درس قيادي في أدب السؤال
"هو أعلم مني".. التواضع العلمي عند عطاء بن أبي رباح
أورد الإمام الذهبي في «سير أعلام
النبلاء»: عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَطَاء بن أبي رباح(1)
فَجَعَلَ يَسْأَلُنِي، فَكَأَنَّ أَصْحَابَهُ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا:
تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: مَا تُنْكِرُونَ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنِّي، قَالَ ابْنُ أَبِي
لَيْلَى، وَكَانَ عَالِمًا بِالْحَجِّ: قَدْ حَجَّ زِيَادَةً عَلَى سَبْعِينَ
حِجَّةً(2).
في هذا المشهد القصير تتجلى مدرسة كاملة
في العلم والتربية والقيادة، لسنا أمام حوار عابر بين عالمين، بل أمام لحظة تكشف
الفرق بين من يرى العلم وجاهة اجتماعية، ومن يراه أمانةً لا يُنال شرفها إلا
بالتواضع.
مجلس مكة.. حين صار العلم مدارسة لا وجاهة
كان عطاء بن أبي رباح من كبار فقهاء مكة،
حتى نقلت كتب التراجم أن فتوى أهل مكة انتهت إليه وإلى مجاهد، وأنه كان يُنادَى في
الحج: لا يفتي الناس إلا عطاء، فإن لم يكن فعبدالله بن أبي نجيح(3)،
ونُقل عن أبي حازم أنه فاق أهل مكة في الفتومالى، وعن غيره أنه كان من أعلم الناس
بالمناسك(4).
وبالنظر إلى هذا السياق، نجد أن سؤال
عطاء لابن أبي ليلى لم يقع من مبتدئ يسأل عالمًا فحسب، بل من إمام مكيّ له مقام
راسخ، وهنا تظهر قيمة الموقف، فكلما علت رتبة العالم زادت دلالة تواضعه، ولو كان
السؤال ينقص مقام صاحبه لما فعله عطاء أمام أصحابه، ولكنه كان يعلم أن مقام العالم
لا يحفظه التظاهر بالاكتفاء، بل يحفظه صدق الطلب.
والقرآن يرسخ هذا الأصل بقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 43)، فالسؤال ليس عيبًا في السائل،
بل عبادة معرفية حين يكون طريقًا إلى الحق، وفي الصحيحين: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ
خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، فجعل الفقه في الدين علامة خير، ولم يجعل
صورته في ادعاء الإحاطة، بل في دوام التعلّم والتبصر.
وفي واقعنا، تحتاج المجالس العلمية،
والجامعات، والمؤسسات الدعوية، وحتى بيئات العمل، إلى إعادة الاعتبار للسؤال،
فالمجلس الذي يخاف فيه الطالب من السؤال مجلس ينتج الحفظ لا الفهم، والمؤسسة التي
يخشى فيها الموظف أن يقول: «لا أعلم» تصنع أخطاءً متراكمة تحت ستار الهيبة.
ومن هنا، فإن السياق التاريخي يجعل
الموقف أبلغ؛ فتواضع الكبير ليس نقصًا في منزلته، وإنما دليل على رسوخها.
لماذا ينبغي أن يعرف العالم الحقيقي حدود علمه؟
جملة عطاء: «هو أعلم مني» ليست تواضعًا
اجتماعيًا فحسب، بل هي ثمرة إيمان بقول الله تعالى: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف: 76)،
فالعالم في التصور الإسلامي لا يقف عند نفسه، ولا يجعل علمه نهاية الطريق، لأن
العلم منحة من الله، والعبد مهما بلغ لا يزال محاطًا بحدود العجز والنقص.
ويحمي القرآن الكريم اللسان من الجرأة
على القول بلا علم، فيقول: (وَلَا
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: 36)، ويقول: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ
أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) (النحل: 116)،
ومن هنا نفهم أن سؤال عطاء لم يكن طلب معلومة فقط، بل كان صيانةً للدين من أن
يتكلم المرء فيما لا يحسنه.
وقد ورد في سنن أبي داود حديث قصة الرجل المجروح، وفيه: «أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا»، ففيه دليل على ضرورة
السؤال عند عدم العلم.
وفي الواقع المعاصر، تظهر خطورة غياب هذا
البعد في الجرأة على الفتوى، أو التعليق السريع، أو إصدار الأحكام في قضايا أسرية
واجتماعية وطبية ومالية دون اختصاص، وإذا كان عطاء، وهو عطاء، يسأل، فكيف بمن لم
يبلغ عُشر معشار علمه؟
وهنا يتبين أن السؤال في الدين ليس ترفًا
معرفيًا، وإنما ورع يحرس اللسان من القول على الله بغير علم.
لماذا يخاف بعض العلماء والمتصدرين من الاعتراف بعدم المعرفة؟
أصحاب عطاء لم ينكروا السؤال لخلل في
جوابه، بل لأنهم رأوا فيه تهديدًا لصورة الشيخ في نفوسهم، وهذه هي المشكلة
النفسية؛ حين يتحول حب الشيخ إلى صناعة هالة تمنعه من التعلم، ويمنع تلامذته من
رؤية بشريته.
أما عطاء، فقد امتلك شجاعة نفسية نادرة؛
لم يَخَف أن يظهر محتاجًا إلى علم غيره، وهذا هو التحرر من الكبر العلمي، وقد عرّف
النبي صلى الله عليه وسلم الكبر في صحيح مسلم بأنه «بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»؛
أي رد الحق واحتقار الخلق(5)، وعطاء فعل العكس تمامًا؛ قَبِل الحق
المحتمل من غيره، وأنزل ابن أبي ليلى منزلته.
وهذا درس لكل من يتصدر تعليمًا أو إدارة
أو دعوة؛ أخطر ما يصيب المتصدر أن يربط قيمته بعدم الخطأ، أو أن يظن اعترافه بفضل
غيره إسقاطًا لهيبته، الحقيقة أن الناس يثقون أكثر بمن يقول: «لا أدري»، أو
«اسألوا فلانًا فهو أدرى»، لأنهم يرون فيه طالب حق لا طالب ظهور.
وفي البيت والأسرة، يحتاج الأب والمربي
إلى هذا المعنى أيضًا، فاعتراف الأب بخطئه أمام أبنائه لا يسقط مكانته، بل يعلّمهم
الصدق، واعتراف المعلم بحدود علمه لا يضعفه، بل يفتح أمام طلابه باب البحث.
وبهذا يتبين أن التواضع العلمي ليس ضعف
شخصية، بل قوة نفس تعرف قدرها ولا تخاف من الحقيقة.
التخصص المعرفي والمنهجي مقدّم على الشهرة العامة
من أعمق ما في الأثر أن ابن أبي ليلى
علّل علم عطاء بالحج بقوله: «قد حج زيادة على سبعين حجة»، والعدد هنا ليس مجرد
كثرة، بل إشارة إلى طول الملازمة، وتراكم الخبرة، وتكرار الوقوف على المسائل في
مواسم متعددة، ومع حجاج من بيئات مختلفة.
وقد نصت التراجم على علم عطاء بالمناسك،
حتى قال أبو جعفر: ما بقي على ظهر الأرض أحد أعلم بمناسك الحج من عطاء، وعن عبدالعزيز
بن أبي حازم، عن أبيه، قال: ما أدركت أحداً أعلم بالحج من عطاء بن أبي رباح(6).
هذا يقرر قاعدة منهجية مهمة: الشهرة
العامة لا تلغي التخصص، والعالم الموسوعي قد يسأل المتخصص في باب بعينه، فالعلم
ليس كتلة واحدة، وإنما أبواب ومجالات، ولكل باب رجاله وخبراؤه.
وفي زماننا، يقع الخلل حين يتكلم صاحب
الحضور الإعلامي في كل فن، أو حين يُسأل الواعظ في الطب والاقتصاد والسياسة
والتربية دون تمييز، والمجتمعات الراشدة هي التي تحترم التخصص، فلا تجعل الشعبية
بديلًا عن الأهلية، ولا المنصب بديلًا عن الخبرة.
وفي موقف عطاء نتعلم أن الرجوع إلى
المتخصص فضيلة، وأن الاعتراف بالخبرة جزء من أمانة العلم.
التعليم القيادي والتربوي للطلاب بالموقف لا بالموعظة
كان بإمكان عطاء أن يسكت أصحابه بكلمة
زجر، لكنه قال: «ما تنكرون؟»، إنها صيغة سؤال تربوي؛ لم يرد أن يهزمهم، بل أن يوقظ
عقولهم، ثم أتبعها بقوله: «هو أعلم مني»، فحوّل الموقف كله إلى درس حي.
هذا من أبلغ أساليب التربية: التعليم
بالفعل قبل الكلام، فالطلاب رأوا شيخهم يسأل، ورأوه يثني على غيره، ورأوه يرد ضغط
جماعتهم دون غضب، هذه اللحظة أعمق أثرًا من محاضرة طويلة في التواضع.
وفي السُّنة الصحيحة أصل عظيم في
المشورة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ»، فإذا كان
المستشار مؤتمنًا، فطلب المشورة من أهلها فعل قيادي راشد، لا علامة ضعف.
وتحتاج المؤسسات اليوم إلى قادة يربّون
الناس على السؤال لا على التصفيق، القائد الذي يمنع فريقه من مخالفته يصنع بيئة
صامتة، والبيئة الصامتة قد تبدو مستقرة لكنها غالبًا تخفي الأخطاء حتى تكبر، أما
القائد الذي يسأل ويستشير، فإنه يفتح أبواب التصحيح المبكر، فالقيادة الحقيقية لا
تُقاس بكثرة الأوامر، بل بقدرتها على صناعة عقول تسأل وتتعلم.
الثبات على الحق رغم ضغوط المجتمع
أصحاب عطاء مارسوا نوعًا من ضغط الجماعة،
لم يريدوا لعطاء أن يظهر سائلًا، لأنهم ظنوا أن هيبة الشيخ تقوم على أن يكون هو
المجيب دائمًا، وهذه آفة اجتماعية متكررة؛ قد يحيط بالرمز من يحمي صورته أكثر مما
يحمي صدقه.
لكن عطاء لم يستجب لهذا الضغط، لم يقل:
«نعم، لا ينبغي أن أسأله»، ولم يسايرهم حفاظًا على صورتهم عنه، بل صحح لهم
الميزان: «ما تنكرون؟»، كأنما يقول: الإنكار الحقيقي ليس أن يسأل العالم، بل أن
يمنعه الناس من السؤال.
والقرآن يربط المجتمع المؤمن بالشورى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)
(الشورى: 38)، والشورى لا تقوم في مجتمع يقدس الأشخاص على حساب الحق، ولا
في جماعة تخاف من مراجعة الكبير، إنما تقوم حين يصبح الحق أعلى من المقام،
والمعلومة أعلى من المجاملة.
في واقع الدعوة والتعليم والإدارة، قد
تتحول «الحاشية» إلى حاجز بين القائد والحقيقة؛ تمدحه، وتبرر له، وتخشى أن يرى
الناس نقصه البشري، ومن هنا تبدأ القطيعة بين القيادة والواقع، أما القائد الراشد فيكسر
هذه الدائرة بيده، كما فعل عطاء، فالمجتمع العلمي الصحيح لا يحمي صورة الأشخاص، بل
يحمي طريق الوصول إلى الحق.
«هو أعلم مني».. كيف صنعت جملة قصيرة
منهجًا كاملًا؟
معلوم أن بلاغة الأثر في قصر عبارته، وفي
موقفنا هذا نجد أن عطاء لم يحتج إلى خطبة طويلة، بل قال: «ما تنكرون؟ وهو أعلم
مني»، في الجملة الأولى استفهام إنكاري يردّ الخلل إلى أصحابه، لا إلى فعله، وفي
الجملة الثانية تقرير هادئ يعيد ترتيب المقامات.
هذا النوع من البيان هو بيان العلماء:
قليل اللفظ، كثير المعنى، فهو لا يهاجم الطلاب، ولا يمدح نفسه، ولا يعتذر عن
سؤاله، بل يضع ميزانًا؛ حيث كان العلم فثمّ موضع السؤال.
والتربية المعاصرة تحتاج إلى هذا
الاقتصاد البياني، فكثير من المواقف لا يصلحها الإطالة، بل تصلحها عبارة صادقة في
وقتها، عبارة المعلم: «فلان أحسن مني في هذا الباب»، أو قول المدير: «اسألوا صاحب
الخبرة»، قد تغيّر ثقافة المكان كله، فالكلمة القصيرة إذا خرجت من نفس صادقة قد
تبني منهجًا كاملًا.
كيف يتحمل العمل الفردي إلى ثقافة جماعية؟
لو بقي موقف عطاء فضيلة فردية لانتهى
أثره بانتهاء المجلس، لكن قيمته الكبرى أنه يصلح أن يتحول إلى ثقافة عامة؛ ثقافة
السؤال، وتبادل الخبرات، وإحالة المسائل إلى أهلها، والاعتراف بحدود المعرفة.
- في المدرسة، يعني ذلك أن يُدرَّب الطالب على السؤال لا على تلقي الجواب فقط،
- في المسجد، يعني أن يعتاد الخطيب والداعية قول: «هذه مسألة تحتاج مراجعة»،
- في الإعلام، يعني ألا يُستدعى الشخص نفسه للحديث في كل شيء،
- في العمل، يعني أن يُسمع صوت المختص ولو كان أصغر سنًا أو أقل منصبًا.
هذه الثقافة لا تهدم المقامات، بل تنقّيها، فمكانة العالم أو القائد لا تعني العصمة، ومكانة التلميذ أو الموظف لا تعني انعدام الفائدة، وقد كان من جلالة ابن أبي ليلى في الفقه أن عطاء لم يجد حرجًا في سؤاله، مع أن أهل الحديث تكلموا في حفظه من جهة الرواية؛ وهذا يعلّمنا التفريق بين مجالات التقييم؛ فقد يضعف الرجل في باب، ويقوى في باب آخر، فإذا صار السؤال قيمة مؤسسية، تحولت المعرفة من ملكية فردية إلى أمانة مشتركة.
الهوامش
- 1 أبو محمد القرشي، يقال: ولاؤه لبني جمح، وكان من مولدي الجند، ونشأ بمكة، وولد في أثناء خلافة عثمان، انتهت فتوى أهل مكة إليه وإلى مجاهد، وأكثر ذلك إلى عطاء، وكان ثقة، فقيهًا، عالمًا، كثير الحديث، أدرك مائتين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن جماعة من كبار الصحابة، وروى عنه خلق كثير من أئمة التابعين ومن بعدهم. وكان أعلم الناس بمناسك الحج، حتى كان ينادى في موسم الحج: «لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح»، وكان من أحسن الناس صلاة، ولزم المسجد عشرين سنة، وعرف بالزهد والورع وكثرة الصمت، وكان يقول: «إني أستحيي من الله أن يُدان في الأرض برأيي»، وتوفي بمكة سنة أربع عشرة ومائة، وقيل: سنة خمس عشرة ومائة للهجرة. (سير أعلام النبلاء للذهبي (5/ 79-88).
- 2 سير أعلام النبلاء للذهبي (5/ 82).
- 3 تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي (20/ 78).
- 4 الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 21).
- 5 تفسير السعدي، ص 943.
- 6 سير أعلام النبلاء للذهبي (5/ 81).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً