يوميات متقاعد (39)
يومٌ بين الوفاء والخبرة وتفعيل القيم
في هذه السلسلة
من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.
بداية الوقفة مع صديق متقاعد
نبدأ بهذا
الموقف الذي حدث بتاريخ 1 يونيو 2025م؛ حيث صادف هذا اليوم أول يوم في تقاعد صديقي
العزيز أ.د. أسعد، وهو من أقرب الناس إليَّ، إذ عملنا سوياً في كلية الهندسة
والبترول سنوات طويلة.
أحببت أن أشاركه
هذه اللحظة؛ فدعوته إلى وجبة ريوق في أحد المقاهي المشهورة في الكويت، وطلبت منه
أن يحضر الساعة 7 صباحاً؛ حتى أكون أول من يلتقي به في يومه الأول بعد التقاعد،
كان الهدف أن نبدأ هذا اليوم ببداية إيجابية مليئة بالود والوفاء.
حوار الذكريات والتجارب
جلسنا نستعيد
ذكرياتنا الجميلة؛ حين كنا نعمل أساتذة في كلية الهندسة، ونتحدث عن طرق التعامل مع
الطلبة، وكيف كنا نمنحهم أكثر من فرصة لإثبات أنفسهم، ونساعد المجتهد منهم، كانت
جلسة لطيفة استمرت نحو ساعة، لكنها كانت مليئة بالمعاني.
ومن خلال هذه
الوقفة، أقدم نصيحة صادقة لكل أخ وأخت: إن عالم التقاعد عالم مختلف؛ إذ ينتقل
الإنسان من الانشغال الدائم إلى فراغ واسع؛ ولذلك، يجب علينا أن نحتوي المتقاعدين،
وأن نعينهم على استثمار وقتهم.
ثلاث تاءات بعد التقاعد
قلت لصديقي د.
أسعد: أنا تركت تاء، ومارست ثلاث تاءات بعد التقاعد، فسألني: ما هذه التاءات؟
قلت له: أما
التاء التي تركتها فهي تاء التدريس؛ فقد تركت المجال للجيل الجديد من الأساتذة؛
لأننا أدينا ما علينا، وحان الوقت لهم ليبدعوا.
وأما التاء
الأولى التي مارستها بعد التقاعد فهي تاء التدريب؛ حيث انتقلت إلى التدريب الإداري
والقيادي والسلوكي، مستفيداً من خبرة تجاوزت 38 سنة في التعامل مع الطلبة والزملاء
والموظفين.
وأما التاء
الثانية فهي تاء التأليف؛ إذ قلت له: ينبغي أن تؤلف كتاباً واحداً على الأقل، توثق
فيه خبراتك وتجاربك؛ لتكون مرجعاً لمن يأتي بعدك، وتترك بصمة في الحياة.
وأما التاء
الثالثة فهي تاء التطوع؛ حيث أعمل عضواً في مجلس إدارة جمعية خيرية، أقدم من
خلالها زكاة علمي، خدمة للمجتمع، وابتغاء لرضا الله تعالى.
قال لي: هذه
نصائح ثمينة؛ وسأبدأ بتطبيقها، ثم أضاف: لديَّ أعمال كثيرة أنوي القيام بها بعد
التقاعد، فقلت له: هنيئاً لك؛ فقد أدركت سر النجاح في هذه المرحلة.
وقفة مع واقع المتقاعدين
أيها الإخوة
الكرام، هل تعلمون أن في الكويت أكثر من 180 ألف متقاعد؟ هؤلاء ثروة من الخبرات؛
ينبغي الاستفادة منها، وتشجيعها على العطاء في مجالات الإدارة والقيادة وتنمية
السلوك؛ فإن دعم هذه الفئة ليس خياراً، بل ضرورة مجتمعية.
تجربة شراء طابعة
في اليوم نفسه (1
يونيو 2025م)، قررت شراء طابعة لطباعة بعض الأوراق، وكانت بسعر بسيط لا يتجاوز 15
ديناراً، لكن المشكلة كانت في الأحبار؛ إذ إن سعر الحبر يصل إلى 10 دنانير.
اشتريت الطابعة،
لكنني فشلت في ربطها بالحاسوب؛ فذهبت إلى شارع ابن خلدون، حيث المراكز المتخصصة،
حاول 4 فنيين ربطها لكن دون جدوى.
في اليوم
التالي، أعدت الطابعة إلى المحل، فقال لي البائع: هل استخدمت الأحبار الموجودة في
الصندوق؟ قلت: لا، احتفظت بها، فقال: هذا هو الخطأ.
جربنا مجدداً؛
لكن المحاولات فشلت، وفي النهاية، استرجعت مالي، بعد أن تأكدنا أن المشكلة في
الطابعة نفسها.
وهنا درس مهم:
على التاجر أن يتأكد من جودة منتجاته، وعلى العميل أن يطالب بحقه بهدوء ووضوح.
موقف في المسجد: أدب الجماعة
وفي موقف آخر في
المسجد، أثناء الصلاة، كان هاتف أحد المصلين يرن في كل ركعة، وبعد الصلاة، تحدثت
معه بلطف، وسألته: هل تعرف وضع الهاتف على الصامت؟ فقال: نعم، قلت له: من الأفضل
أن تضعه على الصامت قبل الصلاة؛ حتى لا تزعج الآخرين، فتقبل النصيحة، وتعهد
بالالتزام.
وهنا دعوة عامة:
احرصوا على إغلاق أصوات هواتفكم قبل الصلاة؛ حفاظاً على خشوع المصلين.
تفعيل القيم عبر المبادرات
وفي ختام هذا
اليوم، أطلق أحد الإخوة من الجالية الفلسطينية في مدينة بورصة في تركيا، وهو د.
محمد، مجموعة عبر تطبيق «واتساب»، بعنوان «منظومة تفعيل القيم القرآنية»، وضم
إليها نحو 30 شخصاً.
وهذه المبادرة
تذكرنا بأهمية تفعيل القيم القرآنية في حياتنا؛ ليس فقط في أنفسنا؛ بل في أبنائنا
ومجتمعنا.
خاتمة اليوم
إن هذا اليوم،
بما فيه من مواقف متنوعة؛ من وفاء لصديق، إلى نصيحة لمتقاعد، إلى تجربة استهلاكية،
إلى موقف تربوي في المسجد، إلى مبادرة قيمية؛ يبين لنا أن الحياة مليئة بالدروس، وأن
الإنسان الواعي هو من يحوّل هذه المواقف إلى معانٍ تغذي فكره، وتنمي سلوكه، وتقربه
من ربه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً