مرجع الضمير وأثره الفقهي عند ابن حزم الظاهري (1)

قاعدة «أقرب مذكور» بين الإلزام والترخص

د. رمضان فوزي

27 يوليو 2026

124

قاعدة «أقرب مذكور» بين الإلزام والترخص

الأصل في العربية -كما عليه جمهور اللغويين والنحاة- أن يعود الضمير إلى متقدِّم عليه في الذكر، فإذا تعددت المراجع فالأصل أن ينصرف إلى أقربها، غير أن العربية ليست لغة جامدة تحكمها القواعد المجردة وحدها، وإنما هي لغة يوجهها المعنى، ويهديها السياق، وتراعي مقتضى الحال؛ ولذلك قد يتخلف هذا الأصل في مواضع، فيعود الضمير إلى غير أقرب مذكور إذا دلَّت القرائن على ذلك، فتغدو القرينة أبلغ في توجيه الضمير من مجرد القرب اللفظي. ومن هنا نشأت بين العلماء مناقشات دقيقة، لم تقف آثارها عند حدود الإعراب والتفسير، بل امتدت إلى استنباط الأحكام الفقهية من النصوص الشرعية.

وحول مرجعية الضمير يقول ابن مالك: "لما كان ضمير الحاضر مفسرا لمشاهدة تقارنه، ولم يكن لضمير الغائب مشاهدة تقارنه جعلوا تقديم مفسِّره خلفا عما فاته من مقارنة المشاهدة، ومقتضى هذا القصد تقديم الشعور بالمفسر كما يتقدم الشعور بذات يصلح أن يعبر عنها بضمير حاضر. واللائق بالمفسِّر لكونه جزءا من المفسَّر في تكميل وضوحه أن يتصل به؛ فلذلك إذا ذكر ضمير واحد بعد اثنين فصاعدا جُعل للأقرب، ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج"(1).وقال أبو حيان: "وضمير الغائب يحتاج إلى مفسر، والأصل في مفسره أن يكون متقدما عليه، فإذا تقدم عليه اسمان مستويان في الإسناد كان الضمير عائدا على الأقرب، إلا إن دل دليل على أنه لغير الأقرب"(2).

مواضع يجوز فيها الترخص

ذكر د. تمام حسان عدة مواضع من القرآن الكريم جاز فيها الترخص في عودة الضمير إلى أقرب مذكور مع أمن اللبس، منها:

1- قوله تعالى: (لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ {7} إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) (يوسف)؛ فالواو في "قالوا" تصلح للإخوة وللسائلين، ولكن القرينة تجعلها للإخوة وتحول بينها وبين أن تكون للسائلين، وهذه القرينة هي قول الإخوة (أحب إلى أبينا)؛ لأن الأب لم يكن أبا للسائلين.

2- وقوله تعالى: (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) (يوسف: 17)؛ فالضمير في "أكله" يصلح ليوسف وللمتاع، ولكن القرينة تجعل الضمير ليوسف؛ لأنه لم يعهد من الذئاب أكل الأمتعة.

3- وقوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً {32} كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً {33} وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ) (الكهف)؛ فالضمير في (له ثمر) يصلح لأحدهما وللنخل وللزرع وللنهر، وواضح أن الثمر لا يكون للنهر وهو أقرب مذكور، وإنما يكون لأحد الرجلين فهما أولى به من النخل والزرع(3).

مرجع الضمير عند ابن حزم

عقد ابن حزم الظاهري فصلا في كتاب "الإحكام في أصول الأحكام" عن الضمير ومرجعيته سماه "الكناية بالضمير"، يقول فيه: "والضمير راجع إلى أقرب مذكور لا يجوز غير ذلك؛ لأنه مبدل من مخبر عنه أو مأمور فيه. فلو رجع إلى أبعد مذكور لكان ذلك إشكالا رافعا للفهم، وإنما وضعت اللغة للبيان. ألا ترى أنك لو قلت: (أتاني زيد وعمرو وخالد فقتلته) أنه لا خلاف بين أحد من أهل اللغة في أن الضمير راجع إلى خالد، وأنه لا يجوز رده إلى زيد ولا إلى عمرو؟

فإن وجد يوما ما في شيء من النصوص رجوع الضمير إلى أبعد مذكور فهو بمنزلة ما ذكرنا من نقل اللفظ عن موضوعه في اللغة.

ولو قال: أتاني زيد وعمرو وخالد وعبد الله فقتلتهم؛ لكان راجعا بلا خلاف بين أحد من أهل اللغة إلى جميعهم وكلهم"(4).

ثم ساق مثالا تطبيقيا على ذلك فقال: "ومما يبين أن الشرط في آية التحريم(5) إنما هو في الربائب لا في أمهات النساء ما ذكرنا من أن الضمير راجع إلى أقرب مذكور، والضمير في جمع المؤنث في قوله تعالى (دخلتم بهن) راجع لما قدمنا إلى أقرب مذكور إليه لا يجوز غير ذلك، وأقرب مذكور إليه أمهات ربائبنا؛ فوجب أن يكون راجعا إليهن على ما قدمنا، وبالله التوفيق"(6).

وقال أيضا في سياق حديثه عن دية قتل المؤمن خطأ، كما سيأتي لاحقا: "والضمير في لغة العرب لا يرجع إلا إلى أقرب مذكور قبله إلا ببرهان يدل على غير ذلك"(7).

وقفات حول الموقف النظري لابن حزم من مرجع الضمير

بتأمل كلام ابن حزم -السابق تناوله- من الناحية النظرية يلاحظ ما يلي:

ما ذكره ابن حزم متفق مع ما ذهب إليه جمهور النحاة من عودة الضمير على أقرب مذكور، مع الترخص في ذلك إذا أمن اللبس، وإن كان ابن حزم في الإحكام قد سمى الترخص في هذا الأمر "نقلا للفظ عن موضوعه في اللغة"، وأجاز ذلك في المحلى ببرهان كما مر في النصين السابقين.

وهذا يتسق مع ظاهرية ابن حزم؛ حيث تشدد في مسألة عود الضمير على أقرب مذكور، مهدرا بعض القرائن الأخرى التي تسوغ الترخص في هذا الأمر، كما سيتضح في الجانب التطبيقي في الحلقات القادمة.

اقتصر ابن حزم في حديثه عن عود الضمير على حالة واحدة، وهي "عود الضمير على أقرب مذكور"، ولم يتطرق لباقي الحالات مثل: أن الأصل في الضمير أن يعود على الاسم المتقدم، وقد يعود على متأخر في اللفظ متقدم في الرتبة، وأنه قد يستغني عن المفسر في اللفظ بما يدل عليه حسا، وقد يدل على المفسر للعلم به وإن لم يتقدم له ذكر، وقد يتقدم معنى المفسر ولا يتقدم لفظه صراحة، وقد يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة وذلك كضمير الشأن والقصة ونعم وبئس والتنازع(8).. وغيرها من الحالات التي لم يشر إليها ابن حزم، وإن كان لبعضها تأثير في توجيه بعض الأحكام.

كانت هذه وقفات مع الرأي النظري لابن حزم الظاهري مع مرجع الضمير مسبوقا برأي غيره من علماء اللغة والنحاة. وفي الحلقات القادمة إن شاء الله سنرى أثر التطبيق الفقهي لمرجع الضمير عند ابن حزم.

الهوامش
  • 1 شرح التسهيل (1/ 156، 157).
  • 2 ارتشاف الضرب من لسان العرب (1/ 481).
  • 3 انظر: البيان في روائع القرآن، ص 234، د. تمام حسان، عالم الكتب، ط1 (1993م).
  • 4 الإحكام لابن حزم (4/ 26، 27).
  • 5 يقصد قول الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) (النساء: 23).
  • 6 الإحكام (4/ 27).
  • 7 المحلى (10/ 358).
  • 8 ينظر: شرح التسهيل (1/ 156، 157)، وارتشاف الضرب من لسان العرب (1/ 481)، أبو حيان الأندلسي، تحقيق د. مصطفى أحمد النماس، مطبعة المدني بمصر، ط1 (1404هـ/ 1984م). والبرهان في علوم القرآن (4/ 39)، بدر الدين محمد بن عبدالله بن بهادر الزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، ط1 (1376هـ/ 1957م).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة