يوميات متقاعد (37)
يومٌ غيَّر نظرتي إلى الحياة بين التقنية والوفاء والاختيارات
في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العبر المستفادة منها.
بداية حقيقية من موقف واحد
في يوم عادي من
أيام الحياة، وتحديداً في 26 مايو 2025م، لم أكن أتوقع أن يكون هذا التاريخ بداية
سلسلة من الوقفات العميقة التي أعادت ترتيب أفكاري ونظرتي لعدة أمور في الحياة، ففي
ذلك اليوم، كان لديَّ لقاء مع الأخ باسم، وهو مدير عام لمركز تدريبي في الكويت،
ولم يكن اللقاء مجرد جلسة عابرة، بل كان نقطة تحول في فهمي لما ينتظرنا في عالم
التدريب.
من التدريب التقليدي إلى الذكاء الاصطناعي
بدأ حديثنا عن
واقع التدريب، ثم انتقل بسلاسة إلى المستقبل؛ حيث قال لي: إن الإقبال على الدورات
المتعلقة بالذكاء الاصطناعي أصبح واضحاً، بل ومتزايداً بشكل ملحوظ، ثم وجه لي طلباً
مباشراً: استعد لتقديم دورات توظف الذكاء الاصطناعي في تحقيق الأهداف وإنجاز
الأعمال.
لم يكن الطلب
بسيطاً؛ إذ لم يكتف بذلك، بل أضاف مجموعة من التساؤلات التي يجب أن تتضمنها هذه
الدورات: كيف يعمل الذكاء الاصطناعي؟ وما مدى دقته؟ وما أبرز أخطائه؟ كم عدد
أنواعه؛ وما أفضلها وأشهرها، عندها أدركت أننا أمام مرحلة جديدة، تتطلب منا ليس
فقط التعلم؛ بل إعادة بناء طريقة التفكير.
من حديث المستقبل إلى فرحة طال انتظارها
وبينما كنت ما
أزال أفكر في هذا التحول الكبير، جاءني في اليوم نفسه خبر أعادني إلى أعمق معاني
الإيمان واليقين، فقد دخل عليَّ صديقي العزيز سعد، وعلى وجهه بشائر الفرح، ليخبرني
بأن المحكمة أصدرت حكماً ببراءة أخينا بومشاري من قضية كيدية استمرت أكثر من عام
كامل.
تهنئة المظلوم ببراءته ليست مجاملة وإنما واجب إنساني وسجود الشكر في مثل هذه المواقف يعيد للقلب توازنه
في تلك اللحظة،
لم أجد تعبيراً أصدق من سجود الشكر؛ فسجدت لله حمداً على هذه النعمة، واستحضرت هذا
الدعاء العظيم: «من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك
وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر؛ فقد أدى شكر ذلك اليوم» (صحيح ابن حبان)،
كانت لحظة تذكرنا بأن الفرج يأتي بعد الصبر، وأن الظلم لا يدوم.
ومن هنا، خرجت
بقناعة واضحة؛ أن تهنئة المظلوم ببراءته ليست مجاملة، بل هي واجب إنساني، وأن سجود
الشكر في مثل هذه المواقف يعيد للقلب توازنه.
الانتقال إلى الصحة.. وعي قبل الحاجة
وبعد ثلاثة أيام
فقط، وتحديداً في 29 مايو 2025م، وجدت نفسي أمام وقفة أخرى، لكن هذه المرة في جانب
مختلف من الحياة؛ جانب الصحة، فقد وجهت دعوة لطبيبي د. حمد، الذي يتابع مستوى
السكر لديَّ، رغم أنني -بفضل الله- لا أعاني من المرض.
كانت هذه
المتابعة نابعة من قناعة بأن الوقاية خير من العلاج، وأن الإنسان كلما تقدم في
العمر، زادت حاجته إلى الانتباه لصحته، وخلال هذه الوقفة، تأكد لديَّ أن هناك
أربعة أمراض ينبغي أن تكون في دائرة الوعي المستمر، خصوصاً في مجتمعات الخليج،
وهي: داء السكري، وضغط الدم، وأمراض القلب، والسمنة، التي أصبحت من أبرز التحديات
الصحية في عصرنا.
علاقة إنسانية تتجاوز الطب
استجاب د. حمد
لدعوة وجهتها له، والتقينا في أحد المقاهي المعروفة في الكويت، ولم تكن الجلسة
طبية كما قد يتوقع البعض، بل كانت إنسانية بامتياز، تحدثنا عن الحياة الاجتماعية، وعن
التجارب الشخصية، وعن جوانب أكاديمية مختلفة.
العمل الصالح لا يضيع وما نزرعه في شبابنا قد يعود إلينا في لحظة تحيي فينا المعاني التي كدنا ننساها
وهنا أدركت قيمة
إخراج العلاقات من إطارها الرسمي، فدعوة الطبيب إلى جلسة ودية تعزز الثقة، وتقرب
المسافات؛ ولذلك، أرى أن من الجميل أن يبادر الإنسان بدعوة طبيبه إلى لقاء خارج
إطار العيادة؛ لأن ذلك يضيف بُعداً إنسانياً عميقاً للعلاقة.
عودة إلى الماضي عبر مفاجأة غير متوقعة
وفي اليوم نفسه،
لم تنتهِ المفاجآت؛ إذ وصلتني دعوة من صديق قديم من أيام الجامعة م. عبدالحميد،
تعود معرفتي به إلى نحو 50 سنة، حين كنا ندرس في جامعة بيردو بولاية إنديانا في
الولايات المتحدة الأمريكية.
التقيت به في
أحد المجمعات، وإذا به يفاجئني بملف قديم احتفظ به طوال هذه السنوات، فتحت الملف،
وبدأت أتصفحه، فإذا بي أجد أوراقاً موقعة باسمي؛ لا أكاد أصدق أن هذه الذكريات ما
زالت حية بهذا الشكل.
حين يبقى الأثر رغم مرور الزمن
كانت تلك
الأوراق توثق نشاطات كنا نقوم بها لخدمة المسلمين، سواء داخل الولايات المتحدة أو
خارجها، كنا نرسل رسائل إلى أهل الكويت نطلب فيها الدعم لقضايا إسلامية مختلفة،
مثل: فلسطين، وكشمير، وتايلاند، والهند، وبورما.
وعندما رأيت هذه
الأوراق، شعرت بأن العمل الصالح لا يضيع، وأن ما نزرعه في شبابنا قد يعود إلينا في
لحظة تحيي فينا المعاني التي كدنا ننساها.
اختراع صغير أحدث فرقاً كبيراً
ومن بين
الذكريات التي عادت بقوة، موقف لا أنساه مع هذا الصديق، م. عبدالحميد، حين اشترى
في عام 1973م، أول آلة حاسبة من نوع Texas Instrument (TI-3500)، كانت هذه الآلة ثورة في وقتها؛ إذ اختصرت علينا كثيراً من الجهد،
وأغنتنا عن المساطر الحاسبة والجداول.
أتذكر أنني
استعرتها ليلة كاملة، وبقيت أستخدمها حتى أذان الفجر، مبهوراً بدقتها وسرعتها
واستبدلناها بالجداول الرياضية، كانت تلك اللحظة رمزاً لبداية عصر جديد من التطور
التقني، يشبه إلى حد كبير ما نعيشه اليوم مع الذكاء الاصطناعي.
من الماضي إلى الحاضر.. سؤال التخصص
وبعد كل هذه
الوقفات، جاء لقاء عائلي بسيط، لكنه يحمل في طياته سؤالاً مصيرياً، فقد جلست مع
حفيدة أخي بعد تخرجها من المرحلة الثانوية، وبعد أن هنأتها، سألتني: ما التخصص
الذي أختاره في الجامعة؟
لاحظت أن الحيرة
التي يعيشها طلاب اليوم تختلف عما كنا نعيشه، ففي الماضي، كان المسار يتحدد مبكراً،
أما اليوم، فالخيارات واسعة، لكن الحسم أصعب.
الحياة ليست أحداثاً منفصلة بل سلسلة مترابطة من الدروس تحمل معنى يستحق أن نتوقف عنده ونتعلم منه
سألتها عن
مسارها، فقالت: علمي، فقلت لها: هذا يفتح لك جميع الأبواب، وعندما أبدت رغبتها في
دخول كلية العلوم الإدارية، شجعتها، وبينت لها أن تخصصات مثل: المحاسبة، والتسويق،
والإدارة تعد من أهم الخيارات المتاحة.
اختارت
المحاسبة، وجعلتها رغبتها الأولى، وعند إعلان النتائج، تم قبولها في هذا التخصص،
فكانت فرحة تستحق الاحتفاء.
خاتمة.. تجمع الخيوط
إذا تأملت هذه
الوقفات المتتابعة، أجد أنها ترسم لوحة متكاملة للحياة، تبدأ بالتخطيط للمستقبل
عبر الذكاء الاصطناعي، وتمر بلحظات الإيمان والفرح، وتذكرنا بأهمية الصحة، وتعيدنا
إلى الماضي لنستفيد منه، ثم تنتهي بتوجيه الجيل القادم نحو اختيار واع.
إنها رسالة
بسيطة، لكنها عميقة؛ مفادها أن الحياة ليست أحداثاً منفصلة، بل سلسلة مترابطة من
الدروس، وكل موقف فيها يحمل معنى يستحق أن نتوقف عنده ونتعلم منه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً