مرجع الضمير وأثره الفقهي عند ابن حزم (4)

صلاة الصبح الفائتة.. هل تُقضى مرة أم مرتين؟

د. رمضان فوزي

31 أغسطس 2026

181

صورة تعبيرية لرجل يؤدي صلاة الصبح الفائتة وبجواره مصحف

من القضايا الفقهية التي كان لتفسير مرجع الضمير دور في الاستنباط الفقهي عند ابن حزم قضية صلاة الصبح الفائتة بنوم أو نسيان؛ إذ لم يتوقف الخلاف فيها عند الحكم الفقهي، بل ارتبط بفهم دقيق للفظ حديث نبوي، وبمرجع ضمير ترتب على تحديده اختلاف في تفسير الرواية والحكم المستنبط منها.

يرى ابن حزم أن من فاتته صلاة الصبح بنوم أو نسيان، فإنه يصليها حين يذكرها، ولو كان ذلك بعد طلوع الشمس بوقت طويل، ويبدأ بركعتي الفجر، ثم يصلي الصبح. واستدل بما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين ناموا عن صلاة الصبح في سفر، فلم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فأمر بلالًا فأذن، فصلوا ركعتي الفجر، ثم أقام فصلى بهم الصبح.

الجمع بين الروايات المختلفة

لكن وردت في هذه الحادثة روايات متعددة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا سها أحدكم عن الصلاة فليصلها إذا ذكرها، ومن الغد للوقت»، ومنها قوله: «من أدرك منكم صلاة الغداة فليقض معها مثلها». واللفظ الأخير هو موضع الإشكال؛ إذ قد يفهم منه أن الصلاة الفائتة تقضى مرتين: مرة عند تذكرها، ومرة أخرى في اليوم التالي.

غير أن ابن حزم لا يرى تعارضًا بين هذه الروايات، بل يقرر أن «كل هذا صحيح ومتفق المعنى»، وإنما الإشكال عنده في فهم رواية: «من أدرك منكم صلاة الغداة فليقض معها مثلها». ولذلك اتجه إلى معالجة الإشكال من خلال مرجع الضمير. فيجعل الضمير في «مثلها» عائدًا إلى «الغداة» لا إلى «الصلاة»، معملا ظاهريته في مرجع الضمير إلى أقرب مذكور، كما فعل في قضية تحريم الخنزير كله، ثم يفسر العبارة بقوله: «أي فليقض مع الغداة مثل هذه الصلاة التي يصلي، بلا زيادة عليها». فليس مراده أن الحديث يأمر بإعادة الصلاة الفائتة في اليوم التالي، ولا أن لفظ «مثلها» يعني صلاة أخرى تقضى بعد الأولى؛ وإنما يرى أن المراد أن يقضي مع الغداة مثل هذه الصلاة التي يصليها، من غير زيادة عليها.

وبذلك يصل ابن حزم أن الروايات كلها متفقة في المعنى: من فاتته الصلاة بنوم أو نسيان يصليها حين يذكرها، ثم إذا جاء وقت الغداة في اليوم التالي صلى صلاة الغداة المعتادة، ولا يكون في ذلك قضاء ثانٍ للصلاة الفائتة. ومن هنا كان مرجع الضمير عنده هو المفتاح الذي أزال به الإشكال الظاهري بين الروايات؛ إذ يقول بعض استعراض كل روايات الحديث: "وكل هذا صحيح ومتفق المعنى، وإنما يُشكل من هذه الألفاظ: (من أدرك منكم صلاة الغداة فليقض معها مثلها)، وإذا تؤمل فلا إشكال فيه; لأن الضمير في لغة العرب راجع إلى (الغداة) لا إلى الصلاة؛ أي فليقض مع الغداة مثل هذه الصلاة التي يصلي، بلا زيادة عليها؛ أي: فليؤدِّ ما عليه من الصلاة مثل ما فعل كل يوم; فتتفق الألفاظ كلها على معنى واحد، لا يجوز غير ذلك، وبالله تعالى التوفيق"(1).

صلاة الصبح الفائتة.. مرجع الضمير وأثره عند ابن حزم

وهذا يكشف مرة أخرى عن منزلة مرجع الضمير في منهج ابن حزم؛ فهو لا يوظفه في صناعة المعنى فحسب، وإنما يجعله أداة لحسم خلاف فقهي يترتب على أحد وجهيه القول بتكرار الصلاة الفائتة، وعلى الآخر عدم تكرارها.

ومن ثم فإن السؤال هنا ليس: إلى أي اسم يعود الضمير؟ وإنما: هل تكفي القاعدة اللغوية وحدها لنقل الضمير إلى «الغداة» مع كون الصلاة هي محور الحديث، وهل يساعد سياق الرواية على هذا التوجيه؟

مواقف العلماء من رواية «فليقض معها مثلها»

اختلف العلماء في التعامل مع الرواية التي جاء فيها: «فليقض معها مثلها» إلى عدة مذاهب:

فقد ذهب سعد بن أبي وقاص وسمرة بن جندب إلى أن من نام عن الصلاة يصليها حين يذكرها، ثم يصلي مثلها في وقتها من الغد(2). وفهم بدر الدين العيني الرواية على ظاهرها، فصرح بأن الفائتة تصلى مرتين: مرة حين تذكر، ومرة من الغد في وقتها(3).

أما أبو سليمان الخطابي فقبل الرواية، لكنه حمل الأمر على الاستحباب لا الوجوب، وقال إن ذلك يشبه أن يكون لاستدراك فضيلة الوقت في القضاء(4).

وفي المقابل، ذهب عدد من أئمة الحديث إلى أن هذه اللفظة وقع فيها وهم من الراوي، ومن أبرزهم البخاري والبيهقي وابن تيمية وابن رجب الحنبلي، ونقل الخطيب التبريزي هذا المعنى عن الحافظ ابن حجر، وتابعهم في ذلك الألباني(5).

وقد نقل ابن رجب أن البخاري والبيهقي وغيرهما قالوا: «إن هذه اللفظة في هذا الحديث وهم». كما نقل عن بعضهم أن المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها» أن يصلي صلاة الغد الحاضرة في وقتها، لا أن يعيد الصلاة التي فاتته.

ونقل صاحب عون المعبود عن البيهقي أن خالد بن سمير لم يتابعه على هذه الرواية ثقة، وأن الصواب حمل اللفظ على صلاة الغد الحاضرة، لا على إعادة الفائتة.

هل يسعف السياق توجيه ابن حزم؟

إذا تجاوزنا الخلاف في ثبوت هذه اللفظة، وتأملنا التوجيه الذي قدمه ابن حزم، فإن موضع النظر هنا هو مدى موافقة هذا التوجيه لسياق الكلام ودلالته.

فابن حزم يريد أن يحافظ على صحة الروايات كلها، ولذلك لم يلجأ إلى رد الرواية، وإنما بحث عن معنى يجمعها، فوجد مخرجه في مرجع الضمير. وبحسب توجيهه، فإن الضمير في «مثلها» يعود إلى «الغداة»، ثم يفسر «مثلها» بقوله: «مثل هذه الصلاة التي يصلي، بلا زيادة عليها».

غير أن هذا التأويل، وإن كان ممكنًا من حيث تصور المعنى، يبدو بعيدًا عن المتبادر من تركيب الحديث؛ لأن الكلام يدور في سياقه على الصلاة الفائتة وكيفية قضائها، ولفظ «يقض» مرتبط بها، ثم يأتي قوله: «مثلها»، فيتبادر أن الضمير عائد إلى الصلاة المذكورة، وأن المراد صلاة مماثلة لها.

أما نقل الضمير إلى «الغداة» فيحتاج إلى قرينة تصرفه عن هذا الفهم المتبادر. ولا يظهر في سياق الرواية ما يكفي لإحداث هذا التحول الدلالي، ولا سيما أن «الغداة» جاءت في تركيب «صلاة الغداة» لتحديد الصلاة، لا بوصفها محدثًا عنه مستقلًا يدور عليه الحكم.

ومن هنا تتضح أهمية النتيجة التي انتهينا إليها في الحلقة الثانية: ليس القرب اللفظي وحده هو الحاكم في مرجع الضمير، كما أن إمكان عوده إلى أحد طرفي التركيب لا يكفي لترجيحه، بل لا بد من مراعاة السياق والمحدث عنه وسائر القرائن. وإذا طبقنا هذا المنهج هنا، وجدنا أن السياق أقرب إلى إبقاء الضمير عائدًا إلى الصلاة، وهو ما يجعل المعنى الذي فهم منه التكرار هو الأقرب إلى ظاهر اللفظ.

وهذا هو موضع قوة اعتراض الألباني على تأويل ابن حزم؛ إذ قال بعد نقل توجيهه: «وهذا المعنى غير متبادر من هذا اللفظ! وأرى أن حمله عليه تكلف واضح»(6). وهذه العبارة، وإن جاءت في سياق الحكم على الرواية، تكشف كذلك عن مشكلة دلالية في التأويل؛ لأن المعنى الذي انتهى إليه ابن حزم لا يسبق إلى الفهم من ظاهر التركيب، وإنما يحتاج إلى حمل اللفظ عليه حملًا وتأويلًا.

رأي وترجيح

ما أرجحه في قضية صلاة الصبح الفائتة هو ما ذهب إليه جمهور المحدثين والفقهاء من وقوع الوهم في هذه اللفظة من الرواية، وأن من فاتته صلاة الصبح بنوم أو نسيان يصليها حين يذكرها، ولا يعيدها مرة أخرى في اليوم التالي.

ويستند هذا الترجيح إلى جملة من الاعتبارات:

أولًا: أن هذا القول ينسجم مع مجموع الروايات الواردة في حادثة نوم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن صلاة الصبح، والتي تدل على أنهم صلوا الصلاة بعد الاستيقاظ، ولم يثبت أنه أمرهم بإعادتها مرة أخرى في اليوم التالي.

ثانيًا: أن الحكم بتكرار الصلاة الفائتة مرتين يحتاج إلى دليل واضح، ولا سيما أن الأصل المستفاد من الروايات الصحيحة هو المبادرة إلى الصلاة عند تذكرها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليصلها إذا ذكرها».

ثالثًا: أن التوجيه الذي قدمه ابن حزم، وإن كان قد قصد به الجمع بين الروايات، لا يخلو من تكلف دلالي؛ لأن قوله: «فليقض معها مثلها» لا يتبادر منه أن «مثلها» بمعنى أداء الصلاة المعتادة من غير زيادة، وإنما الظاهر منه –لو صح اللفظ– إثبات صلاة مماثلة.

رابعًا: أن حمل الضمير على «الغداة» لمجرد القرب اللفظي لا يكفي، ولا سيما أن «الصلاة» هي المحدَّث عنها ومحور الحكم في سياق الرواية. فإذا لم توجد قرينة قوية تصرف الضمير عنها، كان إبقاؤه على المرجع الذي يقتضيه السياق أولى.

وعليه، فالراجح أن الرواية التي ظاهرها التكرار وقع فيها وهم من الراوي، وأن الصلاة الفائتة بالنوم أو النسيان تؤدى عند تذكرها، ولا تتكرر في اليوم التالي.

وتكشف هذه القضية عن جانب دقيق في منهج ابن حزم؛ فهو حين يواجه تعارضًا ظاهريًا بين الروايات لا يسارع بالضرورة إلى رد إحداها، بل قد يبحث عن مخرج لغوي يجمع بينها، حتى إذا كان المخرج متعلقًا بضمير واحد. وفي هذه القضية تحديدًا، جعل مرجع الضمير وسيلته لإبقاء الروايات كلها صحيحة ومتفقة المعنى، وإن كنت لا يرى أن هذا التخريج ينهض أمام ظاهر السياق وقوة القرائن.

وهكذا تتصل قضية صلاة الصبح الفائتة بما سبقها في السلسلة اتصالًا منهجيًا؛ ففي الحلقة الثانية أدى اختلاف مرجع الضمير في «لحم الخنزير» إلى اختلاف في دائرة الحكم، أما هنا فأدى اختلاف مرجع الضمير في «صلاة الغداة» إلى اختلاف في كيفية فهم القضاء وعدد مرات أدائه. وفي كلتا القضيتين يظهر أن الضمير قد يكون له أثر مباشر في تحديد الحكم الفقهي.

ومن ثم فإن دراسة مرجع الضمير عند ابن حزم لا ينبغي أن تقف عند السؤال النحوي المجرد: «إلى أي اسم يعود الضمير؟»، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: ما أثر هذا المرجع في بناء المعنى، وهل تؤيده قرائن السياق، وهل يترتب عليه حكم ينسجم مع مجموع النصوص؟

وهنا تحديدًا تتجلى العلاقة الوثيقة بين دقة النظر اللغوي وقوة الاستنباط الفقهي في منهج ابن حزم.

الهوامش
  • 1 المحلى (3/ 203).
  • 2 فتح الباري في شرح صحيح البخاري (3/ 338).
  • 3 شرح سنن أبي داود (2/ 326)، أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي الحنفي بدر الدين العيني، تحقيق أبو المنذر خالد بن إبراهيم المصري، مكتبة الرشد، الرياض، ط1 1420هـ/ 1999م.
  • 4 معالم السنن (1/ 139)، أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي البستي، المطبعة العلمية، حلب، ط1 1351هـ/ 1932م.
  • 5 انظر: فتح الباري لابن حجر (2/ 71)، عون المعبود (2/ 112)، شرح العمدة في الفقه (4/ 235)، شرح علل الترمذي (1/ 305)، ومرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 392)، وضعيف أبي داود للألباني (1/ 155).
  • 6 ضعيف أبي داود (1/ 155).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة