يوميات متقاعد (56)
شخصيات ملهمة تصنع الفرق في حياة الآخرين
في هذه السلسلة
من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.
قوة القدوة في رفع الهمم
من أجمل ما يمكن
أن يمر به الإنسان في حياته أن يلتقي بشخصيات تمتلك القدرة على تحفيز الآخرين
وإلهامهم ودفعهم نحو الإنجاز، فالكلمات المؤثرة قد تغير مسار إنسان، والمواقف
الملهمة قد تزرع الثقة في النفوس وتدفع أصحابها إلى تحقيق ما كانوا يظنونه
مستحيلاً.
وأذكر في هذا
السياق موقفاً حدث لي أثناء تقديم إحدى الدورات التدريبية، كان من بين المتدربين
شخص اسمه فهد، يعمل في شركة المشروعات السياحية بدولة الكويت، وقد اشتهر بين
زملائه بقدرته على إنجاز المهام الصعبة، حتى إن بعضهم كان يقول: إذا أردت أمراً
عادياً فاذهب إلى أي موظف، أما إذا أردت أمراً يبدو مستحيلاً فاذهب إلى فهد.
وقد أثارت هذه
السمعة إعجابي، فقررت أن أستفيد من تجربته في تحفيز طالباتي؛ لذلك طلبت منه أن
يحضر في تاريخ 27 ديسمبر 2004م، إلى كلية الهندسة لمدة 15 دقيقة فقط في نهاية إحدى
المحاضرات ليلقي كلمة تحفيزية قبل موعد الامتحانات.
كان الموعد
المحدد عند الساعة 8:30 صباحاً، وقبل وصوله قلت للطالبات: إذا كان فهد صادقاً في
التزامه فسوف يطرق الباب عند الساعة 8:30 تماماً، وما إن أشارت الساعة إلى الموعد
المحدد حتى سمعنا طرقاً على الباب، فتحت الباب فإذا بفهد يقف مبتسماً، رحبت به
وقدمت له الطالبات، ثم طلبت منه أن يلقي كلمته التحفيزية.
قصص تتجاوز حدود المألوف
بدأ فهد حديثه
بسرد عدد من المواقف التي مر بها في حياته، وكانت مواقف مدهشة بالفعل! قال: إنه
كان موجوداً في البحرين عندما تلقى اتصالاً من إحدى المحاكم في الكويت عند الساعة
8:00 صباحاً، وأبلغوه بضرورة حضوره أمام القاضي شاهداً في قضية عند الساعة 1:00
ظهراً من اليوم نفسه.
يقول فهد: إنه
انطلق بسيارته مباشرة من البحرين، ووصل إلى الكويت قبل الموعد المطلوب، ثم حضر
الجلسة وأدلى بشهادته أمام القاضي، وبعد انتهاء مهمته عاد مباشرة إلى البحرين ووصل
إليها مساء في اليوم نفسه.
ثم روى قصة أخرى
لا تقل غرابة، فقد كان موجوداً في دبي، وقرر أن يتناول العشاء في مسقط بسلطنة عُمان،
انطلق بسيارته ظهراً، ووصل إلى مسقط مساء، ثم تناول العشاء هناك، وعاد في الليلة
نفسها إلى دبي.
قد تبدو هذه
المواقف للبعض مجرد تنقلات وسفر، لكنها في الحقيقة كانت تحمل رسالة أعمق، وهي أن
الإنسان يستطيع إنجاز الكثير عندما يمتلك هدفاً واضحاً وإرادة قوية.
وقد كان فهد
يتحدث بحماس وثقة، الأمر الذي جعل الطالبات يتفاعلن معه بصورة كبيرة، وشعرت أنا
شخصياً بأنني أستمع إلى قصة نجاح حقيقية لا إلى محاضرة تقليدية.
رسالة من مطار جدة
بعد انتهاء
اللقاء التحفيزي، تناولت الإفطار مع فهد في كلية الهندسة، ثم ودعته عند الساعة
9:00 صباحاً تقريباً، لكن المفاجأة جاءت بعد ساعات قليلة فقط! فقد وصلتني رسالة
منه عند الساعة 11:30 صباحاً يقول فيها: إنه موجود في مطار جدة، وإنه يستعد لأداء
العمرة، وسألني إن كنت أرغب في أن يحضر لي ماء زمزم، في البداية لم أصدق الأمر، فقد
كان قبل وقت قصير يجلس معي في الكلية، فكيف أصبح الآن في جدة؟! ولذلك لم أرد على
الرسالة.
وفي صباح اليوم
التالي، دخلت إلى مكتبي، فإذا بعبوة من ماء زمزم موضوعة على المكتب، وإلى جوارها
علبة من الحلوى؛ اتصلت بفهد فوراً وسألته عن الأمر، فأخبرني أنه غادر الكلية
مباشرة إلى المطار، وسافر إلى جدة، وأدى العمرة، ثم عاد إلى الكويت عبر دولة
الإمارات، وأثناء فترة الانتظار في المطار اشترى بعض الهدايا للأصدقاء، ومن بينهم
أنا.
أدركت حينها
أنني أمام شخصية مختلفة فعلاً، شخصية لا تعرف الكسل، ولا تؤجل الأعمال، وتتعامل مع
الوقت بطريقة تجعل المستحيل ممكناً.
أثر التحفيز في نتائج الطالبات
ولم يتوقف أثر
ذلك اللقاء عند حدود الإعجاب الشخصي، فبعد انتهاء الفصل الدراسي، اتصل بي د. مشعل،
أحد الزملاء المسؤولين عن رصد الدرجات، وأخبرني بأن 27 طالبة من أصل 41 طالبة حصلن
على تقدير امتياز في المادة، وكانت هذه النسبة مرتفعة بصورة لافتة للنظر.
ولا أزعم أن
الفضل كله يعود إلى كلمة فهد، لكن لا شك أن كلماته وقصصه أسهمت في رفع مستوى
الحماس والثقة لدى الطالبات، وشجعتهن على بذل مزيد من الجهد والاستعداد الجيد
للامتحان، وهنا تتجلى أهمية التحفيز الحقيقي، فالكلمات الصادقة قد توقظ طاقات
كامنة داخل الإنسان، وتدفعه إلى تجاوز الحدود التي رسمها لنفسه.
إنجازات تصنع الإلهام
ولم تكن قدرة
فهد على التحفيز نابعة من الكلام فقط، بل من الإنجازات التي حققها على أرض الواقع؛
فقد اشتهر بكونه غواصاً محترفاً، واستطاع أن يسجل اسمه في موسوعة الأرقام القياسية
بعد وصوله إلى عمق بلغ 120 متراً تحت سطح الماء، وهو إنجاز لفت الأنظار في منطقة
الخليج.
وقد حظي هذا
الإنجاز باهتمام كبير، حتى إن أمير دولة الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر
الصباح يرحمه الله استدعاه وهنأه على ما حققه، وخلال اللقاء نصحه بالحفاظ على
سلامته، لكنَّ فهداً أجاب بأن هناك غواصين في دول أخرى وصلوا إلى أعماق أكبر، وأنه
يسعى إلى تطوير قدراته وتحقيق إنجازات جديدة.
كما أسس مركزاً
متخصصاً في تعليم الغوص ونشر ثقافته بين الناس، واستطاع أن يجذب أعداداً كبيرة من
المهتمين بهذه الرياضة، والأجمل من ذلك أن حماسه انتقل إلى والده أيضاً، فبعد أن
كان الأب يطالبه بالهدوء والحذر، أصبح يرافقه إلى مركز الغوص ويتابع أنشطته، ثم
بدأ يشارك بنفسه في بعض التجارب، وهكذا تحول التحفيز من الابن إلى الأب، ثم امتد
أثره إلى دائرة أوسع من الناس.
القيادة بالقدوة
ومن المواقف
التي تؤكد أهمية القدوة ما حدث لي في أحد المطاعم المعروفة؛ حيث كنت برفقة الأسرة
والأقارب، وعندما وصلنا وجدنا طابوراً طويلاً من الزبائن ينتظرون الدخول، لكن
اللافت للنظر أن حركة العمل كانت سريعة ومنظمة بصورة مميزة.
وبعد دخولنا
لاحظت شخصاً يعمل بنشاط كبير، كان ينظف الأرضية، ويرتب الطاولات، ويستقبل الزبائن،
ويتابع تفاصيل العمل بحيوية لافتة، فشدني هذا المشهد، فتقدمت نحوه وقلت له: إن
أداءه يستحق الإشادة، وإنني أفكر في نقل إعجابي إلى مدير المطعم.
ابتسم الرجل
وقال: أشكرك، لكنني أنا مدير المطعم! عندها أدركت سر النجاح الذي رأيته أمامي؛ فالمدير
لم يكن يجلس في مكتب مغلق يصدر التعليمات، بل كان يعمل بنفسه وسط الفريق، ويقدم
نموذجاً عملياً يحتذي به الجميع؛ ولهذا كانت الحركة منظمة، والخدمة سريعة، والروح
الإيجابية واضحة في المكان كله.
إن الناس
يتأثرون بالأفعال أكثر من الأقوال، وعندما يرون قائدهم يعمل بإخلاص واجتهاد، فإنهم
يندفعون تلقائياً إلى تقليده والسير على نهجه.
تكشف هذه
المواقف أن التحفيز الحقيقي لا يقوم على الشعارات والكلمات الرنانة فحسب، بل ينبع
من القدوة العملية والإنجاز الواقعي، فقد رأينا كيف استطاع فهد أن يلهم الطالبات
من خلال قصصه وتجربته الشخصية، وكيف انعكس ذلك على نتائجهن الدراسية، كما رأينا
كيف يمكن للإنسان الطموح أن يؤثر فيمن حوله، بل وأن ينقل حماسه إلى أسرته ومجتمعه.
وفي المقابل،
تعلمنا من مدير المطعم أن القيادة الحقيقية تبدأ من الميدان، وأن القائد الذي يعمل
مع فريقه ويشاركهم المسؤولية يصبح مصدر إلهام لهم، فالمجتمعات تتقدم بوجود أمثال
هذه الشخصيات التي تبث الأمل، وترفع الهمم، وتؤكد أن النجاح ليس حلماً بعيداً، بل
نتيجة طبيعية للإرادة والعمل والانضباط والإيمان بالقدرة على الإنجاز.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً