أصل اللغات عند ابن حزم الظاهري.. بين التوقيف والاصطلاح

د. رمضان فوزي

13 يوليو 2026

67

أصل اللغات عند ابن حزم الظاهري.. بين التوقيف والاصطلاح

قضية أصل اللغات ومصدرها، والقول: إنها اصطلاحية أم توقيفية، والخلاف حول تفاضل اللغات لها أهميتها في الفكر اللغوي والشرعي بصورة عامة، وقد أفردنا مقالا قبل ذلك بعنوان "اللغة بين الإلهام والاصطلاح"، تناولنا فيه اختلاف العلماء حول اللغة هل هي توقيفية أم اصطلاحية، وعرضنا لأدلة كل فريق من الفريقين بشيء من التفصيل.

ومن العلماء الذين أولوا هذه القضية اهتماما كبيرا ابن حزم الظاهري؛ لما ترتب عليها من نتائج في موقفه من سماعية اللغة، وموقفه من القياس اللغوي وتوقيف الدلالات على ألفاظها.. وغيرها من القضايا اللغوية ذات التأثير على الاستنباط الفقهي عنده باعتباره أحد رؤوس المذهب الظاهري.

وفيما يلي سنعرض لهذه المسائل في فكر ابن حزم:

اللغة في مرآة ابن حزم

يمكن استنباط تعريف اللغة عند ابن حزم من خلال حديثه عن الأصوات، وتقسيمه إياها إلى: أصوات دالة على معنى، وأصوات غير دالة على معنى، ثم تقسميه الأصوات الدالة على معنى إلى: أصوات دالة بالطبع كأصوات الحيوانات والهدم ونقر النحاس وغيرها، وأصوات دالة بالقصد، وهذه الأخيرة هي التي تقابل في تعريفها اللغة عند غيره(1)، وهي عنده "الكلام الذي يتخاطب الناس به فيما بينهم، ويتراسلون بالخطوط المعبرة عنه في كتبهم؛ لإيصال ما استقر في نفوسهم من عند بعضهم إلى بعض"(2).

ويلاحظ على تعريف ابن حزم للغة ما يلي:

1- عبر عنها بـ"الكلام" وليس بالأصوات أو الألفاظ، كما هو الحال عند ابن جني وغيره من النحاة؛ فـ(الكلام) أصوات تامة مفيدة، على خلاف الأصوات أو الألفاظ؛ فكان التعبير عن اللغة بالكلام أوفق من التعبير بغيره.

2- أدخل ابن حزم كل أنواع التواصل بين الناس، سواء عن طريق التخاطب المباشر، أم عن طريق المراسلة الكتابية.

جدلية الاصطلاح والتوقيف

يؤكد ابن حزم بداية أن الله خالق اللغات، وخالق الناطقين بها، وخالق الأشياء ومرتبها كما شاء؛ فاللغة ليست إلينا، وإنما هي إلى الله تعالى(3).

ويرى أن الصحيح وما عليه أكثر الناس أن أصل الكلام توقيف من الله -عز وجل- بحجة سمع وبرهان ضروري(4).

فأما السمع فقول الله عز وجل: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماَءَ كُلَّهاَ) (البقرة: 31)، وهو ما استند إليه عموم القائلين بتوقيفية اللغة.

وأما الضروري بالبرهان فهو أن الكلام لو كان اصطلاحا لما جاز أن يصطلح عليه إلا قوم قد كملت أذهانهم، وتدربت عقولهم، وتمت علومهم، ووقفوا على الأشياء كلها الموجودة في العالم، وعرفوا حدودها واتفاقها واختلافها وطبائعها، وبالضرورة نعلم أن بين أول وجود الإنسان وبين بلوغه هذه الصفة سنين كثيرة جدا يقتضي في ذلك تربية وحياطة وكفالة من غيره؛ إذ المرء لا يقوم بنفسه إلا بعد سنين من ولادته.

ولا سبيل إلى تعايش الوالدين والمتكفلين والحضان إلا بكلام يتفاهمون به مراداتهم فيما لا بد لهم منه فيما يقوِّم معايشهم من حرث أو ماشية أو غراس، ومن معاناة ما يطرد به الحر والبرد والسباع، ويعاني به الأمراض. ولا بد لكل هذا من أسماء يتعارفون بها ما يعانونه من ذلك.

وكل إنسان فقد كان في حالة الصغر التي ذكرنا من امتناع الفهم والاحتياج إلى كافل، والاصطلاح يقتضي وقتا لم يكن موجودا قبله؛ لأنه عمل المصطلِحين، وكل عمل لا بد من أن يكون له أول؛ فكيف كانت حال المصطلِحين على وضع اللغة قبل اصطلاحهم عليه؛ فهذا من الممتنع المحال ضرورة(5).

ثم استطرد في الرد على القائلين باصطلاحية اللغة بأن "الاصطلاح على وضع لغة لا يكون ضرورة إلا بكلام متقدم بين المصطلِحين على وضعها، أو بإشارات قد اتفقوا على فهمها، وذلك الاتفاق على فهم تلك الإشارات لا يكون إلا بكلام ضرورة، ومعرفة حدود الأشياء وطبائعها التي عبر عنها بألفاظ اللغات لا يكون إلا بكلام وتفهيم لا بد من ذلك؛ فقد بطل الاصطلاح على ابتداء الكلام"(6).

ثم يتحول ابن حزم للرد على القائلين بأن الكلام فعْلُ الطبيعة؛ حيث يرى أن "الطبيعة لا تفعل إلا فعلا واحدا لا أفعالا مختلفة، وتأليف الكلام فعل اختياري متصرف في وجوه شتى"(7).

ثم رد على القائلين بأن الأماكن أوجبت بالطبع على ساكنيها النطق بكل لغة نطقوا بها؛ حيث يقول: "وهذا محال ممتنع؛ لأنه لو كانت اللغات على ما توجبه طبائع الأمكنة لما أمكن وجود كل مكان إلا بلغته التي يوجبها طبعه، وهذا يُرى بالعيان بطلانه؛ لأن كل مكان في الأغلب قد دخلت فيه لغات شتى على قدر تداخل أهل اللغات ومجاورتهم؛ فبطل ما قالوا. وأيضا فليس في طبع المكان أن يوجب تسمية الماء ماء دون أن يسمى باسم آخر مركب من حروف الهجاء"(8).

ثم يجزم أمره في هذه المسألة قائلا: "ومن كابر في هذا فإما مجاهر بالباطل، وإما عديم عقل لا بُد له من أحد هذين الوجهين؛ فصح أنه توقيف من أمر الله عز وجل وتعليم منه تعالى"(9).

ويؤكد في موضع آخر من مؤلفاته رفضه القول بطبيعية اللغة، والقول بأنها كانت في بدايتها أصواتا مبهمة وخالية من الدلالة: "فصحَّ ضرورة -صحة حسنة مشاهدة- أنه لا بد في اللغات من معلِّم، ولا بد في الصناعات من معلم، ليس من المعلمين الذين في طبعهم تعلم ذلك دون تعليم... فوجب ضرورة أن مبتدئ إيجاد العالم هو الذي ابتدأ تعليم اللغات وابتدأ تعليم الصناعات، لا بد من ذلك، وأنه تعالى علَّم كل ذلك أول من أحدث من نوع الإنسان، ثم علَّمها ذلك المعلم سائر نوعه. ثم تداولوا تعلم ذلك. وهذا برهان ضروري حسي مشاهد، يقتضي -ولا بد- وجود الخالق ووجود النبوة، وهي تعليم الخالق اللغات والعلوم والصناعات ابتداء، ووجود الرسالة وهي تعليم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لمن أمر بتعليمه إياه"(10).

وهكذا يجزم ابن حزم أمره بأن اللغة توقيفية من الله تعالى؛ بل يجعلها من دلائل وجود الله تعالى، ووجود النبوة.

مسائل متفرقات

هناك بعض المسائل الأخرى المتعلقة بآراء ابن حزم رحمه الله تعالى في اللغة، وهي:

أولاً: تعدد اللغات: يرى ابن حزم احتمالية اصطلاح الناس على إحداث لغات شتى بعد أن كانت لغة واحدة، وقفوا عليها بها، علموا ماهية الأشياء وكيفياتها وحدودها. وهو في الوقت نفسه لا يجزم بأي لغة هي التي وقف آدم -عليه السلام- عليها أولا، "إلا أننا نقطع على أنها أتم اللغات كلها، وأبينها عبارة، وأقلها إشكالا، وأشدها اختصارا، وأكثرها وقوع أسماء مختلفة على المسميات كلها المختلفة من كل ما في العالم من جوهر أو عرض"(11).

ثانياً: السريانية أصل للعربية والعبرانية: يرى ابن حزم أن اللغات العربية والعبرانية والسريانية لغة واحدة في الأصل، واختلافها إنما هو من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان، واختلاف البلدان، ومجاورة الأمم. وبناء على ذلك؛ فالسريانية أصل للعربية وللعبرانية معا، وأول من تكلم بالعربية إسماعيل -عليه السلام- فهي لغة ولده، والعبرانية لغة إسحاق ولغة ولده، والسريانية هي لغة إبراهيم صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم بنقل الاستفاضة الموجبة لصحة العلم؛ فالسريانية أصل لهما(12).

ولكن ابن حزم لم يقدم دليلا مقنعا على كلامه هذا، وهو ما دفع الأستاذ سعيد الأفغاني إلى التساؤل: "لِمَ لَمْ تكن العربية هي أصل السريانية عنده؟ سؤال لم يتحفنا هو بجوابه"(13).

ثالثاً: قوة اللغة وازدهارها من قوة أهلها وغلبتهم: يؤمن ابن حزم بأن اللغة يسقط أكثرها، ويبطل بسقوط دولة أهلها، ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم، واختلاطهم بغيرهم؛ فإنما يفيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم.

وأما من تلفت دولتهم، وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم؛ فمضمون منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سببا لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم، وبيود علومهم.. هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل ضرورة(14).

رابعاً: لا يوجد تفاضل بين اللغات: يرى ابن حزم أنه لا توجد أي أفضلية للغة على غيرها من اللغات؛ لأن وجوه الفضل معروفة، وإنما هي بعمل أو اختصاص، ولا عمل للغة، ولا جاء نص في تفضيل لغة على لغة، والله تعالى أرسل كل رسول بلسان قومه ليبين لهم، والقرآن لم ينزل بلغة العرب إلا ليفهمه القوم النازل فيهم، كما قال تعالى (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (الدخان: 58)، وهذا هو الحال مع باقي الكتب السماوية (فبكل لغة نزل كلام الله ووحيه).

ويستطرد في نفي أن تكون العربية هي أفضل اللغات رادا كل ما احتُج به في هذا السياق، ومنه القول بأن العربية هي لغة أهل الجنة؛ فيؤكد أن لغة أهل الجنة وأهل النار لا علم عندنا إلا ما جاء في النص والإجماع ولا نص ولا إجماع في ذلك(15).

وهكذا نجد هذا الرأي الجريء لابن حزم الذي قد يصدم الكثير؛ بل ويخالف أيضا الكثير من آراء العلماء الذين يعتقدون بأن العربية هي أفضل اللغات –وهم محقون في هذا من وجهة نظري- بتشريف الله تعالى لها بإنزاله أفضل كتبه؛ فهذه مزية ليس بعدها مزية، بالإضافة إلى ما اختصت به من نظام لغوي دقيق، لا يوجد له نظير في اللغات الأخرى، ويقصر المقام هنا عن استقراء كل خصائصه ودقائقه، وهو ما قد نفرد له موضوعا خاصا به إن شاء الله تعالى.

الهوامش
  • 1 عرفها ابن جني بأنها "أصواتٌ يعبّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم" (الخصائص: 1/40)، وعرفها ابن سيده بأنها "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" (المخصص: 1/35).
  • 2 رسائل ابن حزم (4/ 105، 106) – ابن حزم – تحقيق إحسان عباس – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت - لبنان.
  • 3 ينظر مثلًا: الفصل في الأهواء والملل والنحل (5/ 137) و(5/ 242) – ابن حزم – تحقيق محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة – دار الجيل – بيروت.
  • 4 الإحكام (1/ 29).
  • 5 المرجع السابق (1/ 29).
  • 6 المرجع السابق (1/30).
  • 7 المرجع السابق.
  • 8 المرجع السابق (1/ 30، 31).
  • 9 المرجع السابق.
  • 10 رسائل ابن حزم (3/ 136، 137).
  • 11 الإحكام (1/ 31).
  • 12 المرجع السابق (1/ 32).
  • 13 نظرات في اللغة عند ابن حزم: 27 – سعيد الأفغاني – دار الفكر – بيروت – ط2 (1389هـ/ 1969م).
  • 14 المرجع السابق (27).
  • 15 الإحكام (1/ 33، 34).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة