
مناسبة لدراسة الدكتوراة سواء في التسويق أو في المحاسبة، من غير أن يضطر إلى
إضاعة سنوات إضافية.
مدينة الأيتام
وفي اليوم نفسه (14
يونيو 2025م)، تم إنشاء مجموعة جديدة على تطبيق «واتساب» بعنوان «مدينة الأيتام»،
وكان اسماً جميلاً ومؤثراً يحمل في داخله رسالة إنسانية عظيمة.
وقد خُصص
المشروع في بدايته لأيتام غزة، لكن الفكرة توسعت لتشمل أيتاماً في بلدان عربية
أخرى كذلك، فهناك مشرفون يتابعون أوضاع الأيتام في سورية، واليمن، ولبنان، وليبيا،
ومصر، وغيرها من البلدان.
العمل مع الأيتام يمنح الإنسان شعوراً
عظيماً بالمعنى وأن أبسط جهد قد يصنع أثراً كبيراً في حياة الطفل
وقد قمت من خلال
جمعية خيرية بمتابعة أحوال 10 أيتام في غزة ينتمون إلى 3 عائلات مختلفة، وكانت
المتابعة تشمل التواصل معهم، والسؤال عن دراستهم وأحوالهم النفسية والمعيشية،
وإرسال مقاطع صوتية تعليمية لهم، ثم مطالبتهم بتلخيص هذه المقاطع وإرسال التلخيصات
لي.
وكان الهدف من
ذلك تنمية مهاراتهم وتشجيعهم على التعلم والتفاعل، وقد وضعنا نظام نقاط تحفيزياً،
بحيث يحصل الطفل المتميز في التلخيص على 10 نقاط كاملة.
والحقيقة أن بعض
هؤلاء الأيتام كانوا يبدعون بصورة مؤثرة، حتى إن الإنسان يشعر أحياناً أنه يتعلم
منهم الصبر والإصرار رغم الظروف الصعبة التي يعيشونها.
إن العمل مع الأيتام يمنح الإنسان شعوراً عظيماً بالمعنى والرسالة، ويجعله يدرك أن أبسط جهد قد يصنع أثراً كبيراً في حياة الطفل الذي فقد كثيراً من الأشياء، لكنه لا يزال يتمسك بالأمل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً