يوميات متقاعد (40)
تخطِّي التوقعات.. درس من موقف يومي
في هذه السلسلة
من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.
بداية الموقف.. اتصال غير متوقع
نبدأ بهذا
الموقف الذي حدث في 2 يونيو 2025م؛ حيث تلقيت اتصالاً من مركز خدمة السيارات الخاص
بالشركة التي اشتريت منها سيارتي، كان اتصالاً لافتاً؛ إذ بادروا بتذكيري بموعد
الصيانة بعد أن قطعت السيارة مسافة 20 ألف كيلومتر، وهذا في حد ذاته يعد نموذجاً
جميلاً في المتابعة والاهتمام بالعميل.
لبيت الدعوة
مباشرة، وسألتهم عن الوقت المناسب؛ فقالوا: حياك الله في أي وقت، توجهت إليهم،
فوجدت استقبالاً حسناً، وترحيباً لائقاً يعكس احترافية المكان.
تجربة الانتظار.. استثمار الوقت والإحسان في الخدمة
خيروني بين
العودة إلى المنزل والرجوع بعد ساعتين، أو الانتظار في صالة المراجعين؛ فاخترت
الانتظار؛ لأن لديَّ بعض الأعمال التي يمكن إنجازها وأنا في الصالة، فدخلت صالة
مكيفة، ومنظمة، وفيها مقصف صغير يقدم الشاي والقهوة بلا مقابل، مع عناية واضحة
بحسن الضيافة.
كان هناك شباك
زجاجي يمكّنك من متابعة سيارتك أثناء الفحص والصيانة؛ وهذا يعزز الثقة والشفافية، وعلى
مدى ساعتين، كنت أراقب مستوى العناية بسيارتي، وفي الوقت نفسه أنجزت بعض أعمالي
عبر الهاتف الذكي، وهنا تتجلى قيمة استثمار الوقت؛ إذ يستطيع الإنسان أن يحول
أوقات الانتظار إلى فرص للإنتاج.
لم أتمالك نفسي
بعد انتهاء الخدمة؛ فأثنيت على المسؤول عن الكراج، وقلت له: لو سألني أحد عن هذه
الخدمة، فسأمدحها وأوصي بها وأثني على العاملين فيها؛ لما رأيت من جودة واهتمام.
تفاصيل إضافية: عناية تتجاوز المتوقع
بعد الفحص،
اكتشفوا وجود مسمار في أحد إطارات السيارة؛ فنصحوني بإصلاحه فوراً في أحد كراجات
الشويخ، فخرجت مباشرة إلى هناك، إلى صديقي محمود، الذي يملك ورشة متميزة، طلبت منه
إنجاز العمل بسرعة قبل أذان المغرب؛ فلبى الطلب خلال دقائق معدودة، وأصلح الإطار
باحترافية.
هذا التسلسل من
الخدمات يظهر كيف يمكن لجودة الأداء أن تتجاوز توقعات العميل، وترسخ لديه شعور
الرضا والولاء.
وقفة تربوية: كيف نكسب ولاء الآخرين؟
إن كسب ولاء
الناس لا يكون بالشعارات، بل بتخطي توقعاتهم، فإذا كان لديك متجر، أو بقالة، أو
ورشة، أو أي عمل خدمي؛ فاحرص على تقديم خدمة تتجاوز ما ينتظره العميل.
وهنا نقف قليلاً
لنستعرض مفهوم تخطي التوقعات من خلال تجربة عملية.
دوائر الخدمة.. فهم أعمق للأداء
في كتاب صدر لي
عام 2026م، بعنوان «كيف تتخطى توقعات الآخرين؟»، قسمت الأداء إلى أربع دوائر:
الأولى: الدائرة
العامة؛ وهي الحد الأدنى من الخدمة، مثل وجود مبنى البنك في مكانه، هذه ليست ميزة،
بل أمر بديهي.
الثانية:
الدائرة المتوقعة؛ مثل فتح البنك أبوابه في الساعة 8 صباحاً، وهذا أيضاً ضمن
المتوقع.
وهاتان
الدائرتان تمثلان نحو 90% من الخدمات المقدمة في العالم.
ننتقل إلى الثالثة؛
وهي الدائرة المتسعة، حيث يبدأ التميز الحقيقي، هنا يتم تخطي التوقعات عبر ثلاث
كلمات: خدمة أسرع.. خدمة أفضل.. خدمة أكثر.
فمثلاً: إذا فتح
البنك قبل الوقت المعتاد؛ فهذه خدمة أفضل، وإذا قدمت لك ضيافة غير متوقعة؛ فهذه
خدمة أكثر، وإذا أنجزت معاملتك بسرعة تفوق توقعاتك؛ فهذه خدمة أسرع.
هذه الدائرة
تمثل نحو 9% من المؤسسات، وهي القادرة على كسب رضا العملاء واستمرارهم.
أما الرابعة؛
فهي الدائرة المتفردة، التي لا يصل إليها إلا نحو 1% من الناس، وهي تقديم شيء غير
مسبوق، لا يتوقعه أحد؛ مثل: الحصول على شهادة جودة عالمية نادرة، أو تحقيق إنجاز
علمي كبير، أو ابتكار فكرة فريدة، ويمكن تطبيق هذا حتى في العلاقات الشخصية؛ كأن
تقدم هدية مبتكرة تحمل معنى عاطفياً عميقاً.
تطبيق القيم في الحياة اليومية
إن هذه الدوائر
ليست نظرية فقط، بل يمكن تطبيقها في كل جوانب الحياة؛ في العمل، وفي الأسرة، وفي
العلاقات الاجتماعية، فعندما تقدم لأسرتك خدمة أفضل أو أسرع أو أكثر؛ فإنك تبني
علاقة قائمة على العطاء.
وكذلك في
التعليم، إذا طلب الأستاذ من الطالب واجباً خلال 5 أيام، فأنجزه في 4 أيام؛ فهذه
أسرع، وإذا أضاف مسألة إضافية؛ فهذه أكثر، وإذا قدمه بشكل أنيق ومنظم؛ فهذه أفضل.
دعوة إلى التميز الواقعي
لا نطلب من
الجميع الوصول إلى الدائرة الرابعة؛ لكننا ندعو إلى التركيز على الدائرة الثالثة
على الأقل؛ أي تقديم خدمات أسرع، وأفضل، وأكثر.
فهنا يكمن سر
النجاح، وهنا تبنى العلاقات، وهنا يتحقق التميز الحقيقي في الحياة والعمل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً