الخطيب الشربيني وبراعة التفسير اللغوي لآيات التنزيل (1 - 3)
الخطيب الشربيني.. سيرة العالم الزاهد ومسيرة البيان الموسوعي
لا يزال التراث
الإسلامي مدرسةً ثرية لا تنضبُ معارفُها، ولا يخبو بريقُ عقولِها التي سهرت على
حفظِ الدينِ ونقلِ العلومِ؛ ومن بينِ هذه القاماتِ السامقةِ التي أثرت المكتبةَ
الإسلاميةَ بعطاءٍ فكريٍّ متدفقٍ، يبرزُ اسمُ العلامةِ "الخطيب
الشربيني"؛ ذلك العالمُ الموسوعيُّ الذي استحقَّ عن جدارةٍ أن يكونَ أحدَ
أعمدةِ الفقهِ الشافعي في عصره.
إنَّ الغوصَ في
حياة الشيخ الشربيني رحلةٌ في عقليةٍ جمعت بين دقةِ الفقيهِ، ونظرةِ اللغويِّ،
وخشوعِ العابدِ الزاهدِ.
ومن هذا
المنطلقِ، تأتي هذه السلسلة العلمية لتقفَ وقفاتٍ متأنيةً مع هذا العَلَمِ الفذّ؛
حيث نُبحرُ عبر ثلاثِ محطاتٍ رئيسةٍ:
في حلقتنا
الأولى (اليوم): نفتحُ "سيرةَ المسيرةِ"، لنرسم معالم حياته، ونقف على
نشأتِه، وشيوخِه الذين أخذَ عنهم، ونستكشفَ ملامحَ شخصيتِه التي أجمعَ معاصروه على
صلاحِها وعلمِها، لنرى كيف صاغَ الشربينيُّ من حياتِه نموذجاً للعالمِ الربانيِّ
العاملِ بعلمِه.
وفي الحلقة
الثانية -بمشيئة الله- ننتقلُ إلى "التفسيرِ واللغةِ"، لنتأمل ملامح
التفسيرِ اللغوي في موسوعته القرآنية "السراج المنير"، ملقين الضوء على
مناهجه في تحليلِ التراكيبِ القرآنيةِ وتوجيهِ المعاني.
وفي ختامِ
سلسلتِنا (الحلقة الثالثة): نغوصُ في "عالمِ القراءاتِ"، لنكشفَ عن
منهجه اللغوي في التعامل مع القراءات القرآنية المتنوعة.
سيرته ومسيرته
يعد الخطيب شمس
الدين محمد بن أحمد الشربيني القاهري الشافعي، المعروف بالخطيب الشربيني من
العلماء الموسوعيين في العلوم الشرعية والعربية؛ حيث ترك تراثا علميا كبيرا، متنوع
المشارب ومتعدد الفنون، يدل دلالة واضحة على أنه كان صاحب عقلية علمية فذة في
زمانه؛ فقد كتب في علم العقيدة وفي الفقه وفي التفسير وفي النحو والصرف وفي
البلاغة.
وفي هذه السطور
سنلقي الضوء على حياة الرجل ونشأته وشيوخه ونشأته العلمية وأهم آثاره في مختلف
الفنون، وسنخصص مقالين آخرين للمحات اللغوية في تفسيره.
ذكر الأستاذ علي
مبارك في (الخطط التوفيقية) أن لقب (الشربيني) نسبة إلى مدينة (شربين) التي ولد
فيها، وكانت تابعة آنذاك لمحافظة (الغربية) بجمهورية مصر العربية، وهي الآن تابعة
لمحافظة (الدقهلية)(1).
وأطلق عليه أيضا
(القاهري) لأنه أقام بعد ذلك في القاهرة؛ فقد نقل الشعراني أنه كان من عاداته
–رحمه الله- "أن يدخل الجامع الأزهر من أول ليلة الصيام؛ فلا يخرج من الجامع
إلا بعد صلاة العيد"(2).
أما تاريخ مولده
فلم تشر إليه كتب التراجم، ويرجح أن مولده كان في نهايات القرن التاسع الهجري أو
بدايات القرن العاشر؛ ذلك لأن من أوائل شيوخه الذين تتلمذ عليهم الشيخ زكريا
الأنصاري، الذي توفي 927هـ؛ ويُستنبط من ذلك أن مولد الشربيني كان قبل هذا التاريخ
بفترة زمنية تصلح لتلمذته وأخذه عن الشيخ زكريا.
شيوخه
تتلمذ الشيخ
الخطيب الشربيني على عدد من علماء عصره كما ذكرت كتب التراجم، منهم:
1- الشيخ زكريا
الأنصاري: أبو يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي المصري
الأزهري الشافعي شيخ مشايخ الإسلام في عصره، علامة محقق وفهامة مدقق، لسان
المتكلمين وسيد الفقهاء والمحدثين، من كتبه: فتح الرحمن في التفسير، وتحفة الباري
على صحيح البخاري، وشرح شذور الذهب في النحو، وغيرها. توفي 927، وقيل: 926هـ.
2- الشيخ نور
الدين المحلي: فقيه شافعي، درس وأفتى بالمحلة الكبرى، كان مشهورا بحل مشكلات
العبادات في الأصول والفقه، وله شروح في كتب الشافعي، توفي سنة 930هـ.
3- الشيخ أحمد
البرلسي الملقب بـ(عميرة): فقيه مصري شافعي، معروف بالزهد والورع، له حاشية على
شرح منهاج الطالبين للمحلي، توفي سنة 957هـ.
4- الشيخ شهاب
الدين الرملي: الشافعي الأنصاري المصري، انتهت إليه الرياسة في العلوم الشرعية،
وعاش حتى صار الشافعية كلهم تلامذته، من كتبه: شرح كتاب الزبد في الفقه لابن
أرسلان، وشرح منظومة البيضاوي في النكاح، ورسالة في شروط الإمامة. توفي 957هـ.
كما تتلمذ
الشربيني أيضا على الشيخ نور الدين الطهواني، والشمس محمد بن عبد الرحمن بن خليل
النشلي الكردي، والبدر المشهدي، والشيخ ناصر الدين الطبلاوي، وغيرهم، وأجازوه
بالإفتاء، والتدريس، فدرس، وأفتى في حياة أشياخه، وانتفع به خلائق لا يحصون.
صفاته ومناقبه
كان -رحمه الله-
ممَّن أجمع أهلُ مصر على صلاحه وعلمه وعمله وزهده وورعه، مع كثرة النُّسكِ
والعبادةِ، كثير التواضع، شديد الحياء.
ومما يروى عنه
رحمه الله- أنه كان من عادته أن يعتكف من أول شهر رمضان فلا يخرج من الجامع إلا
بعد صلاة العيد.
وكان إذا حجَّ
لا يركب إلا بعد تَعبٍ شديدٍ حيث كان يمشي كثيرًا وينزل عن الدَّابةِ، وكان أثناء
طريق الحج يكثر من تعليم الناس المناسك، وآداب السفر، ويحثهم على الصلاة، ويعلمهم
كيفية القصر والجمع، وكان يكثر من تلاوة القرآن في الطريق وغيره، وإذا كان بمكة
أكثر من الطواف، ومع ذلك كان يصوم بمكة والسفر أكثر أيامه، وربما يعطي السائل
عشاءه ويبيت تلك الليلة طاويًا، وفي غالب لياليه يكتفي بشرب ماء زمزم، وكان الشيخ
الشعراني -رحمه الله- قد حجَّ معه عام 947هـ وأورد أحوال الشيخ العالية مع كونه
كان في شبابه في تلك الفترة، وكان يؤثر الخمول وعدم الشهرة، ولا يكترث بأشغال
الدنيا.
وكان -رحمه
الله- كثير الزيارة لقبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يستخير ربه في الروضة
الشريفة إذا همَّ بأمرٍ من الأمور، فيروى أنه لم يكتب حرفًا في كتابه «مغنى
المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» إلا بعد أن يذهب إلى زيارة رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-، ويصلى ركعتين بنية الاستخارة في الروضة الشريفة.
وبالجملة فقد
كان -رحمه الله- آية من آيات الله تعالى، وحجة من حججه على خلقه.
آثاره ومكانته العلمية
ترك الخطيب
الشربيني تراثا علميا كبيرا، متنوع المشارب ومتعدد الفنون؛ وهو ما يدل دلالة واضحة
على أنه كان صاحب عقلية علمية فذة في زمانه؛ فقد كتب في علم العقيدة وفي الفقه وفي
التفسير وفي النحو والصرف وفي البلاغة.
وصاحب هذا
التراث المتعدد المتنوع لا بد أن يكون صاحب نفَس طويل ونفْس صبورة في طلب العلم
والمثابرة على تلقيه من مظانه الأساسية، ولا عجب في ذلك بالنسبة لشيخنا الشربيني؛
فقد نقل الإمام الشعراني أنه -رحمه الله- "لم يزل مكبًّا على الاشتغال بالعلم
والعمل به وتعليمه للناس، ولا يرى إلا في مطالعة علم أو صلاة أو قراءة أو
صيام"(3).
وتبدو ثقافة
الشربيني النحوية من خلال كثرة التوجيهات النحوية للآيات القرآنية، واعتماده على
ذلك في استنباط معاني الآيات؛ فهو يأخذ من الإعراب ما يعينه على فهم الآيات وتحليل
التراكيب القرآنية، وهو ظاهر التأثر بالزمخشري في (الكشاف) والبيضاوي في (أنوار
التنزيل)، كما أنه يتميز بدقة العبارة –كعادة الفقهاء- وإيجازها، كما يلاحظ من
خلال تفسيره سعة اطلاعه على آراء النحاة والمفسرين والمعربين؛ فهو كثيرًا ما يشير
إلى آراء سيبويه وابن مالك وابن هشام وأبي حيان وغيرهم من مشاهير اللغويين.
وفيما يلي أبرز
آثار الشيخ ومصنفاته في العلوم المختلفة:
أولاً: في علم التوحيد:
1- شرح منهاج
الدين في شعب الإيمان (و"منهاج الدين" للشيخ الإمام أبي عبد الله حسين
ابن الحسن الحليمي الجرجاني الشافعي المتوفى 403 هـ، وهو كتاب جليل في نحو ثلاثة
مجلدات، فيه أحكام كثيرة ومسائل فقهية، وغيرها مما يتعلق بأصول الدين).
ثانياً: في التفسير:
2- السراج
المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير (سنفرد له مقالين
خاصين به إن شاء الله تعالى، نتناول في أحدهما الملامح اللغوية للشيخ في التفسير،
وفي الآخر موقفه اللغوي في توجيه القراءات القرآنية).
ثالثاً: في الفقه:
1- الإقناع في
حل ألفاظ أبي شجاع (هو شرح مطول حافل على متن الغاية والتقريب في الفقه الشافعي
لأبي شجاع).
2- مغني المحتاج
في شرح منهاج الطالبين للنووي (من أهم شروح كتب الفقه على المذهب الشافعي، حيث شرح
به المؤلف كتاب منهاج الطالبين للنووي. ويعتبر الكتاب جامعاً لأحكام العبادات
والمعاملات، متميزاً بدقة العبارة وسلاسة الأسلوب، وحسن الترتيب، مدعوماً بالأدلة
بدون مقارنة مع المذاهب الأخرى).
3- شرح التنبيه
(شرح على كتاب التنبيه في فروع الشافعية لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي
الفقيه الشافعي المتوفى سنة 476 هـ).
4- مناسك الحج
في الفقه الشافعي.
رابعاً: في النحو والصرف:
1- شرح شواهد
القطر في النحو.
2- فتح الخالق
المالك في حل ألفاظ ألفية ابن مالك.
3- الفتح
الرباني في حل ألفاظ تصريف عز الملة الزنجاني.
4- نور السجية
في حل ألفاظ الآجرومية في النحو.
خامساً: في البلاغة:
1- تقريرات على
المطول في البلاغة.
كانت هذه أبرز
مصنفات الشيخ، رحمه الله، وجعل أعماله خالصة لوجهه الكريم.
وفاته
وبعد حياة حافلة
بالثقافة والمعرفة، والعلم والتعلم، والتصنيف والتأليف انتقل الشيخ الجليل إلى
الرفيق الأعلى مخلِّفا وراءه مصابيح علمية تنير الطريق أمام السالكين، وتهدي
الحيارى على مر السنين.
وقد أجمعت كتب
التراجم على أن وفاته كانت بعد عصر يوم الخميس الثاني من شعبان سنة سبع وسبعين
وتسعمائة هجرية (977هـ)، الموافقة لسنة سبعين وخمسمائة وألف ميلادية (1570م).
رحم الله الشيخ
الشربيني رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين
وحسن أولئك رفيقا.
وإلى لقاء قريب -بإذن الله- مع حلقة جديدة نغوص من خلالها في أسرار السراج المنير، لنستجلي كيف طوع الشربيني آلات اللغة لتكون في خدمة القرآن.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً