مرجع الضمير وأثره الفقهي عند ابن حزم الظاهري (3)

هل تتساوى دية غير المسلم مع دية المسلم؟

د. رمضان فوزي

17 أغسطس 2026

135

هل تتساوى دية غير المسلم مع دية المسلم؟

تُعد قضية دية غير المسلم من المسائل التي أثارت جدلًا بين بعض الفقهاء، وهي المحور الذي نستأنف به رحلتنا في حلقة جديدة من سلسلة "مرجع الضمير وأثره الفقهي عند ابن حزم الظاهري"؛ فقد كانت الحلقة الأولى الإطار النظري لموقف الإمام من عودة الضمير، وتجلى لنا في الحلقة الثانية كيف انعكس هذا الرأي على موقف ابن حزم في تحريم الخنزير. واليوم، نقف مع واحدة من أدق القضايا التي تمس الدماء؛ وهي حكم الدية على المسلم الذي قتل ذميا، وكيف قاد هذا المنهج في آية القتل الخطأ ابن حزم إلى استنباط حكم ينطلق من ظاهريته في تفسير النصوص ومنها هذه الآية الكريمة.

ذهب الإمام ابن حزم في مسألة دية غير المسلم إلى أنه إن قتل مسلمٌ عاقلٌ بالغٌ ذميًّا أو مستأمنًا -سواء كان ذلك عمدًا أم خطأً- فلا قود عليه، ولا دية، ولا كفارة. واكتفى في العمد بإيقاع العقوبة التأديبية كفاً لضرره، وقد بنى ابن حزم رأيه هذا على أساس نحوي بحت يتعلق بمرجع الضمير في قول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء: 92).

يقول ابن حزم: "قال عز وجل: (فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ)؛ فصح بالضرورة التي لا مدخل للشك فيها أن في (كان) من قوله تعالى: (فإن كان من قوم) ضميرا راجعا إلى أول مذكور لا يمكن غير ذلك البتة؛ فإذ لا بد من هذا، والضمير في لغة العرب لا يرجع إلا إلى أقرب مذكور قبله إلا ببرهان يدل على غير ذلك؛ فليس في هذه الآيات أقرب مذكور ولا أبعد مذكور إلا المؤمن المقتول خطأ فقط؛ فصح بيقين لا إشكال فيه أن مراد الله تعالى بقوله (وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) أنه مؤمن يُقتلُ خطأ كما قال الحسن وجابر بن زيد"(1).

وقد اتفق مع ما ذهب إليه ابن حزم في الاحتجاج بعودة الضمير على المؤمن في هذه الآية كل من: الفخر الرازي(2)، واتفق معه أيضا أبو حيان؛ حيث يرى أنه لو لم يأت بقوله (وهو مؤمن)؛ لكان الضمير الذي في (كان) عائدا على المقتول خطأ؛ لأنّه لم يجر ذكر لغيره، فلا يعود الضمير على غير من لم يجر له ذكر، ويترك عوده على ما يجري عليه ذكر(3)، وكذلك الطاهر بن عاشور(4).

الاتجاهات الفقهية المقابلة.. من الثلث إلى المساواة

في المقابل، لم يذهب جمهور الفقهاء هذا المذهب في دية غير المسلم، بل استقر رأيهم على وجوب الدية، واختلفوا في مقدارها على ثلاثة أقوال شهيرة نقلها ابن رشد الحفيد في "بداية المجتهد":

القول الأول: أن ديتهم على النصف من دية المسلم، ذكرانهم على النصف من ذكران المسلمين، ونساؤهم على النصف من نسائهم، وعلى هذا تكون دية جراحهم على النصف من دية المسلمين، وبه قال مالك وعمر بن عبد العزيز(5).

القول الثاني: أن ديتهم ثلث دية المسلم، وبه قال الشافعي، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وقال به جماعة من التابعين.

القول الثالث: أن ديتهم مثل دية المسلمين، وبه قال أبو حنيفة والثوري وجماعة. وهو مروي عن ابن مسعود، وقد روي عن عمر وعثمان، وقال به جماعة من التابعين(6).

رأي وترجيح في دية غير المسلم

موطن الخلاف في الآية من الناحية اللغوية عائد -كما ذكرنا- إلى مرجوع الضمير في قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ)؛ فهل الضمير عائد على عموم القتيل أم على القتيل المؤمن؟

يرى ابن عبد البر أن التأويل سائغ في الآية للفريقين، وقال: "والاختلاف موجود بين السلف والخلف من العلماء في مبلغ دية الذمي. وأصل الديات التوقيف، ولا توقيف في ذلك إلا ما أجمعوا عليه، وقد أجمعوا على أن أقل ما قيل فيه واجب، واختلفوا فيما زاد، والأصل براءة الذمة"(7.

فمن الناحية اللغوية يجوز أن يكون الضمير في هذه الآية عائدا على عموم المقتول؛ حيث إنه قد يستغني الضمير عن مفسره بحضور مدلوله حسا(8) أو علما، كما ورد في قوله تعالى: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْه)(9)، والمقصود موسى عليه السلام، وقوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)(10)، وقوله تعالى: (واستوَت على الجُوديّ)(11).

وبناء عليه فيجوز أن يكون الضمير عائدا على عموم المقتول، الذي يفهم ضمنا من سياق الحديث عن القتل في الآية.

كما يجوز أن يكون الضمير عائدا على المقتول المؤمن، من باب عودة الضمير على أقرب مذكور، كما ذهب إليه ابن حزم ومن وافقه، اتساقا مع ظاهر القاعدة وهو ما يتماشى مع منهج ابن حزم الظاهري.

وما أراه أن الضمير يعود على عموم المقتول، وبناء عليه تكون دية أهل الذمة مساوية لدية المسلم، كما ذهب أبو حنيفة ومن وافقه، وهذا يتسق مع حفظ الإسلام للنفس البشرية بعمومها وعدم إزهاقها إلا بالأسباب المعروفة، والإسلام معني بحفظ نفوس أهل المواثيق والعهود، كما هو معني بحفظ نفوس أهله.

الهوامش
  • 1 المحلى (10/ 459).
  • 2 ينظر: مفاتيح الغيب: 10 /176، 177 - محمد بن عمر المعروف بفخر الدين الرازي - دار إحياء التراث العربي - بيروت.
  • 3 البحر المحيط: 4/26.
  • 4 التحرير والتنوير: 4/221.
  • 5 ذهب إلى هذا الرأي أيضا الإمام الشوكاني. ينظر: الدراري المضية شرح الدرر البهية: 2 /418، والروضة الندية شرح الدرر البهية: 2 /310.
  • 6 ينظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد: 2 /414.
  • 7 الاستذكار: 8/119 – 121 - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري - تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض - دار الكتب العلمية – بيروت – ط1 (1421هـ = 2000م).
  • 8 للمزيد حول هذه المسألة ينظر: ارتشاف الضرب 1/481، والبرهان في علوم القرآن 4/30 - 39.
  • 9 القصص: 26.
  • 10 القدر: 1.
  • 11 هود: 44.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة