حين لا يجاوز القرآن التراقي: دروس من موقف محمد بن أبي حذيفة مع عقبة بن عامر
عَن عَبْدِالمَلِكِ
بنِ مُلَيْلٍ قَالَ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ
جَالِساً بِقُرْبِ المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَخَرَجَ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي
حُذَيْفَةَ، فَاسْتَوَى عَلَى المِنْبَرِ، فَخَطَبَ، وَقَرَأَ سُوْرَةً -وَكَانَ
مِنْ أَقْرَأِ النَّاسِ- فَقَالَ عُقْبَةَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ: «ليقرأنَّ القُرْآنَ رِجَالٌ لَا يُجَاوِزُ
تَرَاقِيَهُم، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّين كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ
الرَّمِيَّةِ»، فَسَمِعَهَا مُحَمَّدُ بنُ أَبِي حُذَيْفَةَ، فَقَالَ: وَاللهِ
لَئِنْ كُنْتَ صَادِقاً -وَإِنَّكَ مَا عَلِمْتُ لَكَذُوبٌ- إِنَّكَ لَمِنْهُم(1).
يمثل هذا الموقف
صورة مكثفة من صور التاريخ الإسلامي في زمن الفتنة الكبرى؛ إذ اجتمع فيه القرآن
والخطابة والسياسة والنفس البشرية في لحظة واحدة، فهو ليس مجرد حوار عابر بين
رجلين، بل مشهد يكشف كيف يمكن للإنسان أن يمتلك أدوات العلم والبيان، ثم يختبر عند
لحظة الصدام؛ هل يقوده العلم إلى الإنصاف، أم تقوده الخصومة إلى الدفاع عن الذات؟
إن قراءة هذا
الأثر تحتاج إلى تجاوز ظاهر الكلمات إلى تحليل السياق الذي خرجت فيه، والبحث في
الأبعاد التي جعلت هذا الموقف يحمل دروساً تتجاوز زمانه إلى قضايا الإنسان في كل
عصر.
قصة محمد بن أبي حذيفة على المنبر
كان المسجد في المجتمع الإسلامي الأول أكثر من مكان للعبادة؛ فقد كان مركزًا للتعليم والتوجيه
وإعلان المواقف العامة، ولذلك كان المنبر يمثل موقعًا بالغ التأثير، فالكلمة التي
تقال عليه لا تُسمع باعتبارها رأيًا فرديًا فقط، بل بوصفها خطابًا موجّهًا إلى
الجماعة، ويأتي هذا المشهد في سياق الاضطراب الذي سبق مقتل عثمان بن عفان رضي الله
عنه وما تبعه من أحداث الفتنة الكبرى.
وكان محمد بن أبي حذيفة ممن شاركوا في الأحداث التي انتهت إلى عزل والي عثمان على مصر، فكان
حاضرًا في دائرة الصراع السياسي آنذاك.
أما عقبة بن عامر رضي الله عنه، فهو صحابي جليل، من رواة الحديث، ومن أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم(2)، وكان حضوره في المسجد يمثل حضور الجيل الذي تلقى الدين
مباشرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا نشأت
حساسية الموقف؛ طرف يملك حضورًا سياسيًا وخطابيًا، وطرف يحمل ذاكرة النبوة والنقل.
لكن الدرس الأهم
أن الصراعات الكبرى لا تبدأ دائمًا من اختلاف المعلومات، بل كثيرًا ما تبدأ من
اختلاف موقع الإنسان داخل المشهد؛ فكل طرف يرى نفسه مدافعًا عن معنى يعتقد أنه حق.
معنى (لا يجاوز القرآن التراقي).. حين ينفصل النص عن العمل
مِن أبرز ما في
الحديث الذي استشهد به عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه لا يذم قراءة القرآن، بل
يحذر من قراءة تنفصل عن الفهم والهداية والعمل، قال النبي صلى الله عليه وسلم في
وصف طائفة من الناس: «يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ»(3)؛
والمعنى الذي ذكره شراح الحديث أن هؤلاء يملكون حظًا من التلاوة، لكن أثر القرآن
لا يصل إلى قلوبهم فيحملهم على الفقه والرحمة والعدل، قال النووي: معناه أن قوماً
ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم، وليس
ذلك هو المطلوب بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب(4).
وهنا تظهر قضية
معرفية عميقة؛ أن المشكلة ليست في امتلاك النص، بل في طريقة التعامل معه، فالقرآن
قد يكون نورًا يهدي صاحبه، وقد يكون حجة عليه إذا تحوّل إلى مجرد أداة لإثبات موقف
مسبق، ولهذا قال الله تعالى: (وَاتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ
الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الأعراف: 175)، فالآيات وحدها لا
تكفي إذا لم يصاحبها خضوع للحق.
وفي واقعنا
المعاصر، يظهر هذا المعنى في صور كثيرة، فقد يحفظ الإنسان النصوص، ويكثر من
الاستشهاد بها، لكنه عند الاختلاف لا يبحث عن الحق بل يبحث عن الانتصار، فالعلم
الحقيقي ليس كثرة المعلومات فقط، بل قدرة المعرفة على تهذيب النفس وضبط الموقف.
رد محمد بن أبي حذيفة.. كيف يدافع الإنسان عن ذاته عند النقد؟
رد محمد بن أبي
حذيفة لم يكن نقاشًا للحديث من جهة الدلالة، وإنما انتقال سريع إلى الطعن في
الناقل: «وإنك ما علمت لكذوب»، وهذا النوع من الردود يكشف ظاهرة إنسانية معروفة؛ فحين
يشعر الإنسان أن النقد لا يمس فكرة عنده، بل يمس هويته ومكانته، فقد ينتقل من
مناقشة القضية إلى مهاجمة صاحبها، فالإنسان قد يحتمل أن يُقال له: أخطأت في رأي،
لكنه يجد صعوبة أكبر في أن يُقال له: إن المسار الذي أنت فيه قد يكون منحرفًا، ولهذا
كانت الفتن من أخطر ميادين اختبار النفوس؛ لأنها تجعل الإنسان لا يدافع عن فكرة
مجردة فقط، بل يدافع عن صورته عن نفسه.
قال الله تعالى:
(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
{14} وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة)، فالإنسان قد يقدم لنفسه مبررات كثيرة، لكن أعماق النفس
تعرف أحيانًا مواضع الضعف التي لا يحب الإنسان الاعتراف بها.
وفي الحياة
اليومية تظهر هذه القضية في الأسرة والعمل والتعليم؛ فالمشكلة ليست دائمًا في
الخطأ، بل في عدم القدرة على استقبال التنبيه دون الشعور بالإهانة، فقوة الإنسان
لا تظهر عندما يُمدح، بل عندما يُنقد؛ وهناك يتبين مقدار اتزانه.
الإدارة القيادية للمنبر بين قوة الحضور ومسؤولية الكلمة
يكشف هذا الموقف
جانبًا مهمًا من طبيعة القيادة في أوقات الاضطراب؛ فالقائد لا يُختبر فقط عندما
تكون الظروف مستقرة، وإنما يظهر معدنه الحقيقي عندما تأتيه المواجهة أمام الجمهور
وفي لحظة مفاجئة، فقد كان محمد بن أبي حذيفة في موقع قوة ظاهرة؛ فهو على المنبر،
والناس تستمع إليه، وقد وصفه الأثر بأنه «كان من أقرأ الناس»، وهذه العناصر
الثلاثة: المكان، والقدرة البيانية، والإعجاب الجماهيري؛ تمنح صاحبها نفوذًا
كبيرًا، لكن النفوذ ليس دائمًا دليلًا على سلامة المسار؛ فقد يكون الإنسان قوي
الحضور لكنه يحتاج إلى مراجعة داخلية لطريقة تعامله مع الاختلاف.
وفي المقابل، لم
يدخل عقبة بن عامر رضي الله عنه في جدال طويل، ولم ينافس الخطيب في البلاغة، وإنما
ألقى كلمة واحدة تحمل وزنًا كبيرًا، حيث نَقَل حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا
تظهر قاعدة قيادية مهمة؛ ليست كل مواجهة تحتاج إلى كثرة الكلام، فبعض المواقف
يحسمها وضوح المبدأ أكثر مما يحسمها طول النقاش.
وقد كان من هدي
النبي صلى الله عليه وسلم أنه يربي أصحابه على التثبت والعدل حتى مع المخالف،
فقال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ
عِنْدَ الْغَضَبِ»(5)، فالقوة القيادية ليست في القدرة على إسكات
الآخرين، وإنما في القدرة على ضبط النفس، وتحقيق العدل، والبحث عن الحق.
وفي المؤسسات
المعاصرة، يظهر هذا المعنى بوضوح؛ فقد يمتلك بعض الأشخاص قدرة عالية على الإقناع
والتأثير، لكن القائد الحكيم لا يقيس الأشخاص بقدرتهم على جذب الجمهور فقط، بل
بقدرتهم على تحمل المسؤولية الأخلاقية عند الاختلاف، فالقيادة ليست امتلاك المنبر
فقط، بل امتلاك الحكمة في استعماله.
صناعة الوعي الجمعي وخطر الاستقطاب
لم يكن الحوار
بين عقبة ومحمد بن أبي حذيفة حوارًا خاصًا بين شخصين، بل وقع في فضاء عام أمام
جماعة من المسلمين، ولذلك فإن أثره الاجتماعي يتجاوز الكلمات إلى تشكيل رؤية الناس
للأحداث، فالجمهور بطبيعته يتأثر بالصوت الأعلى، والصورة الأقوى، والشخصية الأكثر
حضورًا(6)، ولهذا كانت الفتن الكبرى تعتمد كثيرًا على قدرة الأطراف
المتنافسة على تشكيل الإدراك العام.
وقد نبه القرآن
إلى خطورة انتشار الأقوال دون تثبت، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ
بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: 6)، فالآية تؤسس لمنهج اجتماعي عظيم،
حيث لا يكفي وصول الخبر، بل لا بد من التثبت من مصدره ومعناه وسياقه.
وفي هذا المشهد
تظهر قضية أوسع، حين تتحول الخلافات إلى صراع هويات، يصبح قبول الحق مرتبطًا
بالشخص لا بالدليل، فيميل الإنسان إلى تصديق من ينتمي إليه، ورفض من يختلف معه.
وهذا الخلل نراه
اليوم في ميادين الإعلام، والنقاشات العامة، وحتى داخل الأسرة؛ إذ قد يتحول الخلاف
حول فكرة إلى خصومة حول الأشخاص.
والعلاج ليس
إلغاء الاختلاف، فالاختلاف طبيعة بشرية، وإنما تهذيب طريقة التعامل معه؛ بأن يبقى
الميزان هو الدليل والعدل، لا الانتماء والعاطفة، فالمجتمع الواعي لا يسأل فقط: من
قال؟ بل يسأل أيضًا: ما الدليل؟ وما مدى عدل القول؟
الفرق الدعوي والتربوي.. بين تعليم النصوص وتربية النفوس
من أعمق الدروس
في هذا الأثر أن المشكلة لم تكن في غياب القرآن، بل في احتمال وجود القرآن دون
اكتمال أثره التربوي، فقد يكون الإنسان قارئًا للقرآن، حافظًا له، حسن الصوت به،
لكنه يحتاج إلى أن يسأل: ماذا صنع القرآن في أخلاقي عند الاختلاف؟ ماذا صنع في
قدرتي على الإنصاف؟ ماذا صنع في علاقتي بالناس؟ قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: 9)، والهداية هنا ليست مجرد معرفة
الطريق، بل السير فيه، ولهذا كان العلماء قديمًا يربطون بين العلم والعمل.
قال الخطيب
البغدادي في معنى مشهور من كلام أهل العلم: «إن العلم شجرة والعمل ثمرة، وليس
يعد عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً»(7)؛ ومن هنا، فإن التربية
الإسلامية الناجحة لا تكتفي بتعليم الأبناء والمتعلمين كثرة المحفوظات، بل تربط
المعرفة ببناء الشخصية، فالطالب الذي يحفظ النصوص لكنه لا يتعلم أدب الخلاف، قد
يتحول علمه إلى أداة خصومة بدل أن يكون وسيلة إصلاح.
وفي الدعوة
المعاصرة، تظهر الحاجة إلى هذا التوازن؛ فالداعية لا يحتاج فقط إلى قوة البيان، بل
إلى رحابة الصدر، وحسن الظن، والقدرة على احتواء الناس، إذ الغاية من العلم ليست
أن يعلو الإنسان على الناس، بل أن يرتفع بنفسه عن أخلاق الجهل والهوى.
المفارقة البلاغية.. بين جمال الظاهر وخطر الباطن
يحمل النص
مفارقة أدبية عميقة؛ رجل يقرأ القرآن، والمنبر يشهد لجمال صوته وحسن بيانه، ثم
تأتي لحظة الاختبار الأخلاقي فتظهر طبيعة التعامل مع المخالف، وهذه المفارقة من
أكثر الصور حضورًا في التراث الإسلامي؛ أن يكون جمال الظاهر محتاجًا دائمًا إلى
شاهد من الباطن.
وقد عبر القرآن
عن هذا المعنى في وصف المنافقين، قال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ
يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) (المنافقون: 4)،
فالآية لا تنفي حسن الصورة أو قوة البيان، لكنها تحذر من جعل الظاهر وحده معيار
الحكم، وهنا تكمن بلاغة الموقف، حيث لم يكن الاختبار في القدرة على القراءة، بل في
أثر القراءة عند لحظة الخصومة، فاللسان الذي يترنم بالحق ينبغي أن يكون أيضًا
قادرًا على قبول الحق إذا جاء من غيره، حيث إن جمال العبارة لا يغني عن جمال
السيرة، وقوة البيان لا تكفي دون قوة الإنصاف.
حين تصبح القيم الحضارية معياراً للاستقرار
تتجاوز دلالة
هذا الأثر الفرد إلى بناء المجتمعات والمؤسسات؛ فكل مجتمع يمر بلحظات اختبار تظهر
فيها أهمية المرجعيات والقيم الحاكمة، فإذا أصبح النفوذ أقوى من المبادئ، تحول
الاختلاف إلى صراع على السيطرة، أما إذا بقيت القيم فوق الأشخاص، أمكن للمجتمع أن
يصحح أخطاءه دون انهيار، ومن هنا نفهم أهمية وجود مؤسسات تقوم على قواعد واضحة،
بحيث لا يكون القرار تابعًا لقوة الشخصية أو حرارة الخطاب، بل للعدل والشورى
والتثبت.
وقد قرر القرآن
أصلًا جامعًا في إدارة الشأن العام، حيث قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران: 159)، فالشورى
ليست مجرد إجراء إداري، بل حماية للمجتمع من استبداد الرأي الواحد.
وفي واقع
المؤسسات اليوم، فإن أكثر البيئات عرضة للاضطراب التي يرتبط فيها الحق بشخص القائد
لا بالمبادئ؛ لأن غياب الشخص يؤدي إلى غياب المعايير، وهنا يتبين أن استقرار
المؤسسات لا يبنى على قوة الأفراد فقط، بل على قوة القيم التي تضبط الأفراد.
من خلال ما سبق، يتبين أن القرآن امتحان للقلوب قبل أن يكون زينة للألسنة، وأن أخطر الاختبارات ليست دائمًا في معرفة الحق، بل في القدرة على الانقياد له عندما يخالف رغبات الإنسان ومكانته وصورته أمام الناس.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً