مرجع الضمير وأثره الفقهي عند ابن حزم الظاهري (2)
تحريم الخنزير أم لحمه؟
تعد قضية تحريم
الخنزير من أولى القضايا التطبيقية في موضوع مرجع الضمير؛ إذ تحدثنا في الحلقة
السابقة من هذه السلسلة عن الموقف النظري لابن حزم منه؛ إذ قصر عودة الضمير على
أقرب مذكور فقط ومنع غير ذلك، وذلك بعد أن عرضنا لموقف عموم النحاة واللغويين من
هذه القضية وترخصهم في عودته على غير أقرب مذكور إذا أمن اللبس.
وقد انعكس رأي
ابن حزم في مرجعية الضمير في تطبيقاته الفقهية بصورة لا تخلو من ظاهرية واضحة في
بعض المسائل؛ تتمثل في مبالغته في مراعاة شرط "العودة إلى أقرب مذكور"
وعدم الالتفات إلى قرائن أخرى تساعد في تحديد مرجعية الضمير، مثل قرينة التضام أو
التلازم وقرينة السياق وغيرها ومن هذه القضايا القول بأن الخنزير كله رجس، حاشا
الجلد.
فقد ذهب ابن حزم
إلى تحريم الخنزير كله ما عدا جلده الذي أخرجه نص آخر من دائرة التحريم إذا دُبغ،
ودليله في ذلك عودة الضمير على أقرب مذكور حتى وإن كان مضافا إليه، كما في قول
الله تعالى: (قُل لاَّ أَجِدُ
فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ
مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ)
(الأنعام: 145)؛ حيث يرى أن الضمير في قوله تعالى (فإنه رجس) عائد على
الخنزير وليس على اللحم؛ حيث يقول: "وأما شعر الخنزير وعظمه فحرام كله، لا
يحل أن يتملك ولا أن ينتفع بشيء منه؛ لأن الله تعالى قال: (أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ
فَإِنَّهُ رِجْسٌ)، والضمير راجع إلى أقرب مذكور؛ فالخنزير كله رجس، والرجس واجب
اجتنابه بقوله تعالى: (رِجْسٌ
مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) (المائدة: 90)، حاشا الجلد فإنه
بالدباغ طاهر بعموم قوله عليه السلام: (وأيّما إهاب دُبِغ فقد طهُر) (أخرجه أحمد
والترمذي وابن ماجه)"(1).
وقال في موضع
آخر: "وأما الخنزير فإن الله تعالى قال: (أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا...)،
والضمير في لغة العرب التي نزل بها القرآن راجع إلى أقرب مذكور إليه، فصح بالقرآن
أن الخنزير بعينه رجس؛ فهو كله رجس، وبعض الرجس رجس، والرجس حرام واجب اجتنابه؛
فالخنزير كله حرام لا يخرج من ذلك شعره ولا غيره، حاشا ما أخرجه النص من الجلد إذا
دبغ فحل استعماله"(2).
تثير هذه القضية
إشكالية جديدة في مرجع الضمير إذا كان قبله تركيب إضافي؛ فهل يعود على المضاف أم
المضاف إليه؛ حيث اختار ابن حزم عوده على المضاف إليه (الخنزير) دون المضاف
(اللحم)، مقدما ظاهرية القرب المكاني على قرينة الإضافة التي يجب أن تراعى في مثل
هذا السياق، فجعل الخنزير كله محرما حاشا الجلد الذي أحل بحدث نبوي، وهو في هذا
متفق مع رأي بعض الأحناف(3).
وقد ذهب النحاة
إلى أنه إذا عاد الضمير على تركيب إضافي، وتعذرت عودته إلا إلى واحد منهما تعين
عودته إلى المضاف؛ لأنه المقصود بالكلام، وأن المضاف إليه جاء استطرادا بطريق
التبع، وإن كان يجوز -استثناء- عودته على المضاف إليه دون المضاف، والضابط في ذلك
سياق الكلام، ووجود دليل عليه، وقد ورد ذلك في قول الله تعالى: (يَنْقُضُونَ
عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ)؛ فالضمير في "ميثاقه" عائد على
المضاف إليه وهو لفظ الجلالة، وقوله تعالى: (وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ
تَعْبُدُونَ) (النحل: 114)، وغيرهما من الآيات.
آراء النحاة ومعربي القرآن في تحريم الخنزير
أما الآية موضع
الشاهد فقد اختلف موقف النحاة ومعربي القرآن في عودة الضمير فيها إلى ثلاثة
اتجاهات (بالإضافة لرأي ابن حزم)، انبنى على كل منها حكم فقهي في تحريم الخنزير
كله أم لحمه فقط: الأول يرى عودته على "لحم الخنزير"، والثاني يرى عودته
على كل المذكورات قبله، والثالث يخطئ عودته على المذكورات قبله كلها ويرى جواز
عودته على اللحم أو على الخنزير.
وتفصيل هذه
الآراء على النحو التالي:
الرأي الأول:
الضمير عائد على "لحم الخنزير": وهو ما ذهب إليه كل من ابن كثير(4)،
وأبو حيان(5)، وابن عادل الدمشقي(6)، وقد ردوا على الظاهرية
رأيهم في هذه المسألة بعودة الضمير على الخنزير دون اللحم؛ حيث قال ابن كثير:
"وقوله: (وَلَحْمُ الْخِنزيرِ) يعني: إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه
حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم هاهنا وتعسفهم في الاحتجاج
بقوله: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا) يعنون قوله تعالى: (إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ
دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) أعادوا الضمير
فيما فهموه على الخنزير، حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا
يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء
كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد"(7)، واحتج أبو
حيان بأن المحدث عنه إنما هو اللحم وأن (الخنزير) جاء على سبيل الإضافة إليه لا
أنه هو المحدث عنه(8).
الرأي الثاني:
الضمير يعود على كل المذكورات قبله: وهو ما رجحه الطاهر بن عاشور، وذهب إلى أن
إفراده على تأويله بالـ"مذكور"؛ أي (فإن المذكور رجس)، كما يفرد اسم
الإشارة مثل قوله تعالى: (وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) (الفرقان: 68).
لكنه أيضاً يرى
إمكانية عودته على اللحم، وعلل ذلك بأنه تنبيه على ذمه، وهو ذم زائد على التحريم؛
فوصفه به تحذير من تناوله، وتأنيس للمسلمين بتحريمه؛ لأن معظم العرب كانوا يأكلون
لحم الخنزير، بخلاف الميتة والدم فما يأكلونها إلا في الخصاصة(9).
الرأي الثالث
والأخير: وهو للألوسي وهو يرى أن القول بعودة الضمير على الثلاثة المذكورة خلاف
الظاهر، ويرجح عودته على اللحم لأنه المحدث عنه، أو على الخنزير لأنه أقرب مذكور(10).
كان هذا رأي
النحاة ومعربي القرآن المبني على هذا الدليل اللغوي، أما الفقهاء فلهم توجيهاتهم
الفقهية المختلفة في هذه القضية المنطلقة من هذا الدليل اللغوي أيضا، والتي يقصر
المقاوم عن استعراضها هنا.
رأي وترجيح
بعد استعراض كل
هذه الآراء أرجح عودة الضمير على "لحم الخنزير"، دون الخنزير أو على
جميع المذكورات قبله، وبذلك يكون المقصود بالتحريم هنا هو تحريم لحم الخنزير –كما
هو رأي بعض الشافعية(11) والمالكية(12)، وليس تحريم الخنزير
كله وذلك للأسباب التالية:
1- عودة الضمير
على اللحم أولى من عودته على الخنزير؛ لأن رب العزة لو أراد عوده على الخنزير كله
لما كان لذكر اللحم هنا فائدة، ولقال "أو خنزيرا فإنه رجس" بدلا من
"أو لحم خنزير فإنه رجس"؛ لأن اللحم داخل بالتبعية في كل الخنزير.
2- سياق الحديث
في الآية عن تحريم بعض أنواع المطعومات (قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرما على طاعم
يطعمه...)، وهذا يقتضي تخصيص الحديث عن المطعوم من الخنزير وهو اللحم، ويُخرج منه
غير المطعوم من جلد وشعر وغيره، فإذا سأل أحد عن شحمه ودهنه وغيره مما يؤكل، قيل:
إن ذلك ربما يدخل في عموم اللحم.
3- تخصيص الحديث
في أكثر من موضع آخر من القرآن عن تحريم الأنواع الثلاثة نفسها المذكورة في هذه
الآية، ونصت دون مجال للبس أو التأويل على تحريم لحم الخنزير وليس الخنزير كله،
كما في قوله عز وجل: (إنَّمَا
حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) (البقرة: 173،
والنحل: 115)، وقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)
(المائدة: 3).
وبناء على ذلك يكون السياق عن تحريم لحم الخنزير وليس تحريم الخنزير كله.
الهوامش
- 1 المحلى (1/ 124).
- 2 المرجع السابق (7/ 517).
- 3 ينظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (1/ 19)، والمبسوط للسرخسي (1/ 85)، شرح فتح القدير للسيواسي (1/ 93)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (1/ 110).
- 4 تفسير ابن كثير (3/ 16).
- 5 البحر المحيط (4/ 195).
- 6 اللباب لابن عادل (1/ 485).
- 7 تفسير القرآن العظيم (3/ 16)، إسماعيل بن عمر بن كثير، تحقيق سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2 (1420هـ/ 1999م).
- 8 البحر المحيط (4/ 195).
- 9 التحرير والتنوير (7/ 103، 104).
- 10 روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (4/ 287)، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، تحقيق على عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415هـ.
- 11 الأشباه والنظائر للسبكي (2/ 237، 238).
- 12 شرح خليل للخرشي (6/ 50).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً